الانتخابات بالقواعد الحالية تصب في تجديد السلطوية

نظم المركز العربي للأبحاث ودراسة السياسات بشراكة مع معهد فارس للسياسات العامة والشؤون الدولية ابتداء من 20 يناير2016 وعلى امتداد ثلاثة أيام مؤتمرا دوليا علميا بعنوان: "خمس سنوات على الثورات العربية، عسرالتحول الديمقراطي ومآلاته".

وقد عرف هذا المؤتمر الذي احتضنته الجامعة الأمريكية ببيروت نقاشا علميا وأكاديميا انطلاقا من أوراق بحثية محكمة، ولاقى المؤتمر حسب ما ورد في موقع المركز العربي "تفاعلًا كبيرًا من الباحثين الشباب وأصحاب الخبرات البحثية خلال الفترة التحضيرية له؛ إذ استقبلت اللجنة أكثر من 250 مقترحًا بحثيًا عن طريق البريد الإلكتروني، وأقرت المقترحات المتميزة منها؛ من أجل تقديمها في أوراق بحثية. كما استقبلت اللجنة أكثر من 110 بحثا تم إنجازها؛ فخضعت جميعها للتحكيم، وتمت إجازة 57 بحثًا للمشاركة في المؤتمر"، و قُدمت البحوث باللغتين العربية والإنجليزية، وكان من ضمن المشاركين بعض الباحثين المغاربة، من ضمنهم محمد باسك منار،الباحث في المركز المغربي للأبحاث وتحلبل السياسات، والأستاذ بكلية الحقوق بجامعة القاضي عياض، الذي كانت ورقة مشاركته بعنوان:"قراءة في التجربة الدستورية والسياسية بالمغرب بعد خمس سنوات على الثورات العربية".

وانطلقت الورقة البحثية لمنار من التساؤلات الآتية: ما هي العناصر التي ميّزت التجربة الدستورية والسياسية بالمغرب؟ و ما هو السياق الذي أسهم في تشكيل تلك العناصر؟ وإلى أي حد تصمد عناصر التميُّز تلك عند عرض وتحليل أهم الأحداث السياسية والدستورية التي عرفها المغرب خلال السنوات الخمس الأخيرة؟ بتعبير آخر هل تعني تلك العناصر تحقيق تغيير دستوري وسياسي بنيوي في المغرب؟ أم لا تعني إلا مجرد تغيير في التوازنات فرضته مرحلة ما سمي بالربيع العربي؟

وكانت محاولة الإجابة على تلك التساؤلات انطلاقا من فرضية، هي أن التجربة الدستورية والسياسية المغربية، رغم تميّزها، تبقى محاصرة بالعديد من المعيقات البنيوية، التي قد تجعل كل ما حدث من تغيير ليس تغييرا بنيويا، وإنما مجرد تغيير في التوازنات يصب في تجديد السلطوية.

ويقصد الباحث بالتغيير البنيوي ذلك التغيير الذي ينفذ إلى العمق ويغير القواعد الرئيسية لاشتغال النسق، الأمر الذي يُفضي إلى تحول كبير في النسق أو تحول النسق كله. أما التغيير في التوزنات، فهو ذلك التغيير الذي يقتصر على إحداث تحول في مواقع الفاعلين مع الاحتفاظ بنفس القواعد الأساسية للنسق، الأمر الذي يفضي إلى استمرار ذلك النسق وتجديده.

 وقد تناولت الورقة بالتحليل مختلف الأحداث الدستورية والسياسية التي عرفها المغرب خلال السنوات الخمس الأخيرة، وكان من أهم ما تم التركيز عليه دستور 2011، الذي يرى الباحث أن الاختلاف بشأنه في البداية كان إما باختلاف الإرادات والمواقع، أو اختلاف مقاربات القراءة والتحليل، لكن –وحسب الباحث دائما- يمكن التمييز على العموم بين ثلاثة مواقف من دستور 2011، فهناك من اعتبره ثورة دستورية واستثناء مغربي، وكان رهان أصحاب هذا الموقف تحقيق تكيّف ظرفي مع تحولات المرحلة، أما أفقهم فهو ضمان استمرار النظام السياسي بنفس خصائصه البنيوية وبنفس تحالفاته السابقة. وهناك من اعتبر مشروع دستور 2011 لا يرقى إلى مستوى مرحلة المخاض الدستوري والسياسي الذي عرفته بعض البلدان العربية، ولا يستجيب إلى شعار الدستور الديمقراطي الذي رفعته الاحتجاجات، وكان الرهان هو مقاطعة الاستفتاء والاستمرار في الاحتجاج، أما الأفق فهو التأسيس لمسار دستوري جديد. وبين هذين الموقفين، كان هناك موقف ثالث، يذهب إلى القبول بدستور2011، ليس على أساس أنه دستور  مثالي، ولكن لأنه أفضل من دستور 1996 في العديد من الجوانب.  وكان رهان أصحاب هذا الموقف هو الدفع في اتجاه تأويل ديمقراطي للدستور، أما أفقهم فهو التأسيس لتغيير ديمقراطي انطلاقا مما يتيحه الدستور الحالي من هوامش للتغيير.

ويرى الباحث في دستور 2011 أنه دستور "رد فعل" وليس دستور فعل، وهناك اختلاف في الإرادة الدستورية بين دستور الفعل و دستور رد الفعل، فهذا الأخير، رغم ما حققه من تقدم دستوري مقارنة مع الدساتير السابقة، لم يخرج عن المحددات الأساسية لبنية النظام السياسي القائم. كما يرى أن بعض الوقائع أكدت التأويل الملكي للدستور، ليس على اعتبار أن الملك صاحب التأويل، ولكن على اعتبار أن التأويل يصب في تقوية المؤسسة الملكية.

وبخصوص الانتخابات لاحظ الباحث محمد باسك منار أن الانتخابات التشريعية بتاريخ 25 نونبر 2011  والانتخابات الجماعية والجهوية بتاريخ 4 شتنبر 2015عرفت انفتاحا انتخابيا ملحوظا، تمثل أساسا في السماح لحزب ذي توجه إسلامي بقيادة الحكومة ورئاسة مجموعة من المجالس الجماعية، والتزام الإدارة بنزاهة الانتخابات بمفهومها الضيق، الذي يعني عدم التدخل المباشر لصالح أحزاب سياسية معينة، لكن ظلت هذه الانتخابات خاضعة لضبط قانوني قبلي، الأمر الذي جعل نتائجها لا تؤثر جوهريا على بنية النظام السياسي، وإن كان لها بعض التأثير على مستوى توازنات المشهد السياسي، كما ظلت محاطة بسلوك سياسي وانتخابي ينزع عن الأحزاب السياسية المصداقية ويصب في تجديد السلطوية.

وقد كان من نتائج ذلك الضبط القبلي- حسب الباحث- أن حزب الأصالة والمعاصرة، الذي كانت تطالب حركة 20 فبراير بحله ورحيل بعض رموزه عن المشهد السياسي، عاد وحصل في الانتخابات الجماعية ل 4 شتنبر 2015 على المرتبة الأولى من حيث عدد المقاعد بما مجموعه 6655 مقعدا، دون أن يُوازي ذلك حصوله على المرتبة الأولى من حيث عدد الأصوات، نظرا للتصويت عليه في الدوائر القروية التي يمثل فيها المنتخَب عدد قليل من المواطنين، وذلك لأن عدد المستشارين الجماعيين بالعالم القروي يُضاعف عدد المستشارين بالمدن بما يزيد عن 11 مرة، في الوقت الذي لا يزيد فيه سكان العالم القروي عن سكان المدن إلا بخمسة ملايين نسمة.

وجدير بالذكر أن هذه الورقة البحثية كانت تتويجا لمجموعة من الدراسات التي قام بها الباحث في إطار مواكبة الوضع الدستوري والسياسي بالمغرب، وكان من آخرها الدراسة الميدانية الهامة بعنوان "المشاركة السياسية والانخراط المدني للشباب المغربي بعد تحولات الربيع العربي"،  التي نُشرت في أكتوبر الماضي باللغتين العربية والإنجليزية.