الأداء السياسي بالمغرب سنة 2019: حضور وازن للملك وتذبذب في مردودية الحكومة والبرلمان

تميزت سنة 2019 بعدم استقرار السلطة التنفيذية، نتيجة للتعديلات التي طالت بنية الحكومة ومكوناتها، وأيضا بسبب تنامي التصدعات الداخلية في صفوف الأغلبية؛ وقد ساهم ذلك في التأثير سلبا على حصيلتها التي لم تكن في مستوى الانتظارات، خاصة وأن قدرتها على صنع قرارات تنموية قوية وجريئة كانت محدودة للغاية. أما السلطة التشريعية، وباستثناء معطى أهمية النصوص المصادق عليها، فإن أداءها لم يشهد أي طفرة نوعية من شأنها أن ترتقي بمكانتها بين باقي السلط، خاصة على المستوى التشريعي والرقابي.

وفي المقابل، حافظ الملك، خلال هذه السنة، على موقعه المحوري في رسم القرارات الاستراتيجية على صعيد شتى الميادين السياسية والاقتصادية والاجتماعية وغيرها، بالإضافة إلى توجيهه لباقي المؤسسات العامة، ما أكسبه حضورا متميزا على المستوى الداخلي أكثر منه على الصعيد الخارجي.

 

أولا : الملك

عادة ما يُنظر لمؤسسة الملك في النظام السياسي المغربي على أنها سلطة عليا تنشط في فلكها باقي السلط وتشتغل داخل إطارها وفي ظل توجيهها؛ وقد اكتسبت المؤسسة الملكية هذه المكانة، انطلاقا من مجموعة من التراكمات والمرجعيات التاريخية والقانونية والواقعية، التي مكنتها من تعزيز موقعها داخل النسق السياسي المغربي وتثبيته مع مرور الزمن.

وبصفته رئيسا للدولة، له من السلطات الدستورية والاعتبارية والفعلية ما يمكنه من لعب دور ريادي في توجيه نشاط الدولة والتأثير على الفعل السياسي بالمغرب، مارس الملك خلال هذه السنة مختلف صلاحياته الدستورية التنفيذية والتشريعية والدينية والأمنية والقضائية وغيرها، مكرسا بذلك ثبات أداء المؤسسة الملكية وهيمنتها على الحقل العمومي، خاصة فيما يتعلق بالاختيارات والقرارات الاستراتيجية.

ومن خلال جرد وتقييم الأجندة الملكية لسنة 2019، يتضح أن السمة الرئيسية المميزة لنشاط الملك خلال هذه السنة، تمثلت في تراجع الاهتمام، نسبيا، بالسياسة الخارجية لصالح الشأن الداخلي، مقارنة مع السنوات السابقة التي شهدت طفرة كمية ونوعية في تعاطي الملك مع الشؤون الخارجية، عن طريق تكفله شخصيا بتطوير علاقات التعاون مع عدد من الشركاء التقليديين والجدد، مع إيلاء اهتمام خاص بالقارة الإفريقية.

وبالموازاة مع ذلك، حافظ الملك على موقعه المحوري في رسم مختلف التوجهات والاختيارات والمبادرات السياسية الهامة التي شهدتها الدولة ومؤسساتها خلال هذه السنة، مما مكنه من القيام بدور تقريري في إدارة القضايا الاستراتيجية وتدبير الاشكالات السياسية.

تأسيسا على ذلك، توزعت تدخلات الملك خلال سنة 2019 بين الشأنين الداخلي والخارجي، وفق ما يلي :

السياسة الداخلية للملك :

واصل الملك خلال سنة 2019 حضوره القوي على الساحة الداخلية للبلاد، كفاعل مركزي في بلورة السياسة الداخلية للدولة وتنزيلها، وقد شملت التدخلات الملكية على هذا الصعيد عدة مجالات :

الشأن الديني: ملك المغرب هو نفسه "أمير المؤمنين وحامي حمى الملة والدين، والضامن لحرية ممارسة الشؤون الدينية"، ويمتلك صلاحيات دستورية تقريرية في الحقل الديني، أهمها ترأسه للمجلس العلمي الأعلى.

وتبعا لذلك، حرص الملك خلال هذه السنة على القيام بمجموعة من الأنشطة الدينية الاعتيادية الرسمية التي من شأنها المحافظة على المرجعية الدينية للسلطة الملكية؛ ويُمكّن الطابع الرسمي والعمومي للممارسات الدينية للملك، من تكريس البعد الديني للنظام السياسي بالمغرب وتسويقه داخليا وخارجيا. ومن بين أهم هذه الأنشطة خلال هذه السنة، تأدية صلاة الجمعة بشكل دوري بعدد من المساجد وصلوات الأعياد الدينية وممارسة سلطة العفو على السجناء بمناسبة هذه الأعياد؛ ثم ترأسه للدروس الحسينية الرمضانية التي تناولت مواضيعا متنوعة، جزء منها حاول الربط بين الزمن المعاصر والتعاليم الدينية؛ وأيضا إعطاء الإذن بفتح عدد من المساجد التي تم بناؤها أو ترميمها؛ إضافة إلى المساهمة في ملتقيات المنظمات والهيئات الإسلامية الدولية، من خلال توجيه رسائل ملكية للمشاركين في هذه الملتقيات.

وبالموازاة مع هذا النوع من الأنشطة الاعتيادية، شهدت سنة 2019 بعض المبادرات الملكية النوعية في الشأن الديني، من قبيل توجيه تعليماته قصد تنظيم انتخابات الهيئات التمثيلية للجماعات اليهودية المغربية، مع السهر على احترام تجديد هذه الهيئات بشكل دوري طبقا للقوانين الصادرة في هذا الشأن؛ ثم إعطاء انطلاقة أشغال بناء متحف للثقافة اليهودية؛ موازاة مع تخصيص مساهمة مالية لترميم وتهيئة بعض الفضاءات داخل المسجد الأقصى ومحيطه؛ إضافة إلى دعوة البابا فرانسيس للقيام بزيارة رسمية للمغرب. وترمي هذه المبادرات ذات الطابع الديني والإشعاع الدولي إلى عكس السياسة الملكية في الميدان الديني المرتكزة على الانفتاح على الديانات السماوية الأخرى وتشجيع الحوار بين الأديان، مع تكريس المقاربة الرسمية للإسلام المبنية على الوسطية والاعتدال والتسامح ونبذ التشدد والتطرف والإرهاب. كما تهدف بعض هذه المبادرات إلى الحفاظ على الثقل الديني للملك، بصفته "أميرا للمؤمنين"، اتجاه عدد من الدول والمجموعات المسلمة؛ إضافة إلى التذكير بالالتزام بالدفاع عن بعض القضايا الدولية التي لها أبعاد دينية، وفي مقدمتها القضية الفلسطينية ووضعية القدس.

المجال السيوسيواقتصادي: يعتبر ملك المغرب فاعلا أساسيا في الحقلين الاجتماعي والاقتصادي على حد سواء، وله من الصلاحيات والآليات ما يتيح له التدخل في هذا المجال وتوجيهه ورسم محدداته؛ فبالإضافة إلى السلطات الدستورية الواسعة التي يستند إليها في تدخلاته السوسيواقتصادية، يعتبر الملك فاعلا اقتصاديا مؤثرا بشكل قوي في الاقتصاد الوطني، عن طريق "صندوق المدى" والذي تعد العائلة الملكية بالمغرب مساهما رئيسيا فيه؛ وهو عبارة عن تجمع اقتصادي ريادي على الصعيد الوطني والإفريقي، يعد من أكبر صناديق الاستثمار للرساميل الخاصة على الساحة القارية، وينشط في عدد من القطاعات الاقتصادية الحيوية كالخدمات المالية والعقار والسياحة والطاقة والمواصلات والمناجم وغيرها.

على المستوى الرسمي، خصص الملك خلال سنة 2019 جزءا مهما من أجندته للأنشطة ذات البعد السوسيواقتصادي؛ فالمؤسسة الملكية دأبت عبر امتداد السنوات الماضية على تعزيز إشعاعها الاجتماعي ودعمها للفئات المحتاجة، الأمر الذي من المحتمل أن يؤثر إيجابا على منسوب الولاء وتوطيد أواصر الثقة بينها وبين المواطنين وخاصة الفئات المحدودة الدخل.

تأسيسا على ذلك، وانطلاقا من كون المشاريع التي تنجز بتوجيه ملكي تحظى بأهمية خاصة مقارنة مع المشاريع الأخرى؛ كان الملك حريصا خلال هذه السنة على إعطاء انطلاقة عدد من المشاريع وتدشين مشاريع أخرى ذات بعد سوسيواقتصادي؛ وعادة ما تتصف المشاريع المنتقاة للتدشين بأهمية نوعية من حيث وظيفتها وكلفة إنجازها. ومن أبرز هذا النوع من المشاريع، المنظومة الصناعية للمجموعة الفرنسية "بي إس أ" بالمغرب والتي عمل الملك على ترأس تدشينها بالمنطقة الصناعية المندمجة "أتلانتيك فري زون" نواحي القنيطرة؛ وأيضا تدشين المصنع الجديد لمجموعة "بي إس أ" للعربات والمحركات، وإعطاء انطلاقة أشغال توسعة هذا المركب الصناعي؛ وهي كلها مشاريع ضخمة ولها بعد استراتيجي من حيث تطوير القطاع الصناعي وتعزيز الصادرات وخلق فرص مهمة للشغل.

هذا، وعمل الملك على تنفيذ بعض العمليات ذات الطبيعة الاجتماعية المحضة، وهي مبادرات ملكية في الأصل، أصبحت تتم بشكل سنوي، من قبيل إطلاق المبادرة الملكية "مليون محفظة" والتي استفاد منها هذه السنة ما يقارب 4,5 مليون تلميذ؛ وكذلك إعطاء انطلاقة العملية الوطنية للدعم الغذائي "رمضان 1440"، والتي تنظمها مؤسسة محمد الخامس للتضامن بمناسبة شهر رمضان.

والأكيد أن مختلف هذه المبادرات، تكرس الحضور المستقر والمتميز والنشيط للملك في مختلف التدخلات والمبادرات النوعية للدولة في الميدانين الاجتماعي والاقتصادي، مما يُفضي إلى توليد انطباع لدى العموم وعدد من المهتمين، مفاده أن أغلبية المبادرات والمشاريع الكبرى والهامة هي مشاريع ملكية بامتياز.

القرارات الاستراتيجية: غالبا ما تجد الخيارات والقرارات العمومية الهامة مصدرها في مبادرات ملكية؛ فمعظم المخططات والبرامج والإصلاحات التي عرفها المغرب جاءت عن طريق توجيهات أو قرارات ملكية، كما لا شك في أن السياسات الحكومية ذات البعد الاستراتيجي ما كانت لتمر دون الحصول على الموافقة الملكية المسبقة بشكل مباشر أو ضمني. وعادة يتخذ الملك مثل هذه القرارات ضمن خطبه السامية، كما يمكن أن تكون محل تعليمات وقرارات خاصة ومباشرة.

في هذا الإطار، أعلن الملك خلال سنة 2019، ضمن الخطاب الملكي الملقى بمناسبة الذكرى العشرين لعيد العرش، إحداث اللجنة الخاصة بالنموذج التنموي، كهيأة استشارية مهمتها الأساسية تشخيص وتقييم المنجزات والاصلاحات المتخذة، مع الوقوف عند انتظارات المواطنين، أخذا بعين الاعتبار السياق الدولي وتطوراته في المستقبل، ثم التقدم بالمقترحات والتعديلات التي من شأنها تجويد النموذج التنموي وتحيينه. وفيما بعد، أشرف الملك على تعيين أعضاء هذه اللجنة الخاصة، والتي تكونت بالإضافة إلى الرئيس، من 35 عضوا، منخرطين بالقطاعين العام والخاص، أو في المجتمع المدني. وقد دعا الملك هذه اللجنة إلى الاشتغال وفق مقاربة تشاركية ومندمجة، على أن تقدم له حصيلتها في صيف سنة 2020.

ومن المهم التذكير بكون أول مرة طُرحت فيها مسألة مراجعة النموذج التنموي القائم، كانت ضمن الخطاب الملكي الملقى بمناسبة افتتاح الدورة الأولى من السنة التشريعية 2017-2018، حيث عبر الملك في هذا الخطاب على أن النموذج التنموي الوطني القائم، أصبح غير قادر على الاستجابة للمطالب والحاجيات الملحة للموطنين، وعاجز عن تحقيق العدالة الاجتماعية وتقليص الفوارق المجالية، كما دعا مختلف الفاعلين المختصين إلى إعادة النظر في هذا النموذج.

وفي هذا الصدد، يمكن تسجيل ملاحظتين أساسيتين، أولهما أن أعلى سلطة بالبلاد أصبحت واعية بأن وثيرة التنمية التي تسير بها البلاد لم تعد مقنعة، وأن الإشكالات الاقتصادية وخاصة الاجتماعية أصبحت تتفاقم في وقت تتعالى فيه مطالب واحتياجات المواطنين؛ وبالتالي فالأسلوب والآليات المعتمدة من قبل الدولة لمواجهة هذه الإشكالات المتنامية لم تعد فعالة، الأمر الذي يستدعي مراجعتها وتعديلها بشكل شمولي.

أما الملاحظة الثانية، فتتعلق بكون باقي الفاعلين العموميين، وخاصة الحكومة والبرلمان، أبانوا عن عجزهم في القدرة على بلورة النموذج التنموي البديل الذي دعاهم الملك في وقت سابق إلى إعداد تصور له، وهو العجز الذي نتج عنه قرار الملك تغيير وجهة اختصاص بلورة هذا النموذج، حيث أسند هذه المهمة، بعد مرور حوالي سنتين من الإعلان لأول مرة عن هذه المبادرة، للجنة استشارية خاصة، تنتفي فيها تمثيلية الأحزاب السياسية.

ومن بين الاختيارات الملكية التي تمظهرت بشكل أوضح سنة 2019، دعوته إلى إعطاء أهمية خاصة للتكوين المهني؛ إذ خصص حيزا مهما من أجندته لدراسة برنامج تأهيل عرض التكوين المهني وتطويره والتخطيط لإحداث "مدن المهن والكفاءات" على الصعيد الجهوي. وقد برز هذا التوجه أكثر من خلال الخطاب الملكي الملقى بمناسبة الذكرى السادسة والستين لثورة الملك والشعب، والذي أكد فيه على أهمية التكوين المهني في تأهيل الشباب واندماجهم في سوق الشغل، والمساهمة في تنمية البلاد.

ومن الواضح أن هذا الاختيار يتقاطع مع توجه الدولة ورغبتها في تعزيز القطاع الخاص وخاصة القطاع الصناعي، مقابل تنازلها بشكل تدريجي عن جزء من أعبائها فيما يتعلق بالتوظيف في القطاع العام. وبالتالي فتشجيع السير نحو التكوين المهني وتخفيف الضغط على الجامعات، من شأنه أن يساهم في رفع عدد الخريجين الموجهين نحو الاشتغال بالقطاع الخاص، مقابل الحد من نسبة تزايد أعداد خريجي الجامعات الموجه جزء مهم منهم نحو القطاع العام. وعليه فهذا التوجه، يهدف إلى توفير اليد العاملة المكونة والمؤهلة للاشتغال بالقطاعات الاقتصادية الخاصة، كما يمكن أن يشكل حلا لتخفيض بطالة الشباب، خاصة وأن الدولة أصبحت عاجزة عن توظيف أعداد مهمة من حاملي الشهادات في القطاع العام.

هذا، ومازال مشروع الجهوية المتقدمة يحظى بأهمية بالغة في توجيهات الملك، إذ دعا الحكومة، عبر خطاب 20 غشت، إلى إعطاء الأسبقية لتنزيل الجهوية المتقدمة، بالموازاة مع تطبيق ميثاق اللاتمركز الإداري، في أفق الرفع من الاستثمار المحلي وتحقيق العدالة الاجتماعية؛ ويمكن قراءة هذا التوجيه الملكي كرد على محدودية تنزيل الجهوية وعدم مواكبة نظام اللاتمركز الإداري لهذا الورش. وضمن هذا السياق وجه الملك رسالة إلى المشاركين في المناظرة الأولى للجهوية المتقدمة بأكادير نهاية سنة 2019، أكد فيها على أن التطبيق الفعلي للجهوية المتقدمة، رهين بوجود سياسة جهوية واضحة وقابلة للتنفيذ في المجالات الاقتصادية والاجتماعية والثقافية والبيئية.

ممارسة باقي الاختصاصات الدستورية: مارس الملك خلال سنة 2019 العديد من الاختصاصات ذات الطبيعة الدستورية، أهمها الإشراف على تعديل الحكومة في أكتوبر 2019، عبر تعيين 6 وزراء جدد، مع تقليص عدد أعضاء الحكومة وإعادة هيكلة بنيتها. وقد جاء هذا التعديل تنفيذا لتعليمات الملك التي وردت في خطاب العرش، والقاضية بتكليف رئيس الحكومة بتقديم مقترحاته حول تجديد مناصب المسؤولية، الحكومية والإدارية، وإغنائها بالكفاءات على أساس الاستحقاق والكفاءة. وإلى جانب هذا التعديل، قام الملك بتعيين عدد من العمال والولاة ومدراء المؤسسات العمومية الاستراتيجية، كما ترأس مجالسا وزارية تمت المصادقة فيها على نصوص قانونية مهمة. وتدخل مختلف هذه المهام ضمن الاختصاصات الدستورية المخولة للملك، والتي تمكنه من ممارسة سلطته الرقابية على مختلف النصوص التشريعية قبل إصدارها، من جهة، ومن ضبط علاقته بباقي السلطات والمؤسسات العامة الأخرى، من جهة ثانية.

السياسة الخارجية للملك:

يمتلك الملك صلاحيات دستورية واسعة على مستوى رسم السياسة الخارجية للبلاد، وقد حدد الفصل 55 من الدستور معظم سلطات الملك في المجال الدبلوماسي والخارجي، خاصة ما يتعلق باعتماد السفراء والتوقيع على المعاهدات الدولية والمصادقة عليها.

بناء على هذا السند الدستوري والرصيد التاريخي للمؤسسة الملكية على مستوى اتخاذ أهم القرارات الاستراتيجية الخارجية للمغرب، وتأسيسا على الدور الاعتباري للملك على صعيد العلاقات الدولية؛ شهد المغرب خلال سنة 2019 بعض الأحداث المهمة ذات الإشعاع الدولي، والتي برز فيها الملك كفاعل ومؤثر رئيسي في السياسة الخارجية للدولة المغربية.

الحدث الرئيسي يتعلق بالإشعاع الدولي الذي حظيت به زيارة بابا الكنيسة الكاثوليكية البابا فرانسيس للمغرب نهاية مارس 2019؛ حيث جاءت هذه الزيارة بدعوة من الملك، وتم التحضير لها بشكل كبير، كما لقيت متابعة إعلامية خاصة، واعتبرت من الأحداث المهمة التي أثارت انتباه الرأي العام خلال سنة 2019.

وقد تضمنت هذه الزيارة مجموعة من الأنشطة، أهمها الاستقبال الرسمي الكبير الذي حظي به البابا بباحة مسجد حسان بالرباط، والذي تم خلاله إلقاء الملك لخطاب خاص بالمناسبة، اكتسى طابعا قيميا وأخلاقيا، ركز فيه بشكل أساسي على أهمية الانفتاح والتعارف والحوار بين الديانات السماوية، موازاة مع ضمان حرية ممارسة الشعائر الدينية، كما شدد على أهمية التربية في نبذ التطرف. وفي نفس الاتجاه، دعا البابا في خطابه إلى بذل مزيد من الجهود لمواجهة التعصب، ونوه بقيم التعايش والتسامح السائدة بالمغرب.

وضمن نفس الزيارة، وقع الملك، بصفته رئيسا للجنة القدس، والبابا فرانسيس، على "نداء القدس"، الذي يروم المحافظة والنهوض بالطابع الخاص للقدس كمدينة متعددة الأديان، وبالبعد الروحي والهوية المتفردة لهذه المدينة.

ومن خلال سياق هذه الزيارة وحيثياتها، يظهر أن الملك ابتغى من خلالها توجيه رسالة للعالم عامة وللغرب خاصة، مفادها أن المغرب بلد منفتح ثقافيا، خاصة على المستوى الديني، يضمن حرية ممارسة الشعائر الدينية لغير المسلمين، ينبذ التطرف والإرهاب ويشجع التواصل والحوار بين الأديان السماوية الثلاث؛ مع إعطاء إشارة رمزية إلى العمق الثقافي والديني للقضية الفلسطينية عبر "نداء القدس".

قضية المناخ احتلت مكانة مهمة ضمن التدخلات الدولية للملك خلال سنة 2019؛ وهذا الاهتمام ليس بوليد هذه السنة، بل هو امتداد لمسلسل من القرارات والمبادرات التي اتخذها المغرب بقيادة الملك منذ عدة سنوات، بهدف الانخراط القوي في القضايا الدولية المرتبطة بالمناخ والتنمية المستدامة؛ حيث اعتمد المغرب في هذا السياق على استراتيجية للطاقات البديلة ترمي إلى الانتقال بالمغرب من بلد معتمد بشكل مطلق على استيراد كافة الاحتياجات من النفط والغاز، إلى دولة منتجة للطاقة المتجددة بكميات مهمة. وقد تُوج هذا التوجه بتنظيم المغرب لمؤتمر الأمم المتحدة للتغير المناخي سنة 2016 في نسخة 22 بمدينة مراكش.

سيرا على هذا النهج الذي يكرس الانخراط الدولي للمغرب في هذا الميدان، وجه الملك رسالة إلى المشاركين في قمة العمل المناخي 2019 بنيويورك، حاول من خلالها المزاوجة بين البعدين المناخي والقاري، خاصة وأن السياسة الخارجية للملك اتسمت خلال السنوات الأخيرة بالتوجه نحو تطوير العلاقات مع البلدان الإفريقية، في أفق جعل المغرب فاعلا جيواستراتيجا على صعيد القارة الإفريقية؛ وفي هذه الرسالة أكد الملك على ضرورة إيلاء إفريقيا الأولوية في العمل الدولي من أجل البيئة، على اعتبار أن تدهور القارة سيمثل تهديدا دوليا، وبالتالي يتعين على جميع بلدان العالم التصدي له بشكل جماعي.

على الصعيد القاري، وجه الملك خطابا إلى المؤتمر الأول للجنة المناخ الخاصة بمنطقة الساحل، بنيامي (النيجر)، أعلن فيها عن التزام المغرب بالتكفل بـدراسات الجدوى اللازمة لاستكمال خطة الاستثمار المناخي لمنطقة الساحل. كما وجه رسالة إلى المشاركين في أشغال المؤتمر الإسلامي الثامن لوزراء البيئة، عبر فيها على أن إشكاليات البيئة والتنمية المستدامة أضحت تشكل أحد الرهانات الكبرى التي تواجه العالم، محذرا من المخاطر البيئية المحدقة بكل البلدان وخاصة البلدان الفقيرة.

ويمكن قراءة اهتمام الملك بقضية المناخ، على أنها نتيجة للوعي بحجم المخاطر البيئية التي تهدد المغرب في المستقبل، شأنه في ذلك شأن عدد من البلدان الإفريقية التي قد تتضرر أكثر من غيرها من التغيرات المناخية، خاصة على مستوى ارتفاع درجة الحرارة والجفاف والنقص في الماء. كما أن التوجه نحو الاعتماد على الطاقات البديلة في المستقبل، قد يمثل حلا بديلا جيدا وملائما للمغرب لتغطية حاجياته الطاقية.

أما على مستوى العلاقات الإفريقية للمغرب، وإن كانت الأنشطة الملكية محدودة نسبيا خلال سنة 2019، إلا أن التوجه نحو القارة الإفريقية مازال نفسه قائما، سواء على المستوى الاقتصادي أو السياسي؛ وقد تميزت هذه السنة بدخول اتفاقية إحداث منطقة التجارة الحرة الإفريقية التي وقع وصادق عليها المغرب حيز التنفيذ، وهو ما من شأنه أن يعزز من فرص تنمية المبادلات التجارية وتقوية استثمارات المقاولات المغربية بعدد من البلدان الإفريقية الشريكة؛ وهنا يجب التنبيه إلى أن هذا الانفتاح قد تواجهه بعض التحديات التنافسية على المستوى القاري، خاصة في ظل وجود قوى اقتصادية كبرى وصاعدة في مقدمتها جنوب إفريقيا ونيجيريا.

ومن بين الأنشطة الملكية الموجهة نحو القارة الإفريقية خلال سنة 2019، رسالة الملك للقمة الاستثنائية لمجموعة دول الساحل والصحراء المنعقدة بنجامينا، والتي جدد الملك عبرها التزام المغرب بإعطاء زخم جديد لهذا التجمع الاقتصادي الإقليمي التابع للاتحاد الإفريقي، مع تثمين دور المجموعة في تعزيز السلم والاستقرار والتنمية بالقارة الإفريقية.

وفيما يتعلق بالصحراء المغربية، فالقضية ظلت خلال هذه السنة وعلى امتداد السنوات الماضية أولوية ضمن اهتمامات الملك وتدخلاته، حيث لعبت المؤسسة الملكية على الدوام دورا مركزيا في تحديد مختلف توجهات وقرارات الدولة المغربية بشأن قضية الصحراء المغربية. ويكاد يكون الاختصاص التقريري في هذا المجال، على المستوى الواقعي، شأنا حصريا للمؤسسة الملكية، في حين يبقى دور باقي المؤسسات الأخرى التي تمارس وظائفا ديبلوماسية، منصبا أساسا على الترويج للقضية والدفاع عنها، دون إمكانية امتلاك صلاحية المساهمة في صنع القرارات الرسمية المتعلقة بهذه القضية الوطنية.

تبقى الإشارة إلى أن الخطاب الملقى بمناسبة الذكرى 44 للمسيرة الخضراء، شكل فرصة للملك من أجل تجديد طرح مبادرة الحكم الذاتي، حيث اعتبرها السبيل الوحيد للتسوية في إطار الاحترام التام للوحدة الوطنية والترابية للمملكة، وأنها حل سياسي واقعي وعملي يتصف بالمصداقية والجدية.

ثانيا : الحكومة

منذ الانتخابات التشريعية لسنة 2016، عاشت الحكومة المغربية على وقع من التذبذب وعدم الاستقرار، نتيجة لعدم القدرة على تشكيل أغلبية متجانسة أو بفعل إعادة هيكلتها وتعديل مكوناتها لأكثر من مرة.

خلال سنة 2019، شهد الجهاز الحكومي تعديلا هاما، على إثر مطالبة الملك رئيس الحكومة سعد الدين العثماني باقتراح التعديلات المناسبة للمناصب الوزارية؛ ويُعبر هذا القرار عن عدم اقتناع الملك بأداء السلطة التنفيذية، خاصة في بعض القطاعات. واعتُبر آنذاك الهدف المعلن لهذه العملية، هو تطعيم الحكومة بالكفاءات وتجويد عملها ونجاعة أدائها.

في يوم 9 أكتوبر 2019 خرج هذا التعديل الحكومي للوجود، حيث أفرز حكومة مصغرة نسبيا، تتكون من 24 عضوا بينهم 4 نساء، بعدما كانت التشكيلة السابقة تضم 39 وزيرا. هذا التعديل أدى إلى إعفاء 21 وزيرا وتعيين 6 وزراء جدد، ونتج عنه انسحاب حزب التقدم والاشتراكية واصطفافه إلى جانب المعارضة، بفعل عدم رضاه بمخرجات التفاوض بشأن تشكيل الحكومة الجديدة.

وهكذا، أصبحت حقائب الحكومة في نسختها الجديدة تتوزع بين أحزاب الأغلبية على الشكل التالي : 7 حقائب وزارية لحزب العدالة والتنمية بينهم رئاسة الحكومة، و4 حقائب لحزب التجمع الوطني للأحرار، وحقيبتان لحزب الحركة الشعبية، وحقيبة واحدة لحزب الاتحاد الاشتراكي وحقيبة واحدة أيضا للاتحاد الدستوري. في حين خصصت الحقائب التسعة الباقية لوزراء غير منتمين سياسيا، وأغلبها وزارات سيادية.

ويمكن القول بشكل عام، أن النشاط الحكومي خلال سنة 2019 اتسم بالاضطراب وضعف الاستمرارية، كنتيجة مباشرة لعدم استقرار الجهاز الحكومي عضويا (تغيير أعضاء الحكومة) وموضوعيا (إعادة هيكلة القطاعات الوزارية)، بالإضافة إلى ما صاحب ذلك من هدر للزمن السياسي. كما لوحظ استمرار الخلافات السياسية بين مكونات الأغلبية، وخاصة بين أقوى حزبين داخل الحكومة، حزب العدالة والتنمية وحزب التجمع الوطني للأحرار؛ ففي كثير من المناسبات تبادلا قادة هذين الحزبين الاتهامات بشكل صريح ومباشر، ما أثر سلبا على منسوب الانسجام والتجانس بين مكونات الأغلبية برمتها، وهو ما سيؤدي فيما بعد إلى حدوث حالات من الانحصار على مستوى تدبير بعض الأزمات والقضايا العمومية الحساسة وفق مقاربة متوافق بشأنها.

على مستوى ردود أفعال عدد من الفئات الاجتماعية مع السياسة الحكومية، لوحظ خلال سنة 2019 استمرار ظاهرة الاحتجاج؛ وقد همت الاحتجاجات والإضرابات أساسا بعض الفئات المهنية التي تعتبر نفسها متضررة من القرارات الحكومية، كالأساتذة المتعاقدون بقطاع التربية والتعليم وطلبة كلية الطب والأطباء والممرضون بقطاع الصحة والمتصرفون وحاملي الشهادات ودكاترة الوظيفة العمومية، وغيرهم من الفئات الاجتماعية المتضررة التي اختارت أسلوب التظاهر والاحتجاج بالعاصمة الرباط أو بعدد المدن الأخرى.

وفي محاولة من الحكومة للحد من نمو التوتر الاجتماعي، عبر تفعيل آلية الحوار الاجتماعي والتفاوض بينها وبين النقابات العمالية والفاعلين الاقتصاديين، تم التوقيع نهاية أبريل 2019 على اتفاق ثلاثي الأطراف يمتد على ثلاث سنوات (2019-2021) بين الحكومة والاتحاد العام لمقاولات المغرب والمركزيات النقابية الأكثر تمثيلية. أهم ما جاء في هذا الاتفاق، الزيادة التدريجية في أجور الموظفين بقيمة 500 درهم للسلالم الدنيا والمتوسطة و400 درهم للسلالم العليا؛ والرفع التدريجي من الحد الأدنى للأجور في قطاعات الصناعة والتجارة والخدمات والفلاحة فيما يتعلق بالقطاع الخاص؛ موازاة مع التنصيص على عدد من الإجراءات الرامية بالأساس إلى تقوية الحماية الاجتماعية، وتثمين الحريات النقابية، ومأسسة الحوار الاجتماعي، مع وضع ميثاق اجتماعي للدفع بالتماسك والسلم الاجتماعيين. وبغاية تنزيل مختلف هذه المخرجات صادقت الحكومة على 36 مرسوما متعلقة بتنفيذ بنود اتفاق الحوار الاجتماعي.

على مستوى التدبير الحكومي للقطاعات الوزارية، أثار التقرير السنوي للمجلس الأعلى للحسابات برسم سنة 2018 والصادر في شتنبر 2019 نقاشا عموميا وإعلاميا واسعا، خاصة وأنه خرج إلى حيز الوجود بعد مدة قليلة من الخطاب الملكي لعيد العرش، والذي دعا الملك فيه إلى تجديد مناصب المسؤولية الحكومية والإدارية؛ وقد رصد هذا التقرير الكثير من الاختلالات، كما رصد مجموعة من الأعطاب والنواقص التدبيرية التي تشير إلى تعرض المال العام للتبذير أو السرقة داخل عدد مهم من القطاعات الحكومية والجماعات الترابية والمؤسسات العمومية.

ومن المثير للانتباه أن هذا التقرير لقي ردود فعل رافضة لما جاء فيه من قبل بعض المسؤولين المعنيين بالتقرير، أغلب هذه الردود تم تصريفها في وسائل الإعلام أو ضمن بيانات، في الوقت الذي قرر فيه المندوب العام لإدارة السجون وإعادة الإدماج توجيه رسالة رسمية شديدة اللهجة إلى رئيس المجلس الأعلى للحسابات، معبرا فيها عن رفضه لمضامين التقرير وصيغته التي تقدم انطباعا لدى المتلقي بتوجه عدمي، يُفهم من خلاله أن الفساد والتقصير مستشريين في مؤسسات الدولة بشهادة المجلس كمؤسسة دستورية، بحسب تعبير الرسالة.

وكتقييم للعمل الحكومي خلال سنة 2019، يسجل بشكل عام، استنادا إلى عدد من المؤشرات المالية والاقتصادية والاجتماعية،[1] أن الأداء الحكومي لم يكن في المستوى المطلوب. ولا شك في أن هذه المحدودية ترجع إلى مجموعة من العوامل التي أثرت سلبا على حصيلة الفعل الحكومي، أهمها الاضطرابات التي عرفتها بنية الحكومة وتشكيلتها، إلى جانب ضعف المبادرات والبرامج المتخذة وسوء تنزيلها، موازاة مع غياب استراتيجيات وإصلاحات عميقة وشاملة للإشكالات السوسيواقتصادية المستعصية التي يعاني من المواطن، كالتشغيل والتعليم والصحة.

أول مؤشر يمكن الانطلاق منه لتقييم مردودية البرامج والتدخلات الحكومية خلال سنة 2019، هو نسبة النمو الاقتصادي، والتي قدرت بحوالي 2,3% مقابل 3% سنة 2018، ويعد هذا المعدل من بين أضعف نسب النمو التي حُققت خلال العشرين سنة الماضية. ومن الواضح أن القطاع الفلاحي مازال له الأثر البالغ على معدل النمو الاقتصادي، فبالرغم من التطور النسبي الذي شهدته الأنشطة غير الفلاحية، فإن ضعف التساقطات المطرية وسوء توزيعها والتي أدت إلى انخفاض المحصول الفلاحي وبالتالي تراجع القيمة المضافة للقطاع الفلاحي، ساهمت بشكل مباشر في تباطؤ النمو الاقتصادي للسنة الثانية على التوالي.

ويشار إلى أن مختلف السياسات والتدخلات العمومية بالمغرب على امتداد العقود الماضية، لم تفلح بعد في تغيير السمة الطاغية على تطور النمو الاقتصادي، المتمثلة في التذبذب وتراوح معدلات النمو المحققة بين المستويين الضعيف والمتوسط، وهو ما لا يمكن في ظله تحقيق قفزة اقتصادية نوعية تنقل البلاد من دولة نامية إلى دولة صاعدة، حيث إن هذا الرهان يستلزم تسجيل معدلات نمو تساوي أو تفوق 7% على امتداد سنوات متوالية.

على مستوى عجز ميزانية الدولة، سُجل خلال سنة 2019 استقرار نسبة العجز، والتي قدرت بـ 3,7%، وهي تقريبا نفس النسبة المسجلة خلال سنة 2018. ومن الواضح أن العامل الرئيسي للتحكم في هذه النسبة خلال السنوات الأخيرة، يرجع بشكل مباشر إلى القرارات الحكومية المتخذة بشأن تفكيك معظم نفقات صندوق المقاصة، إلى جانب كبح نفقات التسيير وخاصة شق نفقات الموظفين التي تراجعت وثيرة ارتفاعها بشكل ملحوظ ابتداء من سنة 2012؛ وبالموازاة مع ذلك، ساهم التحسن النسبي للمداخيل الجبائية بشكل إيجابي في تقليص نسبة العجز.

وفي المقابل، واصل الدين العمومي الإجمالي للدولة تصاعده خلال سنة 2019 ليسجل مستويات قياسية، حيث بلغ 82,3% من الناتج الداخلي الخام عوض 81,4% سنة 2018. وفيما يخص دين الخزينة فقد ارتفع هذه السنة إلى حوالي 66,2% من الناتج الداخلي الخام مقابل 65,3% سنة 2018، ومثّل الدين الخارجي للخزينة 14,2% من الناتج الداخلي الخام بزيادة تقارب 1% عن السنة الفارطة. وفي نفس الاتجاه ارتفع حجم الاقتراض الخارجي للمؤسسات والمقاولات العمومية إلى سفق 30,3% من الناتج الداخلي الخام مقابل 29,5% سنة 2018، وهو مؤشر على أن هذه المؤسسات تلجأ بكثرة إلى الاقتراض الخارجي، مقارنة مع الخزينة التي تعتمد بشكل كبير نسبيا على الاقتراض الداخلي.

وفي جميع الأحوال، فمعدلات الدين، بشكليه الداخلي والخارجي لامست في السنوات الأخيرة مستويات مثيرة للقلق، فالأمر يبدو وكأن الدولة تقوم بالاقتراض من أجل تسديد خدمة الدين؛ ولا يلاحظ، لحد الآن، أن الدولة تتجه نحو التقليص من حدة اللجوء للاقتراض، ما يؤشر على أن السلطات العمومية قد تفقد السيطرة على التحكم بشكل إرادي وممنهج في هذا الإشكال الهيكلي، وهو ما من شأنه أن يرهن الميزانيات العمومية للسنوات المقبلة ويقيدها، بالإضافة إلى السماح للمؤسسات المالية الدولية باختراق السيادة التقريرية للدولة، وهو ما بدأت ملامحه تتضح سنة بعد سنة، من خلال توجيهات صندوق النقد الدولي وإملاءاته على مستوى عدة أصعدة مالية واقتصادية واجتماعية.

الميزان التجاري واصل عجزه  بنسبة 18,5% من الناتج الداخلي الخام سنة 2019، وهي نفس النسبة تقريبا المسجلة سنة 2018؛ فبالرغم من تراجع أسعار المواد الأولية في السوق الدولية، وخاصة أسعار المنتجات الطاقية، فإن ذلك لم يؤدي إلى تقليص نسبة عجز الميزان التجاري، ما يدل على أن مختلف المبادرات والبرامج والتحفيزات المتخذة، على أهميتها، لم تنعكس بالمستوى المطلوب على الرفع من الصادرات وبالتالي الحد من اختلال ميزان المبادلات الخارجية من السلع، وذلك تحت وطأة ارتفاع كلفة واردات المغرب من الطاقة والمواد الاستهلاكية؛ كما أن اتفاقيات التبادل الحر التي أبرمها المغرب مع عدد من الدول، لم تسهم إلا في تفاقم تدهور الميزان التجاري.

فيما يتعلق بباقي المؤشرات السوسيواقتصادية، سجلت نسبة البطالة تراجعا طفيفا سنة 2019 مقارنة بسنة 2018، حيث انتقلت من 9,5% من السكان النشيطين إلى 9,2%، وهي النسبة التي توازي حوالي 1.107.000 شخص عاطل عن العمل؛ ويرجع هذا الانخفاض النسبي في البطالة إلى عدد مناصب الشغل التي أحدتها الاقتصاد الوطني، والتي بلغت سنة 2019 حوالي 165.000 منصب شغل صافي، بزيادة تعادل 1,5% عن السنة الماضية.

وبشكل عام، ظلت نسبة البطالة بالمغرب منذ سنة 2006 تتراوح ما بين 9% و10% تقريبا، دون أن تتمكن السياسات الحكومية المتعاقبة من تحقيق نتائج مهمة في هذا الميدان السوسيواقتصادي الذي يمثل أولوية محلة لدى المواطن.

وكما هو الشأن بالنسبة للسنوات السابقة، اتسمت نسبة البطالة سنة 2019 بارتفاعها لدى فئات الشباب والنساء وحاملي الشهادات أكثر من غيرها من الفئات، وبتزايد معدل البطالة بشكل ملموس مع مستوى التكوين، كما ترتفع بالوسط الحضري أكثر منها بالوسط القروي، وتنتشر على نطاق أوسع بالجهات والمدن الكبرى من حيث السكان، مع تسجيل اتساع للبطالة الطويلة الأمد.

وتعكس هذه الخصائص وغيرها طبيعة إشكالية البطالة بالمغرب التي تمس فئات محددة بعينها، كما تعطي هذه الخصائص انطباعا حول واقع بعض الوظائف غير القارة أو تلك التي قد لا يتوفر فيها الحد الأدنى لشروط العمل، فيتم احتسابها بهدف الرفع من أرقام مناصب الشغل وبالتالي التقليص رقم نسبة البطالة؛ الأمر الذي يحتم التعامل بكثير من الحذر أثناء قراءة وتحليل الأرقام الرسمية المقدمة بهذا الشأن.

بخصوص مواجهة إشكالية الفقر، فالملاحظ أن المنهجية المعتمدة من قبل الحكومة خلال سنة 2019 وعلى امتداد السنوات الأخيرة، ترتكز على مجموعة من المبادرات غير المندمجة الهادفة إلى تقديم المساعدات والدعم لجزء من الفئات المحتاجة، وعادة ما يتم تقديم هذا النوع من المساعدة تزامنا مع بعض المناسبات. وفي الوقت الذي أبانت فيه البرامج والمبادرات الهادفة إلى محاربة الفقر والبطالة عن نتائج محدودة، يلاحظ غياب سياسة عمومية شاملة ومتقاطعة تتوخى مواجهة أسباب الفقر، وتهدف إلى التمكين الاقتصادي والاستقلال المالي للفئات الهشة والمحدودة الدخل.

ومن المهم الإشارة إلى كون مشكل الفقر، إشكال متعدد الأبعاد ومتقاطع مع كافة الإشكاليات السوسيواقتصادية الأخرى؛ ورغم كل المجهودات الكبيرة، فالأرقام المتوفرة تشير إلى أن الظاهرة مازالت تمس فئات عريضة من المواطنين، كما تتفاوت حدتها من مجال جغرافي إلى آخر، مما يعمق التفاوتات السوسيواقتصادية عموديا داخل نفس الجهة وأفقيا ما بين الجهات. وتبقى معدلات الفقر متعدد الأبعاد، وهو مؤشر يأخذ بعين الاعتبار كل من التعليم والصحة وظروف العيش، جد مرتفعة مقارنة مع مؤشر "الفقر البسيط".

وفي ختام هذا التقييم، ومن خلال تتبع مختلف أوجه النشاط الحكومي وسماته خلال سنة 2019، يمكن الذهاب إلى أن تدخلات الحكومة طغى عليها الطابع الروتيني، مع ندرة المبادرات العمومية اللافتة للانتباه من حيث الأهمية والنجاعة، كما لم يتم وضع خطط ولا سياسات إصلاحية من شأنها أن تسهم بشكل فعال في معالجة الإشكالات الملحة للمواطن في المستقبل.

ولعل من أهم الأسباب التي ساهمت في التأثير سلبا على أداء الحكومة، ضيق هامش تحركها على مستوى بلورة واتخاذ القرارات الإصلاحية الكبرى، بالإضافة إلى ضعف منسوب الجرأة والقدرة على الابتكار واتخاذ المبادرة لدى قيادة ومكونات الحكومة؛ كما لا يمكن إنكار الأثر السلبي للخلافات السياسية وضعف الانسجام والتواصل والتخطيط المشترك وغياب الرؤية الموحدة بين أعضاء الحكومة ومحدودية الالتقائية بين القطاعات الوزارية.

وفي هذا السياق شهدت سنة 2019، جملة من التحركات والأنشطة الحزبية غير الاعتيادية، والتي يمكن قراءتها وتأويلها على أنها حملة انتخابية سابقة لأوانها، خاصة وأنها اتسمت بتبادل الاتهامات بين قادة وأعضاء أحزاب بارزة داخل الأغلبية، ما يؤشر أيضا على هشاشة انسجام الأغلبية، ويعطي انطباعا بأن ما يفرق بين مكونات هذه الأغلبية أكثر مما يجمع بينها، وهي في حالة انتظار الانتخابات التشريعية القادمة علّ نتائجا تقدم مشهدا مغايرا للأغلبية الحالية؛ وكل هذه الأمور لا تخدم المنطق الصحيح الذي يجب أن تكون عليه الأغلبية، ولن تؤثر إلا سلبا على الأداء الحكومي.

ثانيا : البرلمان[2]

في البداية، لا بد من التنبيه إلى كون البرلمان ممثلا للسلطة التشريعية الأصلية، لا يعني بالضرورة أن الحصيلة التشريعية تعود لهذه المؤسسة، نظرا لسببين أساسين، أولهما أن هناك مجال للتشريع من الناحية الموضوعية ينتظم خارج اختصاص البرلمان، وهو المجال التنظيمي، الذي يبقى حكرا على السلطة التنفيذية، ويشمل مجالات عمومية واسعة وهامة؛ فالنصوص التنظيمية وإن كانت مساطرها وأشكالها تختلف عن القوانين، فإنها عادة ما تحوي قواعدا قانونية لا تختلف عن تلك الواردة في النصوص القانونية الصادرة عن البرلمان. والسبب الثاني هو أن النصوص القانونية الصادرة عن البرلمان نفسها، في معظم الحالات يتم إعداد مشاريعها من قبل الحكومة، وبالتحديد من قبل القطاعات الوزارية المعنية بهذه القوانين على مستوى الواقع.

ولهذا، فإن كان المبدأ هو أن البرلمان يمتلك سلطة رفض أو قبول أو تعديل النصوص القانونية، فإنه دوره في هذا الجانب على مستوى الممارسة يبقى منحصرا للغاية ومقيدا بالسلطات السياسية والتقنية وأيضا الدستورية الواسعة للحكومة، ما يجعله في بعض الأحيان، لا يعدو عن كونه مجرد مؤسسة شكلية، الغاية منها إضفاء الصبغة القانونية لمشاريع النصوص التشريعية المحسومة من قبل الحكومة؛ وبالتالي فالقوانين الصادرة عن البرلمان هي تعكس توجه وإرادة الحكومة قبل أن تكون تعبيرا عن إرادة ممثلي الأمة.

وبغض النظر عن هذا الإشكال، على المستوى التشريعي، شهدت السنة التشريعية 2018-2019، عقد ثلاث دورات، دورة أكتوبر 2018-2019، والدورة الاستثنائية أبريل 2019، ثم دورة أبريل 2019. وتمت المصادقة خلال هذه السنة التشريعية على 34 اتفاقية دولية، و4 مقترحات قوانين، إلى جانب 76 مشروع قانون من أصل 110 مشروع قانون مودعا، 63 منها صودق عليها بالإجماع و13 بالأغلبية.

الاتفاقيات المصادق عليها بموجب مشاريع قوانين، هي اتفاقيات ثنائية أو متعددة الأطراف تم إبرامها سابقا مع عدد من البلدان بإفرقيا وأوربا وآسيا وأمريكا الوسطى، كتتويج لتبادل الزيارات الديبلوماسية بين المغرب وهاته الدول؛ وتهدف هذه الاتفاقيات إلى دفع وثيرة التعاون والشراكة في عدد من المجالات المتنوعة، كالصيد البحري والتنمية المستدامة والطاقة والتعاون الأمني والقضائي والضريبي والمبادلات التجارية وغيرها من الميادين ذات الاهتمام المشترك.

ومن أبرز الاتفاقيات المصادق عليها، اتفاق الشراكة في مجال الصيد المستدام بين المغرب والاتحاد الأوروبي وعلى بروتوكول تطبيقه. وقد سبق للبرلمان الأوربي أن صادق على هذا الاتفاق بغالبية أعضائه في فبراير 2019،  وذلك بعد رفض دعوة نواب أوروبيين إخضاع نص الاتفاق إلى تقييم محكمة العدل الأوروبية، بعد قرارها القاضي بأخذ وضعية الصحراء بعين الاعتبار ضمن هذا الاتفاق، استجابة للدعوى التي تقدمت بها جبهة البوليساريو بهذا الشأن؛ وبالتالي فموافقة البرلمان الأوربي هو انتصار للديبلوماسية المغربية التي تمكنت من إجهاض محاولات جبهة البوليساريو الرامية إلى إلغاء الاتفاق، بدعوى أنه يشمل المياه المقابلة للصحراء.

على مستوى القوانين المصادق عليها، وفي إطار تنزيل أحكام الدستور، عرفت السنة التشريعية 2018-2019 المصادقة على القانون التنظيمي المتعلق بتحديد مراحل تفعيل الطابع الرسمي للأمازيغية وكيفيات إدماجها في مجال التعليم وفي مجالات الحياة العامة ذات الأولوية، تطبيقا لأحكام الفصل  133 من الدستور. وأثار هذا القانون حساسية خاصة لدى عدد من المنظمات والجمعيات الحقوقية الأمازيغية التي تتوخى من خلاله تجسيد الطابع الرسمي للغة الأمازيغية على أرض الواقع؛ وعلى الرغم من توجيه عدد من الملاحظات حول مقتضيات هذا القانون التنظيمي، فالأكيد أن إخراجه يعد نقلة نوعية في الارتقاء بوضع اللغة والثقافة الأمازيغية بالمغرب، غير أن التخوف يبقى مشروعا بشأن مدى توفر الإرادة والقدرة على تنزيل الأحكام الواردة بهذا النص.

في نفس الإطار، تم تعديل القانون التنظيمي المتعلق بالتعيين في المناصب العليا. وليست هذه المرة الأولى التي يخضع فيها هذا القانون للتعديل، بل كان محل تعديلات متعددة، عادة ما كانت تهدف إلى تحيين المؤسسات المعنية بالتعيين في إطار هذا القانون، مواكبة لإحداث مؤسسات جديدة أو إعادة هيكلة مؤسسات قائمة، كما رمت بعض هذه التعديلات إلى إعادة توزيع حق التعيين في عدد من المؤسسات بين المؤسسة الملكية ورئاسة الحكومة، ما جعل بعض الأصوات توجه انتقادات للحكومة، منذ عهد رئيس الحكومة السابق عبد الإله بنكيران، لما اعتبرته تنازلا عن الاختصاصات الدستورية لرئيس الحكومة لصالح المؤسسة الملكية.

في المقابل، مازال كل من مشروع القانون التنظيمي المتعلق بتحديد شروط وكيفيات ممارسة حق الإضراب ومشروع القانون التنظيمي المتعلق بالمجلس الوطني للغات والثقافة
المغربية قيدا النقاش، وهما قانونين يحظيان بأهمية بالغة، وخاصة القانون التنظيمي للإضراب الذي كان يطرح إشكالات عويصة منذ الماضي، ما يفسر التأخر في مناقشتها والمصادقة عليهما.

ومن بين القوانين المصادق عليها خلال هذه السنة التشريعية، والتي أثارت نقاشا كبيرا، قانون الإطار المتعلق بمنظومة التربية والتكوين والبحث العلمي؛ حيث وقع تباين واسع بين الأحزاب والجهات المهتمة حول جزء من أحكام هذا القانون، وبالتحديد المقتضيات التي تنص على إعمال مبدأ التناوب اللغوي في التدريس، والذي يرمي، حسب المادة 2 من هذا القانون، إلى تدريس بعض المواد، لاسيما العلمية والتقنية، بلغات أجنبية. لقد أدى الخلاف الحاد حول هذا المقتضى إلى فشل البرلمان في المصادقة على هذا القانون ضمن أشغال الدورة الاستثنائية لأبريل، قبل أن تتم المصادقة عليه في ما بعد في الدورة العادية لأبريل. وتوزع الخلاف حول هذا النص بين اتجاهين رئيسيين، الأول يدعو إلى الاعتماد على اللغة العربية كلغة للتدريس، بغض النظر عن طبيعة التخصصات والمواد، أما الثاني فيرى ضرورة الاستعانة باللغات الأجنبية، وخاصة الفرنسية، في التدريس، قبل أن يُحسم القانون لصالح التوجه الثاني.

وجدير بالذكر أن الهدف الرئيسي من عقد الدورة البرلمانية الاستثنائية مطلع أبريل 2019، كان هو المصادقة على مشروع قانون الإطار المتعلق بمنظومة التربية والتكوين؛ وفي غياب التوافق حول هذا المشروع والفشل في تمريره، اختتمت هذه الدورة بحصيلة شبه منعدمة.

ومن بين القوانين التي أثارت خلافا حادا أواخر سنة 2019، مشروع القانون المتعلق بتغيير وتتميم مجموعة القانون الجنائي، وهو المشروع الذي أحيل على البرلمان لما يناهز 4 سنوات دون التمكن من تمريره. ويعود الخلاف حول هذا القانون إلى عدد من المقتضيات غير المتوافق بشأنها، والتي تخص أساسا قضايا ذات أبعاد سياسية وثقافية، أهمها تجريم الإثراء غير المشروع، والإجهاض، والعلاقات الجنسية خارج الزواج؛ وقد أثارت المواضيع المرتبطة بهذه القضايا نقاشا داخل أطياف المجتمع المغربي، كما جذبت انتباه الرأي العام واهتمام وسائل الإعلام.

إلى جانب ذلك، شكلت سنة 2019 البداية الفعلية لتنزيل القرار الملكي السابق المتعلق بالتجنيد الإجباري، وفي سبيل ذلك تمت المصادقة بداية السنة على القانون المتعلق بالخدمة العسكرية، والذي بموجبه تم تحديد الشروط والأحكام المتعلقة بعملية الخدمة العسكرية الإجبارية، التي انطلقت فعليا في شتنبر 2019، وقد لقيت العملية انخراطا كبيرا من قبل المعنيين بالخدمة، سواء من فئة الشباب أو الشابات.

هذا، وتميزت دورة أكتوبر من السنة التشريعية 2019-2020 بالمصادقة على مشروع قانون المالية لسنة 2020 الذي جاء ببعض المستجدات الضريبية والاقتصادية؛ لكن أهم نقطة استأثرت بنقاش البرلمانيين ومتتبعي الشأن العام والمواطنين على حد سواء بخصوص هذا القانون، تمثلت في المادة 9، والتي بموجبها لم يعد من الممكن إخضاع أموال وممتلكات الدولة والجماعات الترابية ومجموعاتها للحجز كإجراء مخول لفائدة الدائنين، الهدف منه دفع هذه الجهات إلى تنفيذ الأحكام القضائية الصادرة ضدها. ويرى المخالفون لهذه المادة، التي صادق عليها البرلمان في النهاية، على أنها غير مطابقة لأحكام الدستور ومناقضة لقانون المسطرة المدنية وتمس باستقلالية السلطة القضائية، في حين يرى المؤيدون لها، أن السماح بالحجز على أموال وممتلكات الدولة من شأنه أن يهدد استمرارية المرفق العمومي، علاوة على خطورة وقع انعكاس

رابط تحميل الورقة