المادة 9 من قانون مالية 2020 بين تأكيد إرادة المخزن ومطلب دولة الحق والقانون

عبد الفتاح بلخال، أستاذ القانون العام بجامعة محمد الخامس، الرباط

تابع المختصون وباهتمام ما أثارته المادة 9 من مشروع قانون مالية 2020، والذي تقدمت به الحكومة أمام البرلمان يوم الاثنين 21 أكتوبر 2019، من جدل قانوني وسياسي واسع داخل قبة البرلمان وخارجها. وتجدر الإشارة هنا أن نفس الجدل كانت عرفته المادة 8 مكرر من مشروع قانون مالية 2017 عقب تنصيص الحكومة على منع إخضاع ممتلكات الدولة والجماعات الترابية للحجز، رغم صدور أحكام قضائية نهائية في مواجهتها. غير أن الحكومة اضطرت إلى سحب هذه المادة من المشروع.

مضمون المادة 9 من مشروع قانون مالية 2020

تلزم المادة 9 من مشروع قانون المالية الدائنين الحاملين لسندات أو أحكام قضائية تنفيذية نهائية ضد الدولة ألا يطالبوا بالأداء إلا أمام مصالح الآمر بالصرف للإدارة العمومية.

وفي حالة صدور قرار قضائي نهائي اكتسب قوة الشيء المقضي به يدين الدولة بأداء مبلغ معين، يتعين الأمر بصرفه داخل أجل أقصاه ستون يوما ابتداء من تاريخ تبليغ القرار القضائي في حدود الاعتمادات المالية المفتوحة بالميزانية.

ولا تلزم المادة 9 الآمرين بالصرف بتنفيذ الأحكام القضائية إلا في حدود الإمكانات المتاحة بميزانياتهم، وإذا أدرجت النفقة في اعتمادات تبين أنها غير كافية، يتم عندئذ تنفيذ الحكم القضائي عبر الأمر بصرف المبلغ المعين في حدود الاعتمادات المتوفرة بالميزانية، على أن يقوم الآمر بالصرف باتخاذ كل التدابير الضرورية لتوفير الاعتمادات اللازمة لأداء المبلغ المتبقي في ميزانيات السنوات اللاحقة.

 

السيناريوهات المطروحة أمام المادة 9 

خلفت هذه المادة جدلا كبيرا، واعتبرها البعض نكسة تشريعية وعبثا تشريعيا، تستدعي سحبها من مشروع قانون مالية 2020، ولعل قوة هذا الجدل هو ما حمل البعض ومن داخل الحكومة إلى الكشف عن أن هذه الأخيرة ستسحب المادة 9 من مشروع قانون المالية، وذلك بتنسيق مع مجلس النواب.

هنا يطرح سؤال وجيه: ما العمل تجاه هذا الوضع؟ أو بالأحرى كيف يمكن تدبير هذا الوضع من الناحية القانونية؟

نذكر هنا أننا نعيش في حالة عادية جدا في إطار السير العادي للمؤسسات، ولسنا في حالة الاستثناء المنصوص عليها في الفصل 39 من الدستور، وبالتالي من الناحية القانونية، يمكن التعاطي مع هذه المادة وفق السيناريوهات العادية التالية:

  • السيناريو الأول؛ تقوم الحكومة بسحب هذه المادة من المشروع كما فعلت مع المادة 8 مكرر من مشروع قانون مالية2017 وتضع حدا للجدل الذي أثارته.
  • السيناريو الثاني؛ يرفض البرلمان بمجلسيه اعتماد هذه المادة فتضطر الحكومة إلى سحبها من المشروع..
  • السيناريو الثالث؛ يرفض مجلس النواب الموافقة على هذه المادة في القراءتين الأولى والثانية رغم التصويت عليها بنعم من قبل مجلس المستشارين.
  • السيناريو الرابع؛ تستفيد الحكومة من أغلبيتها ويصوت مجلس النواب بنعم على هذه المادة في القراءتين الأولى والثانية رغم رفضها من قبل مجلس المستشارين، وفي هذه الحالة، ووفقا للفصل 132 من الدستور، يمكن لرئيس مجلس المستشارين، أو أربعين عضوا من أعضاء مجلس المستشارين، أن يحيلوا هذه المادة، قبل إصدار الأمر بتنفيذها، إلى المحكمة الدستورية، لتبت في مطابقتها للدستور داخل أجل شهر من تاريخ الإحالة. غير أن هذا الأجل يُخفض في حالة الاستعجال إلى ثمانية أيام، بطلب من الحكومة.

 

السيناريو الاستثناء ونهاية مسرحية المنقذ من الضلال

هذه إذن هي السيناريوهات القانونية العادية لمعالجة وضع عادي في حالة عادية. لكن وخلافا لما تم مع المادة 8 مكرر من مشروع قانون المالية لسنة 2017، وخلافا لباقي السيناريوهات الأخري، تم التعامل مع هذه المادة وفق سيناريو عجيب يتعذر الوصول إليه لولا ثقل نفوذ من يهمه الأمر؛ ففي مجلس النواب، المنتخب مباشرة من لدن الشعب والمفترض أن يدافع عن حقوقه، تم الاتفاق بشكل غريب داخله على صيغة توافقية من الفرق والمجموعة النيابية وممثل عن الحزب الاشتراكي الموحد للمـادة 9. وفي مجلس المستشارين، وبعد فشل تشكيل لجنة المالية والتنمية الاقتصادية فيه للجنة مصغرة تضم ممثلين عن كل الفرق من أجل إيجاد صيغة توافقية بشأن المادة 9، مررت هذه اللجنة المادة المذكورة، حيث صوت لصالحها فريق الأصالة والمعاصرة إلى جانب كل من الحركة الشعبية والتجمع الوطني للأحرار والاتحاد العام لمقاولات المغرب، دون إدخال تعديلات على الصيغة التي وردت بها من مجلس النواب، في المقابل، عارض هذه المادة كل من الاتحاد المغربي للشغل والكنفدرالية الديمقراطية للشغل، والاتحاد الاشتراكي المنتمي للأغلبية الحكومية، في ما امتنع عن التصويت كل من فريق حزب العدالة والتنمية الذي يقود التحالف الحكومي والاستقلال المنتمي للمعارضة.

ورغم تصريح البعض باللجوء إلى المحكمة الدستورية لإسقاط المادة 9 من مشروع قانون المالية سنة 2020 في حال تمريرها في الجلسة العامة، لم يتم تحريك المادة 23 من القانون التنظيمي للمحكمة الدستورية التي تنص على أن "تكون إحالة القوانين إلى المحكمة الدستورية قصد البت في مطابقتها للدستور، طبقا لأحكام الفقرة الثالثة من الفصل 132 ‏ منه، برسالة من الملك أو رئيس الحكومة أو رئيس مجلس النواب أو رئيس مجلس المستشارين أو برسالة أو عدة رسائل تتضمن في مجموعها إمضاءات عدد من أعضاء مجلس النواب لا يقل عن خمس الأعضاء الذين يتألف منهم، أو أربعين عضوا من أعضاء مجلس المستشارين".

ذلك إذن هو السيناريو الاستثناء الذي أنهى الجدل داخل قبتي البرلمان وأنقذ الحكومة من الحجز على ممتلكات الدولة والجماعات الترابية ومجموعاتها. ومع ذلك خلف هذا السيناريو مزيدا من الجدل والنقاش في الساحة السياسية والحقوقية.

هكذا إذن وبعد إدخال تعديلات جزئية عليها صوتت، وبالإجماع وعلى غير عادتها، فرق الأغلبية والمعارضة في مجلس النواب على المادة 9، بشكل استحق التنويه من لدن الحكومة.

حيث ألزمت هذه المادة، كما صادق عليها البرلمان، الدائنين الحاملين لأحكام قضائية تنفيذية نهائية ضد الدولة أو الجماعات الترابية ومجموعاتها ألا يطالبوا بالأداء إلاّ أمام مصالح الآمر بالصرف للإدارة العمومية أو الجماعات الترابية المعنية.

وفي حالة صدور حكم قضائي نهائي قابل للتنفيذ، يلزم الدولة أو جماعة ترابية أو مجموعاتها بأداء مبلغ ميعن، يتعين الأمر بصرفه داخل أجل أقصاه تسعون (90) يوما ابتداء من تاريخ الإعذار بالتنفيذ في حدود الاعتمادات المالية المفتوحة بالميزانية لهذا الغرض، وفق مبادئ وقواعد المحاسبة العمومية، وإلا يتم الأداء تلقائيا من طرف المحاسب العمومي داخل الآجال المنصوص عليها بالأنظمة الجاري بها العمل في حالة تقاعس الآمر بالصرف عن الأداء بمجرد انصرام الأجل أعلاه.

وإذا أدرجت النفقة في اعتمادات تبين أنها غير كافية، يتم عندئذ تنفيذ الحكم القضائي عبر الأمر بصرف المبلغ المعين في حدود الاعتمادات المتوفرة بالميزانية، على أن يقوم الآمر بالصرف وجوبا بتوفير الاعتمادات اللازمة لأداء المبلغ المتبقي في ميزانيات السنوات اللاحقة وذلك في أجل أقصاه أربع (4) سنوات ووفق الشروط المشار إليها أعلاه، دون أن تخضع أموال وممتلكات الدولة والجماعات الترابية ومجموعاتها للحجز لهذه الغاية.

 

تبريرات الداعمين للمادة 9: هاجس دولة المخزن

إن المدافعين عن هذه المادة سواء في صيغتها الأولى أو كما صادق عليها مجلسا البرلمان يدفعون بالتبريرات التالية:

  • إن المبلغ الكبير الذي صرح به وزير المالية والذي دفع من حسابات الدولة يهدد استمرارية المرفق العام، وهو ما دفع لجنة المالية إلى طرح مبادرة تشريعية بالتوافق، مبادرة اعتبروها متوازنة تضمن حقوق المواطنين في تنفيذ الأحكام وتضمن أيضا استمرارية المرفق العام.
  • ليس هناك دولة في العالم تجيز الحجز على أموال الدولة لأن فيها رواتب وأجور الموظفين وسيارات الإسعاف والمستشفيات، وبالتالي فالدستور الذي يضمن تنفيذ الأحكام القضائية النهائية، هو نفسه من يضمن استمرار المرفق العام، من هنا يجب أن يتجه التركيز نحو تنفيذ الأحكام واستمرارية المرفق العام.
  • إن ضرورة تحصين أموال الدولة والجماعات الترابية من الحجز تنبع من خدمة الصالح العام، فكيف سيتم مثلا بناء مرافق بمدينة كلميم التي لا تملك فيها الدولة مترا واحدا دون نزع الملكية؟
  • إن الهدف من المادة 9 من مشروع قانون المالية هو عقلنة تنفيذ الأحكام القضائية، لأن الحجز على أموال الدولة يهدد التوازنات المالية ويؤدي إلى عرقلة المرفق العام. وبالتالي فإجازة الحجز على أموال الدولة وممتلكاتها يخل بالتوازن الميزانياتي والمالي الذي يحكم قانون المالية السنوي. وبما أن الحكومة مسؤولة عن هذه التوازنات، فالبرلمان أيضا مسؤول عنها بموجب الفصل 77 من الدستور.
  • إن التعديلات التي صوت عليها البرلمان توازن بين الحفاظ على حقوق المواطنين واستمرارية المرفق العام، من خلال تقييد منع الحجز على أموال وممتلكات الدولة بمجموعة من الضوابط، التي تضمن تنفيذ الأحكام القضائية عبر توفير الاعتمادات المالية الضرورية في آجال محددة.
  • لقد تم تدعيم مقتضيا المادة 9 بتدبير جديد يمنع على الآمرين بالصرف أو من يقوم مقامهم الالتزام بأي نفقة أو إصدار الأمر بتنفيذها، في إطار الاعتمادات المفتوحة بالميزانية العامة، لإنجاز مشاريع استثمارية على العقارات أو الحقوق العينية بالاعتداء المادي ودون استيفاء المسطرة القانونية لنزع الملكية لأجل المنفعة العامة بالاحتلال المؤقت. وهو ما سيمكّن من تفادي الاعتداء المادي على عقارات الغير، دون سلوك المساطر القانونية لنزع الملكية ودون توفر الاعتمادات المادية الضرورية لذلك.
  • إن الحكومة لا تنوي من خلال اقتراح هذه المادة لا خرق الدستور ولا إفراغ الأحكام القضائية من محتواها، بل هي حريصة على احترام الأحكام القضائية، وعلى التنفيذ السريع لهذه الأحكام حتى تثبت ثقة المواطن في قضاء بلاده، وفي الوقت ذاته، هي حريصة على ضمان استمرار المرفق العام في أداء الخدمات المقدمة للمواطن بشكل خاص. ولا يمكن أن يتأتى ذلك إلا بتحصين الأموال المرصودة لتسييرها من الحجز مع إيجاد وسائل بديلة تضمن إلزامية تنفيذ الحكم القضائي في مواجهة الدولة.
  • مُعظم التشريعات المقارنة تتضمن مقتضيات تمنع الحجز على أموال وممتلكات الدولة، بما في ذلك الأملاك التابعة للمؤسسات العمومية والشركات المملوكة كليا أو جزئيا للدولة، من بينها الولايات المتحدة الأمريكية، وألمانيا، وفرنسا، وبلجيكا، وهولندا، وكندا، وسويسرا، وتركيا، وقطر ...
  • بل إن هذه المادة جاءت تنفيذا لمقتضيات المادة 14 من القانون التنظيمي لقانون المالية التي تنص على أن نفقات تنفيذ الأحكام القضائية الصادرة ضد الدولة تندرج ضمن نفقات التسيير التي يتكلف قانون المالية للسنة بتحديدها وبيان كيفية أدائها، وبالتالي فإن إدراج مقتضیات قانونية تنص على كيفية أداء النفقات المذكورة من خلال تحديد الإجراءات التي يتعين على كل من الآمر بالصرف والمحاسب المكلف بالأداء الالتزام بها، هو منسجم مع مقتضيات المادة 14 وكذا المادة 6 من القانون التنظيمي لقانون المالية، وبالتالي فالتدابير المقترحة في إطار المادة لا يمكن أن تكون إلا في إطار القانون المالي للسنة ولا مجال للحديث عن فرس الميزانية Cavalier budgétaire.
  • إن تنزيل الدستور يجب أن تراعى فيه جميع أحكامه ومبادئه، وخاصة الفصل 37 من الدستور الذي نص على ضرورة التقيد بالقوانين واحترام الدستور، وبناء على ذلك يتوجب احترام مقتضيات القانون التنظيمي لقانون المالية عند اتخاد القرار بأداء أي نفقة عمومية وإن كانت تنفيذا لحكم قضائي؛ والفصل 77 من الدستور الذي جعل الحفاظ على التوازنات المالية مسؤولية مشتركة للحكومة والبرلمان؛ والفصل 154 من الدستور الذي أوجب الحفاظ على استمرارية المرافق العمومية في أداء خدماتها، ولن يتأتى ذلك إلا بتحصين الأموال المرصودة لتسييرها من الحجز مع إيجاد وسائل بديلة لتنفيذ الأحكام القضائية الصادرة في مواجهة الدولة. فالمادة التاسعة لا تتعارض مع مقتضيات الدستور وتنسجم مع أحكام القانون التنظيمي لقانون المالية ولا تعتبر فرسا ميزانياتيا.

 

معارضوا المادة 9: مطلب دولة الحق والقانون

تعتبر المادة 9 سواء في صيغتها الأولى أو النهائية غير دستورية؛

  • فالمادة 14 من القانون التنظيمي لقانون المالية لا تعطي البرلمان حق الدخول في تفاصيل تنفيذ الأحكام القضائية، وترتيب إجراءات جديدة من قبيل: عدم إمكانية الحجز على أموال الدولة والجماعات الترابية. ففي قرار سابق صدر سنة 2019، اعتبر المجلس الدستوري المادة 8 من مشروع قانون المالية غير دستورية، نظرا لكونها تتعلق بإحداث مسطرة خاصة لتحصيل الغرامات بشأن المخالفات في السير والجولان، مما يجعلها خارجة عن نطاق اختصاص قانون المالية. وبالتالي فمعالجة قضية الأحكام الصادرة في مواجهة الدولة موقعه قانون المسطرة المدنية، وليس قانون المالية.
  • صحيح أن عددا من الدول تمنع الحجز على أموال الدولة، لكن ليست هناك دولة واحدة أدرجت هذا المقتضى ضمن قانون المالية، بل تم إدراجها في قوانين خاصة، ولم يتم استغلال قوانين المالية لأغراض غير تلك التي تضم أمورا ذات طبيعة مالية محضة.
  • إن السؤال الذي يجب طرحه هو: لماذا تراكمت الديون حتى تم الحجز على 10 ملايير درهم خلال الثلاث سنوات الأخيرة، وبلغت قيمة الأحكام التي لم تؤد بعد 30 مليار درهم؟، أكيد وقعت تجاوزات ووقع تعسف، ومع الأسف هناك من المسؤولين من يقوم بالاعتداء المادي على أملاك المواطنين، ثم يغادر موقع المسؤولية دون أن يحاسبه أحد.
  • إن عدم معالجة قضية الأحكام القضائية ضد الدولة معالجة شمولية سيزيد من تراكم الديون، من هنا وجب على الحكومة معالجة الموضوع في قوانين أخرى غير قانون المالية.
  • إن الذي أوصل الأمور لهذا الحد هو الفساد المستشري في المؤسسات وعدم ربط المسؤولية بالمحاسبة، ولا يمكن خرق الدستور لمعالجة وضع تسبب فيه المفسدون.
  • المادة 9 مخالفة للفصل السادس من الدستور، الذي ينص على أن "القانون هو أسمى تعبير عن إرادة الأمة. والجميع، أشخاصا ذاتيين أو اعتباريين، بما فيهم السلطات العمومية، متساوون أمامه، وملزمون بالامتثال له".
  • إن منع تنفيذ الأحكام القضائية الصادرة في مواجهة الدولة والجماعات الترابية عن طريق الحجز، يشكل مسا واضحا بمبدأ فصل السلط واستقلالية السلطة القضائية عن السلطتين التشريعية والتنفيذية، كما هو منصوص عليه في الفصلين 1 و107 من الدستور، فمقتضيات المادة 9 آلية تشريعية لإفراغ الأحكام والمقررات القضائية الصادرة في مواجهة الدولة والجماعات الترابية من محتواها وإلزاميتها، خلافا للفقرة الأولى من الفصل 126 من الدستور، التي تنص على "أن الأحكام النهائية الصادرة عن القضاء ملزمة للجميع"، دون تمييز بين أطراف الدعاوى المتعلقة بها.
  • المادة 9 وفضلا عن مخالفتها لأحكام الدستور، فإنها، من جهة أخرى، مخالفة للتوجيهات الملكية التي ما فتئت توصي بضرورة وأهمية تنفيذ المقررات القضائية وجريان مفعولها على المحكوم ضدهم، بما في ذلك الإدارة وكل مرافق الدولة، في إطار المبدأ الدستوري القاضي بمساواة الجميع أمام القانون والقضاء، فالمادة التاسعة تشكل تراجعا واضحا عن المكتسبات الحقوقية الدستورية، ومسا باختيارات المجتمع المغربي، في بناء مقومات دولة الحق والقانون.

 

الخاتمة: ترسيخ دولة الاستبداد

جاء في المادة التاسعة "وفي حالة صدور حكم قضائي نهائي قابل للتنفيذ، يلزم الدولة أو جماعة ترابية أو مجموعاتها بأداء مبلغ معين، يتعين الأمر بصرفه داخل أجل أقصاه تسعون (90) يوما ابتداء من تاريخ الإعذار بالتنفيذ في حدود الاعتمادات المالية المفتوحة بالميزانية لهذا الغرض، وفق مبادئ وقواعد المحاسبة العمومية، وإلا يتم الأداء تلقائيا من طرف المحاسب العمومي داخل الآجال المنصوص عليها بالأنظمة الجاري بها العمل في حالة تقاعس الآمر بالصرف عن الأداء بمجرد انصرام الأجل أعلاه" السؤال الذي يطرح هنا: من يضمن للمتضرر الأداء التلقائي من طرف المحاسب العمومي؟

وتضيف نفس المادة "وإذا أدرجت النفقة في اعتمادات تبين أنها غير كافية، يتم عندئذ تنفيذ الحكم القضائي عبر الأمر بصرف المبلغ المعين في حدود الاعتمادات المتوفرة بالميزانية، على أن يقوم الآمر بالصرف وجوبا بتوفير الاعتمادات اللازمة لأداء المبلغ المتبقي في ميزانيات السنوات اللاحقة وذلك في أجل أقصاه أربع (4) سنوات ووفق الشروط المشار إليها أعلاه، دون أن تخضع أموال وممتلكات الدولة والجماعات الترابية ومجموعاتها للحجز لهذه الغاية". ونطرح سؤالا هنا أيضا: من يضمن احترام هذا الأجل؟

إن ما يجدر الوقوف عنده في هذا السياق كون مؤسسة الوسيط، سواء أثناء حضور ممثلها في الولاية السابقة بلجنة العدل والتشريع أو خارج قبة البرلمان، ما فتأت تركز على ظاهرة امتناع الإدارة العمومية عن تنفيذ أحكام القضاء، هذه الظاهرة التي أصبحت تقض مضاجع طالبي التنفيذ في مواجهة الإدارة. فهل نكتفي بدعوة الإدارة إلى إعطاء القدوة في تنفيذ المقررات القضائية واحترام مقتضياتها؟ وكيف نقنع كل من تضرر من خطإ قضائي، أي خطأ مصدره القضاء وليس الإدارة، أن من حقه الحصول على تعويض تتحمله الدولة بنص الفصل 122 من الدستور، في حين هي تتنكر من مسؤولياتها؟

من هنا وبالرجوع إلى المادة التاسعة، يتبين أنها ستلحق حيفا كبيرا بالدائنين الحائزين على سندات وأحكام نهائية، في الوقت الذي كان يجب فيه ترجمة خطاب ملك البلاد وتفعيله على أرض الواقع من طرف المشرع، إذ جاء فيه: "من غير المفهوم أن تسلب الإدارة للمواطن حقوقه وهي التي يجب أن تصونها وتدافع عنها".

إن هذه المادة تنسف عدة مقتضيات دستورية وتحيد عن مبدأ المساواة أمام القانون؛ فإذا كانت الإدارة ملزمة بصيانة حقوق المواطن والدفاع عنها، ويجب على السلطات العمومية المساعدة على تنفيذ الأحكام بقوة الفصل 126 من الدستور؛ والأحكام النهائية الصادرة عن القضاء تعتبر ملزمة للجميع، سواء تعلق الأمر بالدولة أو بالأشخاص الذاتيين والاعتباريين، ألم يكن من الأجدر بالحكومة ألا تأتي بمشروع قانون أثار نقاشا حادا أثناء مناقشته نهاية سنة 2016؟

إن المادة التاسعة تحرم المواطن من أبسط حقوقه، وهي ممارسة مسطرة الحجز في حالة رفض الإدارة تنفيذ الأحكام الصادرة في مواجهتها؟ أليس من الحيف أن تعتدي الإدارة ماديا على أملاك الخواص وتمتنع عن تنفيذ أحكام المحاكم الإدارية القاضية بالتعويض أو تعمد إلى تنفيذ جزئي حسب الاعتمادات التي قد تمتد لسنوات ويحرم المعتدى على ملكيته من سلوك مساطر التنفيذ، وعلى رأسها الحجز لإجبار الإدارة على التنفيذ؟ ألم يضمن الدستور حق الملكية بمقتضى الفصل 35 ولا يمكن الحد من نطاقها وبممارساتها إلا بموجب القانون، وهذا القانون يخول للدائن سلوك جميع مساطر التنفيذ.

وإذا كان نواب الولاية البرلمانية السابقة تمكنوا من عدم تمرير مقتضى يهم المادة الثامنة من القانون المالي التي تتعلق بعدم جواز الحجز على أموال الإدارة، فإن المادة الحالية تعتبر ضربة قاضية وتراجعا مهولا عن مبدأ المساواة أمام القانون. فإذا كانت الأحكام النهائية ملزمة للجميع، بأي حق تعمد الدولة إلى الاعتداء المادي على أراضي الخواص، في خرق سافر للمساطر القانونية، وبعد مواجهتها بأحكام المحاكم الإدارية القاضية بالتعويض عن الضرر اللاحق بالمواطنين تمتنع صراحة عن التنفيذ أو تعمد إلى الأداء على دفعات قد تمتد لسنوات حسب الاعتمادات ويتم حرمان طالب التنفيذ من سلوك مسطرة الحجز على أموال المعتدي ماديا بموجب نص المادة التاسعة من قانون المالية.

وإذا كان الفصل الأول من الدستور ينص على فصل السلط واستقلال السلطة القضائية، والفصل 117 يولي القضاء حماية حقوق الأشخاص والجماعات وحرياتهم وأمنهم القضائي، وتطبيق القانون والفصل 118 يضمن حق التقاضي لكل شخص للدفاع عن حقوقه وعن مصالحه التي يحميها القانون ويمنح القضاء الرقابة على أعمال وتصرفات الإدارة ف"كل قرار اتخذ في المجال الإداري، سواء كان تنظيميا أو فرديا، يُمكن الطعن فيه أمام الهيئة القضائية الإدارية المختصة"، فإننا نجرد هذه المقتضيات من جدواها إذا سلمنا بعدم تنفيذ الأحكام، اذ ما فائدة النطق بالأحكام إذا لم يكن مآلها التنفيذ؟

إن إصرار الحكومة على تمرير هذه المادة هو باختصار تكريس لعدم تنفيذ أحكام القضاء وترسيخ لدولة الاستبداد، وإن التمادي في هذا الخرق سيؤدي لا محالة إلى الدفع بعدم دستورية النص طبقا للفص 133 من الدستور.

 

رابط تحميل الورقة