التعليم الأولي بالمغرب: التعميم الممتنع بين الطموحات المأمولة والواقع البئيس

عبد الله ويخلفن

توطئة

لقد شغل الحديث عن التعليم الأولي حيزا كبيرا في الخطاب الرسمي منذ صدور الميثاق الوطني للتربية والتكوين إذ خصص هذا النوع من التعليم بست مواد هي المواد 24/ 60/62/64/92/171. ومنذ ذلك الوقت أعلنت مشاريع ومواعيد لتحقيق أهداف الميثاق وعلى رأسها تعميم التعليم الأولي وتطويره، وكانت قد الوزارة قد حددت سنة 2004 سنة لتحقيق هذا التعميم دون أن يتجسد ذلك على أرض الواقع، ومع كل سنة  يتم تأجيل موعد التعميم إلى أن جاء البرنامج الاستعجالي الذي كان من بين أهدافه استدراك التقصير الحاصل على مستوى المنظومة التربوية ككل وتسريع وتيرة إنجاز المشاريع المتعثرة و قد خصص التعليم الأولي بالمشروع رقم 1 الذي ركز على رفع شعار التطوير عبر اقتراح تدابير تهم التأهيل والتكوين والإحداث  دون أن تبلغ المؤشرات المرصودة الأهداف المسطرة.

ستأتي الرؤية الاستراتيجية لتدعو إلى جعل التعليم الأولي إلزاميا للدولة وللأسر معا، و لتعلن عن التوجه نحو دمجه تدريجيا داخل السلك الابتدائي مع مراعاة عنصر الجودة وخيار إشراك الجماعات الترابية، موصية  بوضع إطار مرجعي ضابط وإلى إحداث شعب لتكوين الأطر الخاصة بالتعليم الأولي في المراكز الجهوية، وهو الطموح الكبير الذي سيصطدم بغياب البنية التحتية الحاضنة، وبوصولنا للموسم الدراسي  2015/2016  ستسجل الإحصاءات  الخاصة بمسالة التعميم هذه تراجعا ملحوظا وفق إحصاء موجز الوزارة نفسها، فمن نسبة تمدرس وصل إلى  49.2 % في الموسم الدراسي  2014/2015 ستنزل النسبة إلى  43 % فقط في هذا الموسم الدراسي.

وها نحن الآن في سنة 2018 وما زال الواقع كما هو، إذ عادت الوزارة هاته السنة لتتحدث عن رسم خارطة طريق للتعليم الأولي تمتد إلى موسم 2027/2028، تشمل خطة للنهوض بتعميم التعليم الأولي من خلال توفير الفضاءات والتجهيزات وتكوين المربيات وإعداد المنشطين، واستنفرت لهاته المهمة كل الشركاء والمتدخلين للانخراط في العملية، ولعل هذه الدينامية جاءت بعد تشخيص المجلس الأعلى للتعليم الأولي في وثيقة بين فيها رأيه بجلاء حول وضعية التعليم الأولي.

     لقد  أصدر المجلس الأعلى وثيقة خاصة بالتعليم الأولي سنة 2017 تحت عنوان : " التعليم الأولي أساس بناء المدرسة المغربية الجديدة "، ولقد اشتملت الوثيقة على عناوين هي : 1)مرتكزات رئيسية، تعتبر منطلق الرؤية مثل الدستور والخطب الملكية والميثاق الوطني للتربية والتكوين وما تفرع عنه، والمعاهدات الدوية حول حقوق الطفل، 2) ديباجة عبارة عن مدخل لعالم الطفولة تضمن فقرات وإشارات تذكر بأهمية الطفولة وخصائصها وحقوقها ، 3) الواقع الحالي للتعليم الأولي : عناصر تشخيصية، قامت بتعرية الواقع وكشف عورات المتعددة وعقباته المتنوعة وعلى رأسها تنصل الدولة من التزاماتها تجاه القطاع وفق ما ورد في الميثاق 4) رافعات وتوصيات من أجل تعليم أولي لبناء أساس المدرسة المغربية الجديدة. وقبل الختام جاءت فقرة 5) استخلاص تحدث عن كون الطفولة الصغرى ورشا وطنيا بحاجة إلى إرادة سياسية وإلى التزام جماعي.

لقد رصدت الوثيقة جملة من الاختلالات الجسيمة التي يعرفها تدبير مجال التعليم الأولي في مستويات عديدة شملت التصور والرؤية والبنيات المادية، والموارد البشرية، والبرامج والمناهج، والتأطير القانوني والمراقبة التربوية، والتكوين والجودة والتنسيق بين المتدخلين، والتمويل وغير ذلك، وقد سجل المجلس معطيات إحصائية تبرز حسب المجلس أن "مجهـود التعميـم يعانـي مـن تطـور متذبـذب فـي توسـيعه" إذ " يسـتقبل (هذا التعليم) 658789 طفــلا فــي مختلــف المؤسســات. ويشـمل هـذا العـدد مـن هـم فـي سـن أقـل مـن أربـع سـنوات ومـن هم في سـن أكثـر مـن خمسـة. وفـي الفئـة المتراوحـة أعمارهـم بيـن 4 و5 سـنوات هنــاك 588040 طفـلا مــن بيــن 1342385 علــى الصعيــد الوطنــي، أي بنســبة % 8،43 فقــط يرتــادون حاليــا مؤسســات التعليــم ألأولــي"

  1. المحطات الأساسية للتعليم الأولي خلال سنة 2018

أ. المحطات التنظيمية:

صدور الإطار المرجعي الوطني للتعليم الأولي:

      بالنظر إلى وضعية التعليم الأولي المبلقن والمتنوع والمتفاوت، من كل الجهات، كانت الحاجة ماسة إلى هذا الإطار، من أجل توحيد الرؤية بين مختلف الفرقاء وتضييق الهوة بين أنواع المؤسسات والكتاتيب، وبسط هيمنة الدولة على القطاع إلى آخر الأهداف المنوطة بهذا الإطار، وهكذا صدر في شهر مارس من سنة 2018 الإطار المرجعي الوطني للتعليم الأولي عن وزارة التربية الوطنية وبتعاون مع منظمة اليونسيف، وهي الوثيقة التي عرضت للسياق العام للمشروع ولمنطلقاته وأسسه المرجعية، ثم لأهمية هذا التعليم ولوظائفه، وكذا للإطار المنهاجي لهذا التعليم من حيث موجهاته ومواصفاته وكفاياته ومجالاته التعليمية ومحتوياته المضمونية وطرائق التنشيط، قبل أن تقف الوثيقة عند البنيات المادية والموارد البشرية والتنظيم التربوي والإداري، وعند الشراكة والإشراف، ولعل من الملاحظات الجديرة بالذكر هنا غياب التنصيص على مصدرية المرجعية الإسلامية في التناول لفترة حيوية وحاسمة في بناء شخصية المتعلم، كما يمكن تسجيل التركيز على الكفايات المعرفية دون القيم، ولم يتم التصريح بلغة التنشيط،  ويمكن القول عن وضع التأطير المنشود والتكوين المراد والتتبع والتقويم المقصود سيطرح إشكالات واقعية حقيقية عند التنزيل.[3]

الإطار المرجعي للتربية الدامجة:

  وإنما ندرجه هنا لارتباطه بوضعية الطفولة عموما خاصة لذوي الاحتياجات الخاصة،  ففي إطار خطة التنمية المستدامة 2015/2030، وتطويرا للترسانة التشريعية لقوانين حماية حقوق الأشخاص في وضعية إعاقة، وتأمينا للحق في ولوج إلى التربية والتكوين تماشيا مع أهداف الإنصاف في الرؤية الاستراتيجية أصدرت وزارة التربية الوطنية الإطار المرجعي للهندسة المنهاجية لفائدة الأطفال في وضعية إعاقة :" أقسام التربية الدامجة "[4]، ويخدم هذا الإطار الطفولة بجميع مراحلها،  وقد ورد أن هذه الوثيقة " تهدف إلى إرساء مقاربة بيداغوجية فعالة وناجعة، لتدبير سيرورات التعلم والاكتساب المتلائمة مع حاجيات الأطفال في وضعية إعاقة، "[5] بأنواعها المختلفة :الذهنية والحركية والسمعية والبصرية، كما تضمن الإطار المرجعيات النظرية، والمحددات التنظيمية والتشريعية والتربوية، وقد صدت الوثيقة الوضعية الراهنة لتمدرس هذه الفئات من حيث الواقع الحقيقي، وأشكال التنظيم البيداغوجي، ومقاربات التدبير، و إذا امكن القول إننا بصدد إطار نظري يمكن استثماره فإن الإشكال في كيفية التنزيل، لأن ذلك يحتاج إلى أطر مؤهلة، وظروف ملائمة.

تنظيم المؤتمر الوطني للتعليم الأولي بالصخيرات[6]:

       في يوم الأربعاء 18 يوليوز 2018 انعقد تحت شعار: " "مستقبلنا لا ينتظر" المؤتمر الوطني الخاص بالتعليم الأولي بتنظيم من وزارة التربية الوطنية بشراكة مع منظمة اليونيسيف والبنك المغربي للتجارة الخارجية، وتم إعلان يوم الأربعاء 18 يوليوز يوما وطنيا للتعليم الأولي.

بالمناسبة وجه الملك للمؤتمرين رسالة خاصة حول التعليم الأولي، تلاها على الحضور رئيس الحكومة. وقد اشتملت على التذكير بأهمية التعليم الأولي الذي يعتبر القاعدة الصلبة لنجاح المنظومة ككل مذكرا ببعض الاختلالات المعيقة للتطوير من أجل تجنبها ومن أجل الحد من الهدر المدرسي المستفحل، وبما هو حق من حقوق الطفولة التي تضمنها دستور المملكة، كما أشاد بالجهود المبذولة من مختلف الشركاء والمتدخلين.

خلال هذا الملتقى أعلن وزير التربية الوطنية والتكوين المهني والتعليم العالي والبحث العلمي انطلاقة البرنامج الوطني لتعميم وتطوير التعليم الأولي بمقومات الجودة في أفق سنة 2028-2027، وذلك من خلال تمدرس نحو 700 ألف طفل وطفلة بالتعليم الأولي سنويا، من خلال مناهج تربوية وطنية تضمن لجميع الأطفال المغاربة أقصى قدر من المساواة في الولوج، واستند البرنامج  حسب الوزارة إلى رؤية شمولية تروم تجاوز المعيقات والاختلالات التي يعرفها هذا المجال، والتأسيس لمنظور تعميم وتطوير هذا النوع من التعليم، وفق معايير ومحددات مرجعية وطنية موحدة.وقد بدأ عرضه بتشخيص الواقع ثم رسم بعد ذلك خارطة طريق تمتد إلى الموسم الدراسي 2027/2028 حيث الموعد مع التعميم بنسبة 100%. ويسعى البرنامج إلى تهيئة 9142 حجرة وإحداث 48265 حجرة جديدة دراسية خلال العشر سنوات المقبلة، وتعبئة حوالي 56 ألف مربي ومربية، إلى جانب تكوين وتأهيل حوالي 27 ألف من المربين الممارسين، وكذا إعادة تأهيل فضاءات التعليم الأولي التقليدي الذي يأوي أزيد من 460 ألف طفل وطفلة، مشيرا إلى أن الكلفة الإجمالية لهذا البرنامج تبلغ حوالي 30.022 مليار درهم طيلة هاته السنوات المحددة. وسيكون نصيب الموسم الدراسي 2018/2019 من هذه المشاريع كما يلي: تأهيل 3592 حجرة دراسية. وتوفير 3916 مربية ومربي، واستقطاب 100 ألف طفل إضافي، على أمل تحقيق نسبة 49.03 %. وهو كما يظهر برنامج طموح إذا تم تنفيذه وتنزيله إلى الميدان، لأن التنظير والوعود لا تكفي.

تخصيص غلاف مالي يقدر ب 300 مليار سنتيم:

      لأول مرة في تاريخ التعليم الأولي بالمغرب يتم تخصيص ميزانية بهذا الحجم، فالمال هو عصب الحياة، وبدونه لن تتحقق الأهداف والمقاصد المعلنة، مهما كانت النيات حسنة؛ ميزانية بكلفة تقدر ب 300 مليار سنتيم للتعليم الأولي للموسم الدراسي 2018/2019 و30 مليار درهم للعشرية القادمة لا يمكن إلا أن ننوه بهذا، وإن كانت التجارب السابقة من قبيل البرنامج الاستعجالي، لا تجعلنا نتفاءل كثيرا.

 لقد قام وزير التربية الوطنية في عرضه المشار إليه سابقا بالصخيرات بتوزيع هاته الميزانية، بين تهيئ الموجود وإحداث الجديد، على مستوى الفضاءات والموارد البشرية ابتداء من الموسم الحالي إلى الموسم 2027 /2028 حيث الموعد مع التعميم والتطوير بنسبة 100%. ولا أدري هل هذه الميزانية صرفه أم يدخل ضمنها ما سيساهم به بقية المتدخلين والشركاء؟ والأمر الآخر الذي يخشى حدوثه أن تصرف هاته الأموال في المستويات العليا في اللقاءات والمهرجانات والتنقلات، ولن يصل منها للعاملين في الميدان سوى فتات كما هو المعتاد.

ب.  المحطات التدبيرية:

    معطيات إحصائية خاصة بالتعليم الأولي خلال سنة 2018:

   في ما يرتبط بالمعطيات الإحصائية فسنقدم بعضا مما ورد في الإحصاء العام للتربية الوطنية للموسم الدراسي 2017/2018، والذي قامت به مديرية الاستراتيجية والاحصاء والتخطيط – قسم الدراسات والاحصاء، وأصدرتها في كتيب تحت عنوان: " التربية الوطنية بالأرقام «. فقد جاء فيها من المعطيات العلمية ما يلي: 

  • عدد مؤسسات التعليم الأولي هو: 23289 القروي منها: 11921؛
  • عدد الحجرات: 32743 القروي منها 11046؛
  • الأقسام: 37298 القروي منها: 14714؛
  • عدد التلاميذ:
  •  الأولي التقليدي: 438738 الإناث منه: 188632 القروي: 159902 الإناث: 53309؛
  • الأولي العصري: 170849 الإناث منه: 81470. القروي: 4836. الإناث: 2161؛
  • الأولي العمومي: 89678 الإناث منه: 81470. القروي منه: 52437، الإناث: 25307؛
  • مجموع تلاميذ التعليم الأولي هو: 699265 الإناث منه: 313493. القروي: 217175 الإناث منه 80777؛
  • المربون: 36903 الإناث منهم: 27715. القروي: 12759، الإناث: 511؛
  • المؤشرات حسب نسبة تمدرس الأطفال:
  • الحضري: ذكور: 60%. الإناث منه: 59.7%. المجموع: 59.7%
  • القروي: ذكور: 44.8%. الإناث منه: 28.0% المجموع: 36.6%
  • المجموع العام بالمقارنة مع الموسم الفارط: 2016/2017
  • ذكور: 53.7%. مقابل 53.9% خلال الموسم الماضي بنقصان مقداره: 0.2%؛
  • الإناث: 45.7 % مقابل: 45.0% خلال الموسم الماضي: بزيادة مقدارها: 0.7%؛
  • المجموع العام: 49.8% مقابل 49.5% خلال الموسم الماضي، بزيادة طفيفة تقدر ب: 0.3%؛

وبصدد المعطيات الإحصائية التي قدمت في اللقاء الوطني لتعميم وتطوير التعليم الأولي المذكور آنفا، أشار الوزير إلى عدد الأطفال في سن التمدرس يبلغ 1426185، وأن عدد غير المتمدرسين من الأطفال يصل إلى 726920 ، مبرزا أن المعدل الوطني لتغطية التعليم الأولي بالمناطق الحضرية هو 59.5% بينما هو في العالم القروي لا يتجاوز 35.3%، وقد سجل العرض المشار إليه أن التعليم الأولي ما زال يعاني من الأعراض ذاتها التي كن يعرفها منذ الموسم 2008/2009 والظاهرة خصوصا في ضعف التمويل، وضعف مشاركة الدولة وتعدد المتدخلين، وغياب إطار منتظم وموحد، والتباين بين المجالات والنوع ، والافتقاد إلى آليات للرقابة والتقييم/ مشيرة إلى أن معدل التعليم الأولي ظل ثابتا متأرجحا ما بين 58 % خلال الموسم 2008/2009 و 51% في الموسم 2016/2017 مما يعني حصول نوع من الفتور وانعدام التقدم الواضح خلال تسع مواسم إن لم نقل وجود تراجع بين في هذا المعدل.

لقد سجل العرض أن الطموح هو بلوغ نسبة 100% خلال الموسم 2027/2028 وهو ما يقتضي توفير ما يقرب من 57407 من الحجرات الدراسية تأهيلا وإحداثا، وإعداد 55914 من المربين بكلفة كما أسلفنا ستصل إلى 3.022 مليار درهم سنويا[7].

تلك أهم المعطيات التي تبنتها الوزارة، ومنها يتأكد لدينا أن هذه الإحصائيات لم تؤشر بعد إلى أي تطور أو تحسن، بقدر ما تدل على أن وضعية التعليم الأولي في واقع التنزيل العملي تراوح مكانها منذ زمان[8].

2. واقع التعليم الأولي بين الشعارات الطموحة والواقع البئيس:

أ. الشعارات: التعميم والتكافؤ والتطوير   

 عند افتحاص الوثائق التربوية والخطاب الرسمي والبرامج المعلنة لفائدة التعليم الأولي منذ زمان، نجدها تتحدث عن أهداف كثيرة تهم حاجات الأطفال ومطالب المجتمع على السواء، وأعتقد أن تلك الأهداف لكثرة تردادها، وكونها بعيدة المنال حتى الآن، تحولت إلى شعارات ترفع في كل مناسبة من مناسبات التعليم الأولي، ومهما تعددت وتنوعت تلك الأهداف أعتقد أنه يمكن إدراجها ضمن أهداف ثلاثة  تعتبر أساس بقية الأهداف الفرعية، وهي: تحقيق التعميم والتطوير وتكافؤ الفرص،  وهي على كل حال يرتبط بعضها ببعض، ويفضي إليه؛ حول هاته الأهداف الثلاثة – أو إن شئت فقل شعارات - تتحدث  الفقرات الموالية، وأعتذر إن ساويت بين الشعار والهدف  فبالنسبة لي مادام هذا الهدف بعيد المنال، فلا زال في عداد الشعار فحسب.

   تعميم التعليم الأولي

     لا شك أن مطلب التعميم مطلب نفيس ومهم بكل المقاييس لأن مرحلة الطفولة المبكرة مرحلة حساسة وذات أثر قوي على شخصية الطفل المستقبلية، كما أن التفريط في التعليم الأولي يسهم بشكل قوي في الهدر المدرسي الذي يعتبر جرحا نازفا طيلة مرحلة التمدرس، ولأن عدم التعميم يؤشر على أمور كثيرة منها: إخلال الدولة بالتزاماتها الوطنية أمام المنظمات الدولية المهتمة بالطفولة وعلى رأسها اليونيسيف وقد يفوت موارد مالية مهمة على المجال بغض النظر عن الخلفيات الموجهة للدعم الدولي.

الحقيقة أن الدولة رفعت شعار التعميم منذ بداية الألفية الثالثة: " يعمم التسجيل بالسنة الأولى من التعليم الأولي في أفق 2004، وتركز الدولة دعمها المالي في هذا الميدان على المناطق القروية والشبه حضرية وبصفة عامة على المناطق السكانية الغير المحظوظة "[9]؛ لم يتحقق الهدف في التاريخ المحدد، بل ظلت الدولة تطارده كالسراب، دون جدوى سنة بعد أخرى ونحن الآن في سنة 2018. أجهزة الدولة المختلفة تعترف بالفشل وعدم تحقق هدف التعميم، ولكنها لم تفصح لنا عن الأسباب التي منعتها من تحقيق التعميم، أهي في سوء التخطيط؟ أم في سوء تدبير الملف؟ وما هي الجهة أو الجهات المسئولة عن الخلل؟ وبعد ذلك نسأل ما هي إجراءات المحاسبة والزجر التي اتخذتها الدولة في حق من أخل بالواجب؟ الدولة تتباهى بامتلاكها لأجهزة الرقابة والمحاسبة المتطورة، ومع ذلك وقع تستر وسكوت أعتقد أنها أسئلة مشروعة، بل يجب طرحها من أجل سد الثغرات الحاصلة والسير إلى الأمام نحو الهدف.

أما سبب التعثر الذي نجم عنه عدم تحقيق الهدف فهو واضح وبين، فبالعودة إلى الشطر الثاني من المادة السابقة يتضح لنا السبب، الدولة أخلت بالتزامها المادي تجاه المناطق القروية والغير المحظوظة، فهي لم تقدم أي شيء في هذا الصدد، تركت الأمور تمشي بلا تدخل يذكر، وبالتالي لم يتحقق الهدف وبقي أمنية من الأمنيات التي يتم التذكير بها بين الفينة والأخرى. وهناك لازمة أخرى يتم ترديدها، وهي إلزامية التعليم الأولي، ولا شك أن الإلزامية بدورها تستوجب المجانية، فما لم توفر الدولة المجانية فلن تستطيع تحقيق الإلزام، ففي التعليم الابتدائي مثلا تبذل الدولة مجهودات ملحوظة، من أجل الرفع من نسبة التمدرس، فمن المجانية إلى توفير أدوات تعليمية، بل ومكافآت تشجيعية للمتمدرسين في القرى (برنامج تيسير)، وهذا حفز الأسر على تسجيل الأطفال والحرص على عدم الانقطاع. فالطريق إلى التعميم لا يمكن أن يتحقق صدفة إلا عبر المجانية والتحفيزات، وقد يقول قائل: إن الدولة دعت إلى دمج التعليم الأولي في الابتدائي من خلال ما يسمى بالأقسام المحدثة، وهذا غير كاف لأن خصوصيات هذا النوع من التعليم  لا تناسبها الظروف المحيطة بالعملية، فما لم تضمن الدولة حقوق المربين والمربيات، فلن تستطيع أن تحقق ما تريد، وهذا حق مشروع ومتفق عليه،  من هنا نفهم ما ورد في توصية 36 للمجلس الأعلى للتعليم: " تمويـل التعليـم الأولـي مـسـؤولية الدولـة ومجانـي بالنسـبة للأسـر فـي المؤسســات العموميــة، وتخصــص لــه نســبة مئوية كافيــة مــن الميزانيــة العامــة للدولــة، ضمانــا لتكافــؤ الفــرص والإنصــاف بيــن كافــة الأطفــال، لكــون هــذا الطــور اســتثمار وقاعــدة لــكل إصــلاح"[10] .

 إن عملية إدماج التعليم الأولي في التعليم الابتدائي بالشكل الحالي هي عملية لا تعدو أن تكون إقحاما، أين الفضاءات والتجهيزات الملائمة لخصوصيات التعليم الأولي؟ ثم أين المربيات المؤهلات لتحمل المسؤولية؟ لا يكفي الإغراق في التنظير، بل الأفعال هي البرهان.

      تكافؤ الفرص

       هدف آخر لا يقل أهمية عن الهدف السابق، وهو جزء من الهدف السابق لأن التعميم يفضي إلى تكافؤ الفرص ولو بشكل من الأشكال، يتم الترويج لهذا الهدف في كل مرة وقلما يتحدث أي مسئول عن التعليم الأولي دون أن يذكر بأن الدولة تعمل من أجل تحقيق تكافؤ الفرص، لأن عدم التكافؤ بدوره يعني مما يعنيه التفاوت والطبقية والعنصرية وعدم الإنصاف واللامساواة والإهمال، وهلم جرا، وهي كلها أوصاف قادحة لا يرضاها العقلاء لبلدهم. غير أن الواقع يؤكد غياب التكافؤ والمساواة والإنصاف في مجال التعليم الأولي، هل هذا مقصود أم غير مقصود؟، لا نطلع على الغيب ولا نحكم على النيات،  لكن مظاهر اللامساواة  نصنعها بسياساتنا المتبعة، وهي أكثر من أن تحصى، وعلى رأسها  أكثر من نصف أطفال المغرب لا يستفيدون من التعليم الأولي، هذا مظهر واضح للجميع ولا أعتقد أن اثنين يختلفان حوله، ثم إن نسبة المستفيدين تعتريها ظروف اللا تكافؤ من جهات متعددة : التفاوت بين العالم القروي والحضري التفاوت بين المديريات نفسها، فهناك مديريات لا تتوفر على هيأة التفقد ولا مركز الموارد المسئول عن تكوين المربيات، والتفاوت بين الذكور والإناث وضعف التربية الدامجة التي توفر الفرصة لذوي الاحتياجات الخاصة، بالإضافة إلى تعدد المتدخلين وتعدد البرامج، هذا غير  التصنيف الذي تصر الوزارة على اعتماده :تقليدي / عصري / عمومي رغم أن المجلس الأعلى يوصي الوزارة بالابتعاد عن هذا التصنيف، يقول في توصيفه  : " ..إن التمييــز المبنــي علــى تصنيــف المؤسســات التربويــة لثلاثــة أنــواع :تقليــدي، عصــري، عمومـي، ليـس لـه أي أسـاس نظـري ولا يعكـس  الواقــع التدبيــري والتربــوي لهــذا القطــاع..."[11]، من هذا الذي ذكر والذي لم يذكر، نستنتج أن مظاهر اللاتكافؤ كثيرة وأمام الوزارة عقبات كثيرة من أجل تقليص الهوة بين مختلف الشرائح، وقد أقر المجلس الأعلى بأفضل عبارات توصيف للعوائــق المتعــددة التي " تهــم التعميــم والإنصــاف والنمــوذج البيداغوجــي والجــودة والحكامــة والتمويــل؛ عوائــق مــن أبــرز تجلياتهــا التفاوتــات القائمـة بيـن الوسـطين الحضـري والقروي، وبين المؤسســات نفســها، وبيــن الإنــاث والذكــور، بمــا فــي ذلــك الأطفــال فــي وضعيــة صعبــة ومهمشــة، ممــا يــؤدي إلــى إقصــاء أعــداد جــد مهمــة مــن الأطفــال الصغــار مــن هــذه التربيــة، ويخــل بمبــدأ تكافــؤ الفــرص والإنصــاف والحــق فــي الولوجيــة للجميــع" [12].

  تطوير التعليم الأولي

      تحت هذا العنوان نصادف أوصافا كثيرة باٌلإضافة إلى الهدفين السابقين، نعم نصادف الحديث عن الجودة والحكامة والارتقاء والتحسين والدمج والإدماج وغيرها، منذ زمن الميثاق الوطني وحتى الآن، تروج هذه المصطلحات بكثافة وهي مطالب عالية، الكل يتطلع إليها وينشدها، لكن تحقيق مثل هذه المطالب ليس بالأمر الهين، فلابد من تضحيات وثمن.

       مطالب من قبيل الجودة والحكامة غالية الثمن وباهظة التكلفة، هل الوزارة مستعدة لذلك؟ وهل سلكت عمليا طريق تحقيق هذه المطالب العليا؟ ما ذا قدمت من أجل ذلك؟ الجواب يمكن تلخيصه فيما يلي: لن نعود إلى الوراء، ولكن ننظر إلى هاته السنة ذاتها 2018، وما تحمله من مستجدات للقطاع، لقد أصدرت الوزرة مجموعة من القوانين كلها تنشد وتستهدف تطوير التعليم الأولي، وعلى رأسها الإطار المرجعي الموحد والإطار المنهاجي والإطار الخاص بالتربية الدامجة، بالإضافة إلى دفتر التحملات الذي لازال مشروعا فقط، وتوجت هذه المشاريع القانونية والتربوية، بعرض السيد وزير التربية الوطنية والتكوين المهني والبحث العلمي بالصخيرات، الذي رسم فيه خارطة طريق لمسار التعليم الأولي ابتداء من سنة 2018 إلى الموسم : 2027/2028، حيث الموعد مع مطلب التعميم ...هي خطوات مهمة ومعتبرة، ولكنها تحتاج إلى إرادة سياسية تنفيذية عملية مستدامة.

نعم في حاجة نحن إلى إرادة سياسية تعمل من أجل تنزيل البرامج وتحويلها إلى أوراش عمل مستدامة. فلقد اعتدنا تسيير الأوراش الكبرى الحاسمة والمستقبلية للبلد عن طريق الارتجال والاستعجال، وعن طريق الحملات المؤقتة التي سرعان ما ينطفئ وهجها وتعود الأمور إلى سابق عهدها.

التطوير والجودة معروفة شروطها ومعاييرها دون الإغراق في التنظيرات وهي على العموم : مناهج وطرق بيداغوجية متطورة، بنية تحتية ملائمة والعناية بالموارد البشرية المشرفة والمؤطرة ماديا وتأهيلا، والأجهزة المكلفة بالمتابعة والتقييم وتوفير النفقات مع ترشيدها هي عناصر كافية لتطوير التعليم الأولي بشرط بسط وصاية الدولة على القطاع ...أما واقعنا الحالي فبعيد عن الجودة خاصة في العالم القروي، حيث الفوضى تسود القطاع، مؤسسات تفتح وأخرى تغلق، مربيات جديدات يلتحقن دون تكوين، وأخريات يغادرن دون رقيب، لا تأطير ولا متابعة ولا تمويل ولا تقييم، تعدد المتدخلين وتعدد أصناف المؤسسات وغياب تكافؤ الفرص وغيرها من المظاهر السلبية التي لا علاقة لها بالجودة والحكامة ..وأخاف أن تكون الإطارات المرجعية السابقة الذكر، تكرس بعض الجوانب السلبية لأنها زكت تعدد المتدخلين وتنوع المؤسسات ولم تحل مشكلة المربيات والمربين المادية، ولم يتضح بعد جهاز الإشراف والمتابعة والرقابة، وهذه كلها مداخل كافية للطعن في مطلب الجودة ..

ب. ملاحظات عابرة وتساؤلات عالقة:

       بالنظر إلى حجم المحطات السابقة وأهميتها، فلن يكون المجال متسعا أمامنا لتقييم كل محطة على حدة، نترك ذلك للسنوات القادمة وللواقع المعيش الذي سيكشف لنا الحقيقة، ذلك أن نجاح صدق التنظير وما يحمله من وعود هوما سيكشفه الواقع وتمظهراته، ولكنني في هذه الفقرات السريعة أكتفي بإشارات عامة، وتنبيهات دالة، أعتقد أنها تصب في مصلحة هذا القطاع.

    المنطلقات المرجعية:

      تم التنصيص على المنطلقات والمرجعيات المحددة والموجهة للإصلاح على مستوى الإطار المرجعي الموحد للتعليم الأولي والإطار المنهاجي وكذا الإطار المرجعي لأقسام التربية الدامجة، والتي تتمثل في الدستور وخطب الملك والقوانين الدولية المتعلقة بالطفولة. والميثاق الوطني وما تفرع عنه، تم ذلك بإسهاب  دون شارة ولو خفيفة لهوية الأمة المتمثلة في الدين الإسلامي   وكأننا أمة طارئة لا ذاكرة لها ولا تاريخ وهذا نلاحظ أثره، ف : "عند بيان طبيعة مرحلة الطفولة المبكرة وأهميتها في بلورة معالم شخصية الطفل المستقبلية، تم الاستناد والاستشهاد بعلماء غربيين في القرون السابقة في غياب تام لأية إشارة لعلماء الأمة التي نزعم الانتماء إليها : القدامى منهم والمعاصرون، وكأننا أمة لا تجارب لها ولا جذور عندها ولا امتداد لها عبر الزمان والمكان، نعم للانفتاح على تجارب الغير والاستفادة منها، لكن دون إغفال للهوية والخصوصية "[13].

      التركيز على الكفايات دون القيم:

         المتصفح للوثائق التربوية والإطارات المرجعية التنظيمية التي أشرنا إليها سابقا، يلاحظ بجلاء طغيان هاجس الكفايات على القيم، تفاصيل وتفريعات دقيقة على مستوى الكفايات، ولكن على مستوى القيم، ذكر محتشم فقط مع الإطار المنهاجي. فلو تم التعامل مع الكفايات بتلك الطريقة لما أثرناها في هذه الورقة، ولكنها أخذت صفحات من هذه الوثائق، رغم أن المكان الطبيعي للتفاصيل هو وثائق تربوية أخرى موازية من قبيل أهداف وتوجيهات؛ هل يعني هذا أن منظومتنا لا تفتقر إلى القيم؟ أم أن إدراج القيم في هذه المرحلة غير مهم؟ والجواب الذي قد لا يختلف حوله اثنان لكلا التساؤلين بالنفي، لأن منظومتنا تعاني بشدة من الجانب القيمي، وهذا النقص الحاصل هو الذي يفرز لنا مخرجات غير مرغوب فيها لما يعتريها من اختلالات سلوكية مخجلة يمتد أثرها طولا وعرضا على واقعنا، هذا من حيث الحاجة الماسة للقيم، أما التساؤل الثاني المتعلق بأهمية الطفولة المبكرة وحساسيتها الشديدة، وأثرها البليغ على شخصية الطفل المستقبلية، فالوثائق التربوية المذكورة تؤكد هذه الأهمية، لأن هذه المرحلة هي مرحلة البذر والغرس للقيم التي نحن بحاجة إليها... وعندما نتحدث عن القيم فمنها القيم النبيلة المشتركة بين المجتمعات الإنسانية، ومنها القيم التي هي من الخصوصيات الدينية والوطنية التي يجب الاعتزاز بها والتأكيد عليها دون خجل أو تردد .

تكريس تعدد المتدخلين في القطاع:

   من مختلف المحطات التنظيمية والتدبيرية المشار إليها سابقا، أكدت الدولة على تعدد المتدخلين في القطاع، وفتحت المجال أمام كل من يرغب في الإسهام في القطاع، بل حفزت وألزمت بعض المؤسسات على الانخراط والشراكة والتعبئة من أجل الإقلاع بالتعليم الأولي إلى الأمام، أعتقد أن أكثر المصطلحات رواجا عند الحديث عن التعليم الأولي، هو الشراكة، لأن الدولة تبحث عمن تلقي عليه المسئولية ويتحمل أعباء النفقات المادية، لقد بدأ الحديث عن الشراكة من زاوية معقولة كما يلي : "وتشكل الشراكة مبدأ عمل وحاجة أساسية لاشتغال مؤسسات التعليم الأولي. إنها مبدأ وحاجة بحكم أن تعدد جوانب شخصية الطفل وتنوع العوامل المؤثرة فيه، تستلزم إشراك أطراف أخرى من خارج المؤسسة التعليمية لفهم فرادته وتفسير سلوكه وتنسيق الاشتغال على قدراته" ليصل بنا الحديث إلى الهدف الحقيقي من الشراكة الذي هو: «. فإن الشراكات تسمح بتغطية الخصاص في الإمكانيات والموارد، سواء كانت موارد مادية أو تقنية أو بشرية، مما يؤهل المؤسسة كي تحقق أقصى ما يمكن من الأهداف بالنسبة لكل طفل."[14]نعم، يجتهد المنظرون بإظهار فوائد الشراكة والتعدد، ويغرقون في التنظير لذلك، فمن جهة يرفعون شعار الجودة وتكافؤ الفرص، ومن جهة أخرى يتهربون من تحمل المسئولية، هل يكفي للدولة أن تنظر وتهيئ الإطار المرجعي بمواصفات عالية، ثم تلقي المسؤولية على الشركاء والمتدخلين؟ يلج الميدان كل من يرغب في ذلك دون رقيب أو حسيب، لأن جهاز الإشراف حتى الآن ضعيف، بغياب هيئة التفقد عن المشهد وإسدال الستار عليها بالكامل، فلم يعد أحد يعرف الجهاز المسئول عن الإشراف والمتابعة. الميدان يعج بالمتدخلين ولازالت الدولة تنادي بالمزيد لأن الشعارات المرفوعة منذ زمان لم تتحقق بعد. " فمن القطاعات الحكومية وغير الحكومية والجهات الوطنية والأجنبية : فهناك على سبيل المثال : وزارة التربية الوطنية ووزارة الأوقاف والشبيبة والرياضة والتعاون الوطني ووزارة التضامن والأسرة والقوات المسلحة والمناجم والأبناك والشركات والجماعات وجمعيات المجتمع المدني، والقطاع الخاص الذي يستهدف الربح وغيرها من المبادرات المتعددة، مثل المؤسسة المغربية للنهوض بالتعليم الأولي؛ هذا إلى جانب جهات أجنبية ودولية تساهم مساهمة معتبرة خاصة منظمة اليونيسيف التي تبذل مجهودات مهمة في سبيل تطوير التعليم الأولي ..هذا التنوع من جهة جميل ومقبول، فهو إثراء وتراكم للتجارب، والعمل على تخفيف العبء عن الدولة التي تشكو من المنظومة التعليمة كثرة الإنفاق، لكن النظر إلى هذا التعدد من زاوية أخرى، يمكن الحكم عليه بأنه فوضى، يؤدي إلى مخرجات غير منسجمة، ...، أين وزارة التربية الوطنية من هذا الفسيفساء المؤسساتي؟ هل تعرف ما يجري داخل هاته المؤسسات المتنوعة؟ وهل تمتلك الأطر الكافية للتأطير والمراقبة؟ هل لا زالت تعتبر نفسها الوصية على التعليم الأولي؟ "[15] كلها أسئلة تبحث عن الجواب.

   تنوع المؤسسات:

    إلى جانب تعدد المتدخلين في قطاع التعليم الأولي هناك تنوع في مؤسساته؛ فمن الكتاتيب ورياض الأطفال والأقسام المحدثة والمؤسسات الخاصة إلى تعليم تقليدي وعصري وعمومي. أسماء ومسميات لا نمتلك غير الاستسلام لهذه الأوصاف، ورغم أن المجلس الأعلى نبه الوزارة إلى تجاوز هذه التصنيفات فقد أبقت عليها وزكتها، يقول:"إن التمييــز المبنــي علــى تصنيــف المؤسســات التربويــة لثلاثــة أنــواع: تقليــدي، عصــري، عمومـي، ليـس لـه أي أسـاس نظـري ولا يعكـس الواقــع التدبيــري والتربــوي لهــذا القطــاع. إذ يقــوم التمييــز، فــي الواقــع، بيــن المؤسســات والممارســات التربويــة علــى الوســائل المتاحــة لـكل منهـا عـن طريـق رسـوم التسـجيل (المـؤداة مــن طــرف الأســر) ونوعيــة العــرض التربــوي.يترتـب عـن تعـدد المتدخليـن عـدم انسـجام حكامـة هـذا الطـور التربـوي، وافتقـاره للوحـدة، وهـو مـا يتجلــى فــي عــرض غيــر منســجم لا يســتجيب تنظيمــه دائمــا لمعاييــر الجــودة والإنصــاف" أصرت الوزارة على تصنيف التعليم الأولي إلى: تقليدي / عصري / عمومي. ووفق هذا التصنيف تعلن الإحصاءات.

  • :

تعتبر عملية الإحصاء من العلوم الحديثة التي تتوقف عليها التنمية بجميع تجلياتها الاقتصادية والاجتماعية والسياسية إلخ، فالإحصاء هو عملية جمع المعلومات والأرقام ووضعها في بيانات تمكن المتتبعين دولا وهيآت وأشخاصا من تشخيص الوضعية المستهدفة، وتقريبها إلى الأذهان واستنتاج ما يمكن استنتاجه بعد عملية المقارنة، مما يسهل إصدار الحكم عليها بعد ذلك بالإيجاب أو بالسلب، وبالتالي رسم الخطط ووضع البرامج المستقبلية لاستدراك أي خلل قد يحصل. وبالنسبة لعملية الإحصاء الخاصة بالتعليم الأولي عندنا في المغرب فتصدر من جهات متعددة. من موجز وزارة التربية الوطنية ومن مندوبية التخطيط ومن مختلف المصادر، الإشكالية المطروحة هل هاته الإحصائيات حقيقية؟ وكيف يتم الحصول عليها؟ في السنوات الماضية تكلف هيئة التفقد بعملية الإحصاء، أما الآن فالمتفقدون نحو الانقراض، وهناك أقاليم دون هيئة التفقد، السؤال من يقوم بعملية الإحصاء مكان المتفقدين؟ الأمر ليس بالسهل، إذا علمنا أن ذلك يحتاج إلى إمكانات وجهد بشري ورؤية واضحة، وهذه الإشكالية نبه إليها أيضا المجلس الأعلى للتعليم عندما قال: " تبــرز المعطيــات المتوافــرة عــدم التمكــن مــن تقديــم وصــف دقيــق لواقــع التعليــم الأولــي فــي المغــرب. إذ إن مقارنــة الأرقــام المصــرح بهــا مــن طــرف المندوبيــة الســامية للتخطيط والأخرى الــواردة فــي موجــز إحصائيــات لــوزارة التربيــة الوطنيــة والتكويــن المهنــي، والحوليــات الإحصائيــة، يعكــس صعوبــة إحصــاء هـذا القطـاع الـذي يظـل بحاجـة إلـى المزيـد مـن تدقيــق معطياتــه الميدانيــة". وإشكالية أخرى تتعلق بتصنيف المؤسسات، خاصة منها: التقليدية والعصرية، متى نقول هذه تقليدية وتلك عصرية؟ هل المعيار هو الفضاء؟ أم التجهيزات؟ أم الطرق المعتمدة؟ أم كفاءة المربية؟ أم الحصول على الترخيص؟ أم لتواجدها في العالم الحضري أو القروي؟ كلها أسئلة مشروعة أعتقد، وقد عانيت منها شخصيا لما كنت مكلفا بالإحصاء، ولا نجد الجواب المقبول على ذلك، بل هي اجتهادات وتقديرات غير متفق عليها.

      التكوين والتأطير والتتبع:

     لا شك أن عملية التكوين والتأطير من لوازم التعليم الأولي، لأن الميدان مفتوح على كل من يرغب في ولوجه، وإن لم يتوفر على المواصفات اللازمة، كما أن عدم استقرار المربيات في وظائفهن لتدني أجورهن ظاهرة منتشرة يجعل المجهودات المبذولة تضيع باستمرار. وهذا مما يستوجب التأطير عن قرب والقيام بعملية التكوين الأساسي والمستمر لسد الثغرات وما أكثرها.

 في الماضي تقوم مراكز الموارد وملحقاتها والمتفقدون بهذه المهمة، أما الآن فقد تغيرت الأمور، فلم يعد ذكر لمراكز الموارد، ولا للمتفقدين، فمؤسسات التعليم الأولي هي من تتحمل تلك المسئولية حسب الإطار المرجعي إلا ما يمكن أن تقوم به الأكاديميات أو المديريات أو مراكز التكوين لمهن التربية.  وهذا كله غير مؤكد، لأنه ورد بصيغة الإمكان فحسب ويحتمل الإمكان أيضا عدم القيام به. لقد ورد في الإطار:" وفي هذا الباب تكون بنية التعليم الأولي مطالبة بانتقاء المربين والمربيات الذين تتوفر لديهم الاستعدادات والمؤهلات لاكتساب هذه الأدوار وإتقانها، كما عليها أن تنظم تكوينات جادة في مجال الحقوق والتقنيات المؤهلة لممارسة تلك الأدوار. يمكن لمجموعة من البنيات أن تنسق فيما بينها لتنظيم دورات تكوينية، كما يمكن أن تعقد دورات داخلية أو تساهم في ما ينظم من تكوينات سواء من طرف الأكاديمية أو بعض المؤسسات أو الجامعات أو المراكز الجهوية للتربية والتكوين. كما عليها أن تشجع المربيات والمربين على التكوين الذاتي وعلى القيام بإنجاز مشاريع بيداغوجية لتعميق التكوين وربطه بالواقع."15 ومما يفهم من هذا الكلام أن الدولة تخلت عن وظيفة التكوين ولم تعد ملزمة للقيام بها.

      وعلى مستوى التتبع فالمسئول الميداني على ذلك هو السيد مفتش التعليم الابتدائي؛ أما وظائف اللجن المركزية والجهوية والإقليمية، فهي مسئولة عن استقبال التقارير وإنشاء تقرير تركيبي، كل في مستواه. وهنا نتساءل مرة أخرى كما تساءلنا في بحثنا عن التعليم الأولي ومن منطلق عملي: هل السادة المفتشون الغارقون في مهامهم المتنوعة، المشتكون باستمرار من قلة الأطر وكثرة المؤسسات، مستعدون لتحمل مهام التتبع والتأطير والتكوين لأطر التعليم الأولي، المنتشرة في المداشر والدواوير والقصور في ربوع الوطن؟ نعم قد يقبلون هاته المهمة كرها وعلى مضض، لأنها تدخل ضمن مهامهم حسب القانون الجديد المنظم لمهنة التفتيش، ولكن من حيث الجدوى والمردودية، لا أظن أنها ستكون مقبولة، نعم ستنجز تقارير هنا وهناك في غياب تام لتكافؤ الفرص، ثم يقال لنا إن العملية ناجحة إلى أن يظهر العور من جديد بعد سنوات، كما هو معهود، ويبدأ الحديث مرة أخرى عن إصلاح الإصلاح.

  خاتمــــــــــــــــــــــة:

      من هذا الجرد السريع لمضامين المحطات السابقة الذكر يتبين لنا أن مجهودات تبذل وأموالا تصرف ووعودا تعلن، وتنظيرات على قدم وساق تحبك، لكن تدبير الملف يراوح مكانه منذ زمان ولا يتقدم إلى الأمام، ترى أين يكمن الخلل؟ ومن المسئول عن هذه التعثرات؟ 

    و من الفقرات السابقة يتبين لنا بجلاء، أن الكل متفق على أهمية التعليم الأولي، وأنه يعاني من اختلالات كثيرة تعيق تعميمه وتطوريه، مما يستدعي تعبئة شاملة يشارك فيها الجميع، كما أننا قد نتفق مع تشخيص وتوصيات المجلس الأعلى للتربية والتكوين حول التعليم الأولي، وعلى رأس ملاحظاته أن الدولة هي من أخلت بالتزاماتها المادية تجاه القطاع، وأن المدخل الحقيقي للإصلاح هو إيجاد رغبة سياسية صادقة تروم الإصلاح، وتوفر التموين اللازم الذي يعين على تحقيق المجانية وتكافؤ الفرص، لكننا قد   نضيف أمرا واحدا - نراه لازما للنجاح - لما وصى به المجلس الأعلى. وهو إحداث جهاز مستقل متخصص ومتفرغ على المستوى الإداري والتأطيري والتربوي، يكون مسؤولا عن هذا القطاع إن على المستوى المركزي والجهوي والإقليمي، لما لهذا القطاع من أهمية وحيوية، ولما له من خصوصيات تميزه عن غيره، تأسيا بمن سبقنا في الميدان، فلا يكفي أن نستنسخ القوانين المتطورة، من أي بلد كان ولكن أن نحدو حدوهم في الأفعال والتطبيق، وهذا التخصص والتفرغ هو الطريق الطبيعي إلى الجودة والتطوير، كما أن هذا التفرغ والتخصص يسهل عملية المتابعة والمراقبة والمحاسبة.

 

[1] المملكة المغربية، المجلس الأعلى للتربية والتكوين والبحث العلمي، رأي رقم: 3/2017، التعليم الأولي: أساس بناء المدرسة المغربية الجديدة، (الملخص)، طبعة يوليوز، 2017.

[2]   نفسه، ص 5.

[3]  للمزيد انظر: وخلفن، عبد الله، التعليم الأولي بالمغرب رؤية عن قرب، دار القلم، طبعة 2018 صفحة 40 وما بعدها. ولعلنا سنحيل عليه مرة بعد أخرى في معطيات هذا العنصر.

[4]   وزارة التربية الوطنية والتكوني المهني والتعليم العالي والبحث العلمي، الإطار المرجعي للهندسة المنهاجية لفائدة الأطفال في وضعية إعاقة" أقسام التربية الدامجة"، مديرية المناهج، دجنبر 2017، بدعم من اليونسيف، مكنب المغرب.

[5]  وزارة التربية الوطنية، الإطار المرجعي للهندسة المنهاجية لفائدة الأطفال في وضعية إعاقة، طبعة دجنبر، 2017، صفحة 5.

[6]  وزارة التربية الوطنية والتكوني المهني والتعليم العالي والبحث العلمي، وثيقة انطلاق البرنامج الوطني لتعميم وتطوير التعليم الأولي، قصر المؤتمرات، الصخيرات، 18 يوليوز 2018.

[7]   وزارة التربية الوطنية والتكوني المهني والتعليم العالي والبحث العلمي، وثيقة انطلاق البرنامج الوطني لتعميم وتطوير التعليم الأولي، قصر المؤتمرات، الصخيرات، 18 يوليوز 2018، ص 3 وما بعدها.

[8]  يمكن مراجعة تقرير المجلس الأعلى للتربية والتكوين والبحث العلمي الصادر في نونبر 2017 بالفرنسية في موضوع: Rapport sur Un préscolaire équitable et de qualité، وكذا دراسة التعليم الأولي بالمغرب في أفق 2030 التي أعدها مجلس المستشارين بدعم من مؤسسة وستمنستر للديموقراطية.

[9] ) الميثاق الوطني للتربية والتكوين نسخة 2000، المادة: 24.

[10]  المجلس الأعلى للتربية والتكوين والبحث العلمي، رأي رقم 3/2017 صفحة 25.

[11]  المرجع السابق، صفحة 16.

[12]  المرجع السابق: صفحة 13.

[13]  التعليم الأولي بالمغرب، رؤية عن قرب، ص: 43

[14]  الإطار المرجعي للتعليم الأولي صفحة : 47

[15] عبد الله وخلفن، التعليم الأولي بالمغرب رؤية عن قرب صفحة: 69