اقتصاد المغرب في أرقام

انطلاقا من سؤال أين ثروة المغرب؟ وعوض البحث عن رأسمال غير مادي كامن من باب أولى الوقوف على مؤشرات كمية ناطقة لم تزدد إلا تذبذبا وتراجعا خلال السنوات الأخيرة.

انطلاقا من سؤال أين ثروة المغرب؟ وعوض البحث عن رأسمال غير مادي كامن من باب أولى الوقوف على مؤشرات كمية ناطقة لم تزدد إلا تذبذبا وتراجعا خلال السنوات الأخيرة.

صعوبة الوصول إلى المعلومة الحقيقية من خلال التفاصيل يقودنا للتعامل مع معطيات رسمية تبقى ناطقة على تضاربها أحيانا بين مؤسسات تنتمي لنفس الكيان ألا وهو الدولة.

يكفي التذكير بأن مؤسسة رسمية واحدة على الأقل تتحدث عن ضرورة التوافق للاستدلال على أن المستقبل الاقتصادي غير مضمون العواقب: "يعرف الاقتصاد الوطني مرحلة جزرمرتبطة بتقلبات الإنتاج الفلاحي. المغرب مطالب بتعزيز التوافق الوطني الحاضر حولسياسة اقتصادية انتقالية من أجل إصلاح المالية العمومية وتحويل بنيوي للاقتصاد واسترجاع القدرة على تملك الأدوات المالية والنقدية لتنافسية المستقبل" (ندوة صحفية حول: الميزانية الاقتصادية الاستشرافية لسنة 2015 الدارالبيضاء 25 يونيو 2014، صفحة 12).

وكيفما كانت الأرقام الإجمالية فهي تخفي في طياتها تباين التوزيع والفوارق المجالية وواقع الفقر والتفقيروالتهميش الذي تعيشه فئات عريضة من المجتمع في الوقت الذي تستأثر بضع مئات من المغاربة ومن يشاركهم من الخارج (رأسمال أجنبي) بجل مقدرات البلد. كما يجب التنبيه إلى أنه في غياب الحديث عمن يملك الأراضي الفلاحية وعن المقدرات المنجمية، وباختصار كل مصادر اقتصاد الريع وفي غياب التقدير شبه الحقيقي للاقتصاد غير المهيكل وللأموال المكدسة خارج منظومة التمويل الوطنية أو المهربة للخارج فإن كل الأرقام تظل تقريبية.

معطى أخير له أهميته قبل الخوض في اللغة القاصرة للأرقام هي أن الاستراتيجيات الاقتصادية القطاعية والاتفاقيات الاقتصادية الدولية البينية أو المتعددة الأطراف وما يرافقها من إعادةتموقع الرأسمال العائلي المسيطر والمتحالف أحيانا يؤكد ما جاء منذ أزيد من 18 سنة في كتاب عبد الحميد براهيمي "Le magrheb à la croisée es chemins" أن من ينسج اقتصاد المغرب ويحدد استراتيجياته واتفاقياته هو المخزن ومن يدور في فلكه. وهذا يعني أنه لا مجال للحديث عن الثروة في غياب السؤال عن توزيعها والشفافية في إنتاجها والعدل في تقاسم الأعباء الناتجة عنها واحترام الحقوق الاقتصادية للأجيال القادمة.

الجدول المرفق يبين وبشكل مختصر بعض المؤشرات الكلية الأساسية مع تحديد منحى تغيرها. المصادر الأولية المعتمدة: منشورات وزارة الاقتصاد والمالية على موقعها الالكتروني والمحينة بتاريخ 30 شتنبر 2014؛ مشروع ميزانية المواطن 2015؛ المنشورات الأخيرة للمندوبية السامية للتخطيط خاصة مذكرة الفصل الثالث حول الشغل ومختصر الميزانية الاستشرافية لسنة 2015 والمذكرة الفصلية رقم 27 أكتوبر 2014؛ ومنشورات بنك المغرب ومكتب الصرف وتقارير التصنيفات الدولية.

عمدنا أحيانا لمقارنة الأرقام الأخيرة لبعض المؤشرات بالقيم والنسب التي كانت عليها متم 2011 لمعرفة التطور الذي عرفه الاقتصاد بعد سن الدستور الجديد حكومة واحدة بنسختين ما بعد الانتخابات السابقة لأوانها. والملاحظة الأساسية هي الاستمرار على نفس النهج الاقتصادي، وهو ما يظهر جليا في الأهداف المبينة في ميزانيات المواطن للسنوات الثلاث الأخيرة ، وتراجع المؤشرات الرئيسية أو محاولة ضمان استقرارها بالاعتماد أساسا على المديونية وهبات مجلس التعاون الخليجي وخفض مخصصات المقاصة ومواصلة التضريب على الطلب النهائي الداخلي.

 

المؤشر

التغيرودلالته

البطالة

المعدل الوطني بعد الفصل الثالث من 2014 هو في حدود 9,6% بزيادة نصف نقطة مقارنة بسنة 2013. وقدبلغ إجمالي العاطلين مليون و140 ألف شخص؛ أزيد من نصفهم حاملو الشهادات وأعمارهم مابين 15 و44 سنة. لا بد من التذكير أن المعدل الوطني لا يظهر أن بطالة الحواضر يتم تصحيحها بمعدل البطالة في المجال القروي والذي لا يتعدى 4% باعتبار أن كل من يستغل في الفلاحة ولو لأيام مقابل دراهم عديدة هو غير عاطل.

منذ متم 2011 إلى اليوم نضاف لمخزون البطالة 600 ألف شخص والرقم مرشح للازدياد لكون صافي المناصب المحدثة لا يغطي طلب العمل خلال نفس السنة ولعدم كفاية المناصب المحدثة في إطار الوظيفة العمومية.

ولا يجب إغفال معدل الشغل الناقص الذي انتقل، من 9,4% إلى 10,6% على المستوى الوطني خلال الفصل الثالث من 2014 وهو ما يعني أن هناك هشاشة حتى في بعض مناصب الشغل

الدين العمومي

ويشمل دين الخزينة والدين الخارجي المضمون وقد بلغ مجموعه توقعيا خلال سنة 2014 مابين 709 مليار درهم و730 مليار درهم. الرقم الأول عن وزارة الاقتصاد والمالية في مشروع ميزانية المواطن 2015 الصادر في نونبر 2014 أما الثاني والذي يدخل ضمنه 20 مليار كدين داخلي مضمون فهو وارد في تحيين المديونية في متم شتنبر 2014 عن نفس الوزارة.

نسبة الدين مقارنة بالناتج الداخلي الخام باعتماد الرقم الأول هو 77,3% منها 48,2% داخلي (442,5 مليار درهم) و29,1% خارجي (266,8 مليار درهم). النسبة العامة المذكورة حسب المندوبية السامية للتخطيط في الميزانية الاستشرافية هي 79,7% خلال 2014 وهو رقم مرشح للارتفاع ليصل إلى 81,4% خلال سنة 2015.

وكيفما كان تضاربالأرقام فالأكيد هو أن ارتفاع الدين العمومي أصبح هيكليا وأنه تجاوز الحد المتعارف عليه دوليا للقول بسلامة الاقتصاد والذي هو 60% من الناتج الداخلي الخام.

ومنذ متم 2011 ارتفع الدين العمومي مقارنة الناتج الداخلي الخام على الأقل ب 10% وهو الارتفاع الذي لا يوازيه تغير معدل النمو الاقتصادي.

بطبيعة الحال لم نتطرق في هذا المجال للدين الكامن "implicite dette" التي على صناديق التقاعد والتي كثر الحديث عن أزمتها وسبل حلها خلال الأونة الأخيرة دون التوصل لتطبيق حلول ناجعة قد تم تحديدها في مناسبة عدة ابتداء من سنة 2001.

معدل النمو

بعد معدل نمو 4,4% سنة 2013 بفضل تهاطل الأمطار والحصول على مخصصات اتفاقية الصيد البحري من الاتحاد الأوربي فإن 2014 لن يتجاوز معدل النمو الاقتصادي فيها 2,6%.

والملاحظ هو أن مساهمة قطاعات الصناعة والبناء والأشغال العمومية والاتصالات والنقل لازالت ضعيفة على الرغم من الاستراتيجيات المتبعة وبعض النمو الذي تعرفه بعض القطاعات الواعدة كالسيارات وصناعة الطيران. ومن تم فإن المغرب لم يتمكن بعد من استدامة النمو خارج مساهمة القطاع الفلاحي.

الموجودات الخارجية من العملة

تقريبا 182 مليار درهم أي ما يناهز 5 أشهر من الاستيراد، ويبقى رقما مهما إذا ما علم أن في 2013 كان الرقم 4 أشهر. لكن لا يجب إغفال أن الواردات قد انخفضت قيمتها ب 2% خلال السنوات الأخيرة ومن تم فالشهر المربوح ليس إلا حسابيا وليس بفضل استراتيجية المغرب المصدر أو السياحة الخارجية أو تحويلات مغاربة المهجر.

التصنيف الدولي

BBB مستقر عوض سلبي سنة من قبل وهو ما يعني في لغة وكالات التنقيط تحسن القدرة على أداء الدين السيادي.

التضخم

1,9% هو معدل التزايد العام للأسعار مع التباين بين المدن والجهات.

الكثلة النقدية M3

أي النقود الائتمانية والكتابية التي يطرحها النظام البنكي بما فيه بنك المغرب مقابل الاقتصاد الحقيقي. خلال 2014 ب أزيد من 1060 مليار درهم ستكون الكثلة المذكورة قد تجاوزت الناتج الداخلي الخام ب 17%، أي أن النقود تتجاوز الانتاج الحقيقي بهذا المقدار.

القروض البنكية على الاقتصاد

بلغ إجمالي القروض سنة 2013 ما يناهز 744 مليار درهم أي 85,3% من الناتج الداخلي الخام. وقد كان حجم القروض 687 مليار درهم متم 2011 وهو ما يعني أن الاقتصاد المغربي ككل تدور عجلته أساسا بالاقتراض.

وقد تزايدت القروض ب 4,3% سنة 2014 مقابل 3,1% سنة 2013.

تدخلات بنك المغرب لتوفير السيولة

كلما عجز النظام البنكي عن توفير السيولة تدخل بنك المغرب خاصة بآلية قروض 7 أيام لحل المشكل. وإذا كان إجمالي تدخلات البنك المركزي لا يتجاوز 24 مليار متم 2011 فقد تضاعف العدد 3 مرات ليبلغ 70,5 مليار درهم في المتوسط سنة 2013. ومفاد ذلك أن أزمة السيولة تزداد حدة سنة بعد أخرى، الشيء الذي أضطر معه بنك المغرب لخفض سعر الفائدة الرئيسي ب 0,25% ليصبح 2,75% وهو الأمر الذي لم يقم به إبان اندلاع الأزمة الاقتصادية العالمية.

رسملة البورصة

تراجعت رسملة البورصة أي قيمة رأسمال الشركات المدرجة من 516 مليار درهم سنة 2011 إلى 451 مليار سنة 2013. مقارنة بالناتج الداخلي الخام فقدت الرسملة 12,6 نقطة وهنا يطرح أكثر من سؤال حول إمكانية تطوير التمويل الاستثماري المباشر للمقاولات في بورصة جل المدرج فيها هي فروع للقطاع البنكي. كما يطرح أكثر من سؤال حول مدى النجاح الذي سيحقق القطب المالي المرتقب بالدار البيضاء.

معدل التغطية

بعدما كان المعدل في 49% سنة 2011 ففي متم 2013 لم يتجاوز 48,6% رغم تراجع قيمة الواردات ب 1,8% والعدد الكبير من اتفاقيات التبادل الحر (46 اتفاقية) وصرف الأموال في إستراتيجية المغرب المصدر والاستراتيجيات القطاعية. أي بالكاد يتمكن المغرب من الحفاظ على نفس العجز

المقاصة

حصان طروادة لخفض عجز الميزانية، سنة بعد سنة يتم نقص الدعم دون إيجاد آلية بديلة للمحتاجين له. فمن 48,8 مليار سنة 2011 وصولا ل 35 مليار سنة 2014 وبغلاف 22 مليار لسنة 2015 تكون الحكومة قد ألغت نصف الدعم تقريبا وإذا كان بمقدور الأغنياء إيجاد وسائل التعويض فإن محدودي الدخل والمقتطع لهم من المنبع ليس بإمكانهم ذلك ومن تم فإن قدرتهم الشرائية هي التي ستنقص في ظل استقرار الأجور إلا ماكان من وعد برفع الحد الأدنى للأجور ب 10% في ماي الماضي.

الادخار الوطني

تراجع منذ 2011 ب 2,2% ليبلغ سنة 2014 فقط 25,7% من الناتج الداخلي الخام منها 20% داخلية. وتراجع الادخار مؤشر على تنامي نفقات الاستهلاك لغلاء الأسعار أو لزيادة الحجم المستهلك والفرضية الأولى أقرب للصواب في ظل التضخم والزيادة في المحروقات.

الموارد المتوقعة لميزانية 2015

مقارنة ب 2014 الجبايات +2,5% خاصة الضرائب غير المباشرة وواجبات التسجيل؛ الهبات الخليجية +52,9% (من 8,5 مليار إلى 13 مليار درهم) دون الحديث عن المديونية التي ستتفاقم وسبق ذكر أرقامها. في المقابل ستواصل بعض الموارد تراجعها منها الرسوم الجمركية ناقص 5,8% وحصيلة مداخيل الاحتكار والمؤسسات العمومية ناقص 12,2% وهنا يطرح أكثر من سؤال حول جدوى الاستثمارات والدعم الذي تتوصل به هذه المؤسسات في الوقت الذي لا تدر على خزينة الدولة إلا النزر القليل المتوافق حوله.

النفقات الجبائية

يمكن القول أن هذا مجال ريعي في غياب التقييم الدقيق للاجراءات وجدواها. سنة 2014 مجموع النفقات هو 34,6 مليار درهم 60% منها للمقاولات وفقط 28% للأسر.

الاستثمار العمومي

يبدو أن الدولة بكل مرافقها ولو توقعيا عازمة على رفع استثماراتها من 186,6 مليار درهم سنة 2014 (منها 49,5 بالميزانية العامة) إلى 189 مليار درهم (منها 54,1 بالميزانية العامة) لكن هذا لا يجب أن ينسينا ما حدث سنة 2013 حين ألغي جزء من نفقات الاستثمار من الميزانية العامة وأن مصادر التمويل الأساسية تبقى هي المديونية والهبات. كما لايجب إغفال أن الجزء الأهم من الاستثمار يتم في المؤسسات والمقاولات العمومية ومن تم فالمراقبة أقل وتقييم الجدوى أصعب.

 

نزر قليل من مؤشرات كثيرة وأرقام يختلط فيها المنجز والمؤقت والمتوقع والمتضارب. أيضا هي مؤشرات تخفي في طياتها الكثير من التفاصيل وتبسط معاناة الكثيرين. لكن وعلى الأقل تعري زيف شعارات أن الاقتصاد يسير في الاتجاه الصحيح وتظهر أنه لا مناص من مراجعة المسيروالقطع مع الفساد واقتصاد الريع أولا. وإذا أضفنا إليها المراتب المتدنية في جل التصنيفات الدولية والتي لا حاجة لذكرها فإن الأمر يصبح أوكد من المستعجل والضروري تفاديا للاستيقاظ يوما على وقع الكارثة.وبوجود المديونية المرتفعة فإن معدل النمو الاقتصادي لا يعني سيئا، إذ يتوجب خصم الديون لمعرفة الأصول الحقيقية والتي يمكن اعتبارها ثروة المغاربة.