جائحة كورونا وكيفية تدبير السلطات المغربية للأزمة

منذ بداية أزمة كورونا في الصين وتسرب الجائحة إلى العديد من الدول الأخرى خاصة الأوروبية، تبين للجميع أن هذه الجائحة سوف يكون لها امتداد جغرافي عالمي وحتما ستضرب الكيان المغربي، خاصة وأن الموقع الجيوستراتيجي للبلد يجعله منفتحا على أوروبا بشكل كبير.

فأوروبا تعتبر الزبون الأول في السياحة البينية في الاتجاهين سواء تعلق الأمر بتنقل السياح إلى المغرب أو من خلال سياحة المغاربة بأوروبا، ناهيك عن الروابط الاقتصادية بين الاتحاد الأوروبي والمغرب، ومن جهة أخرى ما كان ليخفى على المحلل والملاحظ أن المغرب يملك جالية كبيرة متواجدة في أوروبا وغالبا ما تحافظ على روابطها الاجتماعية مع المغرب.

ومن خلال المعطيات السالفة الذكر، كان من المفروض على السلطات المغربية رصد ظاهرة الوباء، واتخاذ التدابير الضرورية للوقاية وكذا رصد عملية انتشار الوباء وحماية النسيج الاجتماعي المغربي والدفاع عن الأمن الصحي.

فكيف كان سلوك الدولة المغربية في تعاملها مع جائحة كورونا؟

سيكون الهدف الأساسي من هذه الدراسة تتبع عملية تدبير مواجهة جائحة كورونا، علما أن الأمر يتطلب دراسات أخرى وتتبع لعمل مختلف تدخلات الدولة.

  1.  بداية الأزمة:

ساد في البداية جو عام يشير إلى أن المغرب يبقى بعيدا عن انتشار هذا الوباء. بل إنه قبل الإعلان عن أول حالة، كان رئيس الحكومة متفائلا جدا إلى درجة توجيه الدعوة إلى المهاجرين المتواجدين في إيطاليا بزيارة المغرب وأن الأمور جيدة وهناك احتياطات احترازية فقط، كما أن مدير مديرية الأوبئة ما فتئ يقدم التطمينات بأن المغرب محصن وأن طبيعة الفيروس ليست خطيرة وأن حالة الهلع من الفيروس وآثاره غير معقولة.

وبعد إعلان منظمة الصحة العالمية عن حالة الطوارئ الصحية، سارعت وزارة الصحة بالمغرب إلى طمأنة المغاربة من خلال بيانها المؤرخ في 31 يناير2020 والذي أكدت فيه خلو المغرب من الفيروس وأن "الخطة الوطنية للرصد والتصدي لهذا الفيروس تبقى متلائمة مع الوضعية، وذلك من خلال محاورها الأربعة التي تضم الإجراءات التالية: الرصد الوبائي والطبي، والكشف المبكر والتحري الوبائي والفيروسي، إضافة إلى التكفل الطبي، والتنسيق بين كافة المتدخلين"[1].

وتم إحداث اللجنة المشتركة لتتبع الوضعية الوبائية واتخاذ التدابير والإجراءات الاحترازية اللازمة والتي تتكون من وزارة الصحة والدرك الملكي ووزارة الداخلية ومصالح الطب العسكري والوقاية المدنية ومتدخلين آخرين، وهي عبارة عن خلية أزمة تقوم بتدبير كل ما يتعلق بالتعامل مع هذه الجائحة.

ويشار هنا إلى أن المغرب في تعامله مع الطلبة المرحلين من منطقة يوهان الصينية قام بإخضاعهم للعزل الطبي بإحدى المستشفيات بمكناس إلى أن تم التأكد من خلوهم من الإصابة بالفيروس.

وسيتم الإعلان عن أول حالة إصابة بفيروس كورونا يوم الإثنين 2 مارس 2020 لمواطن مغربي آت من إيطاليا، ليتم تعليق الرحلات الجوية مع الصين وإيطاليا، ومع توالي الحالات سيتم توسيع التعليق ليشمل إسبانيا والجزائر ففرنسا..، وإغلاق المعابر والحدود مع مدينتي سبتة وامليلية، ومن تم الإعلان بشكل مستعجل عن مجموعة من التدابير الاحترازية التي بدأت تسطر بشكل سريع ومسترسل.

 ولمواكبة معالجة الآثار الاقتصادية لجائحة كورونا، تم إنشاء لجنة اليقظة الاقتصادية على مستوى وزارة الاقتصاد والمالية من أجل تتبع وتقييم الوضعية الاقتصادية وتقديم الإجابات المناسبة لمواكبة القطاعات الأكثر عرضة للصدمات الناتجة عن أزمة جائحة كورونا[2].

  1.  المتدخلون في تدبير الأزمة:

من خلال الملاحظة المتأنية تبين أن وزارة الصحة ورغم التأخر في الاستعدادات اللازمة، فإنها تعد القطاع الوزاري الأول الذي بدأ بشكل علني في الاستعدادات لمواجهة الأزمة، كما تم تسجيل تدخل رئيس الحكومة في أول مرة يوم 27 فبراير 2020 بالمجلس الحكومي حيث نفى وجود الوباء بالمغرب، ثم مرة ثانية في بداية شهر مارس من خلال ندوة صحفية مشتركة مع وزير الصحة عند الإعلان عن التدابير الاحترازية الأولى والمتعلقة بإلغاء المهرجانات الثقافية والرياضية بالمغرب.

كما ظهر رئيس الحكومة ضيفا في لقاء خاص متلفز إبان الإصابات الأولى، لتتوالى التدخلات كلما استجد الأمر.... وقد تبين من خلال التدخلات التواصلية لرئيس الحكومة أنه اتبع خطة احترازية في تسطير إجاباته وتفاعله مع الأسئلة المطروحة حول الإجراءات التي ستتخذها الدولة، حيث كان ملفتا غموض إجاباته والدفع بأن الأمور قيد الدراسة مع القطاعات الوزارية إلى أن صدر البلاغ الملكي الأمر الذي يوحي بأن القرار ليس بيده.

وفي نفس الاتجاه كانت وزارة الداخلية حاضرة في الأزمة منذ البدايات الأولى، خاصة وأن التقليد المغربي يجعل هذه الوزارة متدخلة في كل القطاعات الحيوية، فالعديد من القرارات كانت تتخذ من طرفها وكان أهمها إعلان وزير الداخلية عن حالة الطوارئ الصحية رغم عدم وجود أي نص قانوني ينظم العملية. بل إن وزارة الداخلية هي من قامت بإعداد مشروع مرسوم القانون الخاص بحالة الطوارئ وعمليا كانت هذه الوزارة في غالب الأحيان هي الأداة التنفيذية لتحرك الحكومة.

 وتجدر الإشارة أنه بعد الإعلان عما سمي بحالة الطوارئ الصحية، شهدت الأسواق المغربية اضطرابا جراء الضغط عليها نتيجة التهافت على شراء المواد الغذائية، وهذا ما دفع وزير الصناعة والتجارة والاقتصاد الأخضر والرقمي إلى التدخل إعلاميا بشكل كبير بغية طمأنة المغاربة بأن هناك تمويل كافي للسوق المغربية. وقد سيرت وزارة الداخلية حملات عشوائية لمراقبة الأسعار مع تسجيل تغطية إعلامية لعملياتها.

وبالنظر إلى الموارد البشرية القطاعية التي تسيرها، كانت وزارة التربية الوطنية والتعليم العالي وتكوين الأطر تلعب دورا ملحوظا في تدبير الأزمة من خلال عدة تدخلات ابتداء من تعليق الدراسة ثم محاولات معالجة تبعات هذا القرار بارتجال بتطبيق التعلم عن بعد رغم عدم وجود أي برنامج مسبق لدى الوزارة لتدبير هكذا سياسة.

ورغم أن الأزمة ارتبطت بالأمن الصحي للمغاربة، فإن التبعات الاقتصادية كانت كبيرة، وهذا ما فرض تدخل وزارة الاقتصاد والمالية وإصلاح الإدارة بشكل سريع ومباشر على مستويين المالي والاقتصادي عبر إقرار العديد من التدابير المالية سواء تعلق الأمر بتجسيد صندوق دعم كورونا أو الكثير من التدابير المالية والاقتصادية المصاحبة لمعالجة تداعيات الأزمة على الاقتصاد الوطني.

وتجدر الإشارة إلى دور لجنة اليقظة الاقتصادية، التي أنشأت بوزارة الاقتصاد والمالية والتي ضمت القطاعات الوزارية، في إقرار العديد من التدابير الاقتصادية المهمة سواء تغلق الأمر بدعم المقاولات وكذا الفئات الاجتماعية التي تضررت من الجائحة.

وباعتباره رئيسا للدولة، يمكن رصد ثلاثة تدخلات أساسية للملك في الأزمة تم الترويج لها إعلاميا بشكل كبير:

التدخل الأول تعلق بإقرار صندوق كورونا والذي تم بتعليمات ملكية للحكومة حسبما أفاد به بلاغ للديوان الملكي عمم على وسائل الإعلام الرسمية بتاريخ 15 مارس 2020.

في نفس السياق أصدرت الحكومة يوم الثلاثاء 17 مارس 2020 مرسوما يقضي بإحداث صندوق خاص بتدبير جائحة كورونا -كوفيد-، حيث عملا بمقتضيات القانون التنظيمي رقم 130.13 لقانون المالية والمادة 29 من قانون المالية للسنة المالية 2020 والمادة 25 من المرسوم 2.15.426 المتعلق بإعداد وتنفيذ قوانين المالية، تم إحداث حساب مرصد لأمور خصوصية يحمل اسم "الصندوق الخاص بتدبير جائحة فيروس كورونا –كوفيد 19-".

التدخل الثاني همَّ اجتماع يوم 17 مارس والذي سمي باجتماع عمل في بيان الديوان الملكي وقد خصص لتتبع وتطور عمليات مواجهة هذه الجائحة، وحضر هذا الاجتماع رئيس الحكومة ووزير الداخلية ووزير الصحة والمفتش العام للقوات المسلحة الملكية، وقائد الدرك الملكي، والمدير العام للأمن الوطني والمدير العام لمراقبة التراب الوطني.

التدخل الثالث تعلق بإصدار الأمر، بتاريخ 22 مارس، للطب العسكري للعمل مع القطاع المدني في جهود مكافحة وباء كورونا، وتم الإعلان عن هذا الإجراء بواسطة بلاغ للديوان الملكي.

  1. استنتاجات:

هناك اضطراب في طريقة تدبير هذه الأزمة، وهذا راجع إلى أربعة عناصر أساسية تم رصدها:

أولا: غياب الإطار القانوني المنظم لتدبير الأزمات وعدم التوفر على أي بروتوكولات ولا مساطر يمكن اتباعها لتنظيم جهود مكافحة الأزمة، فحالة الطوارئ الصحية غير منظمة بأي قانون عكس العديد من التجارب، حيث التوفر على نصوص قانونية واضحة تنظم شكليات استعمال أداة "الطوارئ الصحية"، كمثال النموذج الكندي الذي ينظم قانون الصحة العمومية في مادته 118 حالة الطوارئ الصحية[3].

واقتصر تدبير الأزمة بشكل رسمي على لجنة اليقظة التي كلفت بتدبير التبعات الاقتصادية والاجتماعية للأزمة، في حين بقيت الجوانب الأخرى موزعة بين وزارة الداخلية والقطاعات الوزارية التي اكتفت في غالب الأمر بتتبع ومواكبة تدبير وزارة الداخلية خاصة فيما يتعلق بالتدابير الاحترازية.

ويبدو من طريقة إصدار القرارات والتدابير المتعلقة بمعالجة الجائحة الوبائية وتبعاتها، أن ذلك لا يعطي الانطباع بأن الأمر يدخل في إطار خطة وبرنامج عمل معلن عنه وواضح المعالم، بل الأمور كلها عبارة عن تدابير ظرفية يتم اتخادها تباعا وبدون دراسة حقيقية وتحت ضغط الأحداث والظروف المتغيرة خاصة معالجة الإشكاليات التي تطرح نفسها آنيا.

ثانيا: عدم وضوح المسؤوليات ولعل تعدد التدخلات القطاعية وعدم وجود الالتقائية كان واضح المعالم، فوزارة الصحة وجدت نفسها تدبر الملف الوبائي وما يعرف من تداخلات مرتبطة بالأمن الصحي، ووزارة الداخلية أصبحت تدبر ملفا ثقيلا لا تستطيع معالجته بفعالية خاصة وأن الملف معقد ويتعلق بجوانب طبية ومخاطر وبائية لا تتوفر الوزارة على الكفاءة اللازمة وعلى الأطر المدربة في الميدان.

كما اتضح أن مؤسسة رئيس الحكومة ظلت لأيام عاجزة عن التدخل للاعتبارات السالفة الذكر مما يقوي فرضية عدم توفر رئاسة الحكومة على المعلومات الضرورية والسيناريوهات الاستباقية خاصة وأن الأجهزة المكلفة بدراسة المخاطر والتحذير منها ليست تحت إمرته المباشرة كما هو الحال بالنسبة للمديرية العامة لمراقبة التراب الوطني والمديرية العامة للدراسات والمستندات.

ثالثا: عدم وجود رؤية واضحة لمعالجة الأزمة خاصة وأن لها تبعات اقتصادية واستراتيجية خطيرة، تتطلب تدخلا شاملا وسريعا وهذا ما لم تتوفق فيه الحكومة، لأن الجزء الاستراتيجي مرتبط بقرار وتوجيه يجب أن يصدر من مركز السلطة، ناهيك عن وجود توازنات اقتصادية حاولت الحكومة المحافظة عليها ولعل تعريف وزير الداخلية لحالة "الطوارئ الصحية" بأنها لا تعني إيقاف الدورة الاقتصادية لدليل واضح على الصعوبة والاضطراب الذي مس سلوك الحكومة.

وفي نفس الاتجاه نفهم الارتباك في الإعلان عن إيقاف حركة التنقل العمومي بين المدن يومه السبت عوض الثلاثاء الذي سبق وأعلن عنه من طرف وزارة الداخلية، رغم النتائج الوخيمة لهذا القرار، خاصة والازدحام الكبير الذي عرفته جل المحطات الطرقية مما فرض على السلطات المحلية التعامل مع هذا الواقع بارتجالية واضحة.

في نفس السياق نضع إعلان وزارة التربية الوطنية عن إيقاف الدراسة والإعلان عن تعويضها بالتعلم عن بعد بدون أن تتوفر على المنصات الرقمية الكافية والأدوات اللوجستيكية والرصيد المعرفي المعد مسبقا قبل اتخاذ هذا القرار، وهذا ما يوضح أن الارتباك كان سيد الموقف وما يؤدي إلى تعزيز صحة الفرضية التي تقول بأن الكثير من القرارات المرتجلة الصادرة عن القطاعات الوزارية هي من وحي أجهزة تم إسقاطها بدون رؤية أو تشاور.

رابعا: عدم وجود قيادة ومركز سلطة يستطيع تعبئة جهود مواجهة الجائحة، خاصة مخاطبة الجماهير بشكل مباشر، وتوضيح رؤية وخطة العمل. وبالاطلاع على التجارب الدولية في هذا الباب نتأكد بأن رأس السلطة كان دائما في قلب المعركة من خلال عمليات تواصلية مدروسة، كالنموذج الفرنسي أو الإيطالي وحتى الإسباني بحيث كان رئيس السلطة التنفيذية في خضم المعركة التواصلية مع المواطنين في حين غاب الجميع في التجربة المغربية.

هكذا يمكن استنتاج عدم وجود مركز سلطة قيادي مؤسساتي يستطيع قيادة مجهود مواجهة الأزمة، ففي الأزمات الأمنية يكون تدخل وزارة الداخلية واضح المعالم، لكن أمام جائحة صحية معقدة ولها أبعاد مختلفة وقع إشكال كبير وتردد كبير، فرئيس الحكومة لم يملك سلطة فعلية على الأقل لتنسيق المجهودات المختلفة التي تتطلبها هكذا أزمات.

ولاحظنا كذلك تردد الملك ومحدودية تدخله والذي اقتصر على ثلاثة تدخلات أشرنا إليها سابقا، ولم يتم تسجيل أي عملية تواصلية مباشرة لحث المواطنين على التعبئة العامة لمواجهة الجائحة.

كما أن وزارة الصحة تسهر على الجانب الصحي والطبي، لكن تبين أن الجوانب الوقائية تتجاوز اختصاصاتها بل إنها عانت من إشكالية التواصل مع العموم والذي ظهر من الاضطراب في كيفية عقد الإخبارات عن الحالة الوبائية وطريقة إيصال الخبر، في الأيام الأولى للإعلان عن الإصابات كان مدير الأوبئة بوزارة الصحة من يقدم البيانات للصحفيين قبل أن يخلفه وزير الصحة، ثم أطر أخرى بوزارة الصحة، كما تم تغيير توقيت النشرات الإخبارية مرات عديدة قبل أن تستقر الإحاطة الإعلامية في إحاطة إعلامية واحدة على الساعة السادسة مساء.  

  1. مرسوم حالة الطوارئ الصحية:

أمام الفراغ القانوني لما سمي ب"حالة الطوارئ الصحية" وعدم صمود الإجراءات الاحترازية أمام منظومة احترام دولة الحق والقانون وجدت الحكومة نفسها أمام إشكالية لم تستطع الخروج منها. فمن جهة هناك تدابير احترازية تقيد حرية التجوال والتنقل والحياة العامة، ومن جهة أخرى هناك تدابير إدارية ضبطية متسارعة تخرج للوجود بدون وجود أي سند قانوني لشرعنتها.

وفي هذا الصدد تم اللجوء إلى شرعنة حالة" الطوارئ الصحية" بواسطة المرسوم بقانون رقم 2.20.292 والذي صدر بعد أن قامت الحكومة بشكل سريع بإعداد مشروع مرسوم قانون والمصادقة عليه بمجلس حكومي، ثم عرضه على اللجنتين المختصتين بكل من مجلسي النواب والمستشارين ليتم نشره بالجريدة الرسمية عدد 6867 بتاريخ 24 مارس 2020.

وتجدر الإشارة إلى أن الحكومة لجأت إلى استعمال المادة 81 من الدستور التي تسمح لها بالتشريع فيما بين الدورات بمراسيم قوانين في انتظار انعقاد الدورة العادية الموالية وهي الدورة الربيعية في حالتنا هاته، ومن تم عرض المرسوم على البرلمان بغرفتيه قصد المصادقة.

وقد صدر النص بشكل موجز في 7 مواد تحاول التطرق لحالة الطوارق والقواعد التي تنظمها، ويمكن إجمالا إبداء بعض الملاحظات التالية:

  1. تم منح صلاحية تنفيذ المرسوم إلى وزارتي الصحة والداخلية، وهذا الامر يرهن تدبير أزمة الجائحة واقعيا إلى وزارة الداخلية مع العلم أن وزارة الصحة يبقى لها اختصاص الدور العلاجي فقط، أما الجوانب الأخرى المتعددة والتي تمس قطاعات وزارية أخرى تبقى شأنا خاصا بوزارة الداخلية، وبالتالي تحل وزارة الداخلية بشكل واضح محل مؤسسة رئيس الحكومة إذ هي المحرك لكل العمليات القانونية والتدابير المتعلقة بتدبير حالة الطوارئ الصحية.

إن إقرار حالة الطوارئ الصحية بمقتضى هذا المرسوم اتخذ بمبادرة كل من وزارة الداخلية ووزارة الصحة بعيدا عن رئاسة الحكومة التي كان من المفروض أن تتحمل مسؤولية هذا الإعلان وهو ما لم يتم.

  1. يخول هذا المرسوم بقانون للحكومة بمقتضى المادة الخامسة، إذا اقتضت الضرورة القصوى ذلك، أن تتخذ، بصفة استثنائية، أي إجراء ذي طابع اقتصادي أو مالي أو اجتماعي أو بيئي يكتسي صبغة الاستعجال، والذي من شأنه الإسهام، بكيفية مباشرة، في مواجهة الآثار السلبية المترتبة عن إعلان حالة الطوارئ المذكورة.

إن المادة السالفة الذكر تفتح الباب أمام الحكومة لتحل محل البرلمان من خلال التشريع مكانها، بل وتجاوزها وتأسيس حالة الاستثناء بشكل واقعي وتحويل البرلمان إلى غرفة للتسجيل لفائدة الحكومة أو بالأحرى لفائدة وزارة الداخلية التي تنزل بقوتها التقليدية المخزنية في تدبير الأمور.

نصت المادة الثالثة على ما يلي: "على الرغم من جميع الأحكام التشريعية والتنظيمية الجاري بها العمل، تقوم الحكومة خلال فترة إعلان حالة الطوارئ، باتخاذ جميع التدابير اللازمة التي تقتضيها هذه الحالة، وذلك بموجب مراسيم ومقررات تنظيمية وإدارية، أو بواسطة مناشير وبلاغات، من أجل التدخل الفوري والعاجل للحيلولة دون تفاقم الحالة الوبائية للمرض، وتعبئة جميع الوسائل المتاحة لحماية حياة الأشخاص وضمان سلامتهم.

لا تحول التدابير المتخذة المذكورة دون ضمان استمرارية المرافق العمومية الحيوية، وتأمين الخدمات التي تقدمها للمرتفقين".

وتشكل هذه المادة السلاح الذي بإمكان الحكومة استغلاله لتجاوز النصوص القانونية والتشريعية المقررة واتخاذ مراسيم ومقررات تنظيمية وإدارية، أو بواسطة مناشير وبلاغات... وسيكون الأمر مفهوما أن تشرع الحكومة عبر مسطرة المراسيم طبقا للمادة 81 من الدستور، ولكن أن يتم تجاوز "جميع الأحكام التشريعية والتنظيمية الجاري بها العمل" إلى إصدار "مقررات تنظيمية وإدارية أو مناشير وبلاغات" فهذا ما يشكل خطرا كبيرا على الحياة العامة وإقرارا لحالة خاصة يكون للسلطة التنفيذية سلطة القرار وبدون أدنى مراقبة قبلية أو حتى بعدية.

ومما يبدو أن وزارة الداخلية هي من قامت بإعداد مشروع هذا المرسوم وذلك للاستجابة إلى الحاجيات الأمنية الضبطية دون النظر إلى الجوانب الأخرى التي تم تهميشها سواء تعلق الأمر بالجوانب الصحية والاجتماعية أو المتعلقة بجهود التعبئة التي تمكن من مواجهة هذا الوباء وهذا ما يثير الاستغراب.

إن إعداد هذا النص تم بشكل متسرع وبدون أي استشارة، ولم يتم توزيعه على القطاعات الوزارية لإبداء الرأي وتنقيحه كما هو متعارف عليه، كما أن عرضه على اللجنتين المختصتين بالبرلمان كان إجراء شكليا، حيث لم يكن المشروع موضوع مناقشة ولم يحظ إلا بالقبول شكلا ومضمونا كما هو وبدون أي تعديلات.

  1. لم يقم المرسوم بعملية التفصيل في شرح وتحديد مضبوط لحالة "الطوارئ الصحية"، حيث بقيت لغة العموميات تخفي منح الحكومة صلاحيات واسعة يتم تبريرها بهذا المرسوم، مع العلم أن التجارب التي تم الاطلاع عليها تحدد بدقة حالة الطوارئ وتحدد المسؤوليات، خاصة فيما يتعلق بالحريات وكيفية معالجة الخطر الصحي الذي يهدد السلامة العامة للمواطنين.
  2. نشير في الأخير إلى أنه بفعل التماطل في تنزيل الدستور، تم تهميش بعض المؤسسات المنصوص عليها دستوريا والتي كان بإمكانها أن تلعب دورا قياديا في تدبير الأزمة وعلى رأسها مؤسسة المجلس الأعلى للأمن التي نص دستور 2011 على إحداثها لأول مرة، وهو ما يؤكد أهمية هذه المؤسسة سيما في ظروفنا الحالية. فقد نصت المادة 54 من الدستور على أن من مهام هذا المجلس، علاوة على كونه هيئة للتشاور بشأن استراتيجيات الأمن الداخلي والخارجي للبلاد والسهر على مأسسة ضوابط الحكامة الأمنية الجيدة، "تدبير حالات الأزمات".

ويرأس الملك شخصيا هذا المجلس، الذي يضم في تركيبته، علاوة على رؤساء الحكومة ومجلسي البرلمان والرئيس المنتدب للسلطة القضائية، الوزراء المكلفين بالداخلية والشؤون الخارجية والعدل وإدارة الدفاع الوطني، وكذا المسؤولين عن الإدارات الأمنية، وضباط سامين بالقوات المسلحة الملكية، وكل شخصية أخرى يعتبر حضورها مفيدا لأشغال المجلس.

وما تنبغي الإشارة إليه هو أن هذا المجلس لم ينص على تنظيمه بمقتضى قانون تنظيمي كما هو حال باقي المؤسسات الدستورية وهو ما أكدته الفقرة الأخيرة من الفصل 54 من الدستور، التي جاء فيها: "يحدد نظامٌ داخلي للمجلس قواعدَ تنظيمه وتسييره"، غير أنه إلى حدود الساعة وبعد مرور كل هذه السنوات لم يخرج إلى حيز الوجود النظام الداخلي للمجلس الأعلى للأمن، وكان من الأجدى أن يجتمع وينظم وينسق عملية تدبير هذه الأزمة.

 

[1] https://www.sante.gov.ma/sites/Ar/Pages/communiqu%C3%A9s.aspx?communiqueID=600

[2] https://www.finances.gov.ma/CommuniquesEtAnnonces/cabinet/corona-virus-cve/cp2.pdf

[3] http://legisquebec.gouv.qc.ca/fr/ShowDoc/cs/S-2.2