المالية الإسلامية بالمغرب: الرهانات والتحديات

تقديم:

تمكن قطاع المالية الإسلامية في السنوات الأخيرة من تحقيق نجاحات كبيرة على الصعيدين الإقليمي والعالمي، وذلك من خلال تنامي عدد المؤسسات المالية الإسلامية واتساع انتشارها الجغرافي. فقد بلغ عددها حوالي 1143 مؤسسة، منها 436 مصرفاً إسلامياً أو نافذة للخدمات المصرفية الإسلامية في البنوك التقليدية، و308 شركة تكافل و399 مؤسسة مالية إسلامية أخرى، مثل شركات التمويل والاستثمار.

تنتشر معظمها في منطقة الخليج وجنوب شرق آسيا، وتستحوذ المملكة العربية السعودية وإيران وماليزيا والإمارات على معظم الأصول المالية الإسلامية في العالم.

وعلى الرغم من هذا النمو المتزايد والاتساع الجغرافي للمالية الإسلامية عبر العالم، إلا أن المغرب ظل بعيدا عن الصيرفة الإسلامية، وظل يرفض منذ وقت طويل فكرة الترخيص لفتح البنوك الإسلامية، الى حدود سنة 2007، حيث تم الترخيص للبنوك التقليدية بتسويق بعض المنتجات الإسلامية، تحت مسمى "المنتجات البديلة". إلا أن هذه التجربة باءت بالفشل ولم تحقق النتائج المرجوة. وقد أدى فشل هذه التجربة إلى تنامي الضغوط من أجل وضع الإطار القانوني والبنية التحتية اللازمة من أجل انطلاقة صحيحة لمشروع المالية الإسلامية بالمغرب.

استجابة لهذه الضغوط، وسعيا إلى وضع حد لمشكل السيولة وجلب استثمارات خارجية، خصوصا من منطقة الخليج، أقَرّ المغرب في نهاية سنة 2014 القانون المتعلق بمؤسسات الائتمان والهيئات المعتبرة في حكمها، والذي ينظم عمل البنوك الإسلامية في المغرب تحت مسمى "البنوك التشاركية". كما تبنت الحكومة في منتصف مايو 2015 مشروع قانون لتنظيم أنشطة التأمين الإسلامي أو ما يسمى ب"التأمين التكافلي".

ما هو واقع الصناعة المالية الإسلامية اليوم؟ ما هي أهم التحديات التي تنتظر هذه الصناعة في المغرب؟

1 . الصناعة المالية الإسلامية: أرقام ناطقة

بلغ حجم الصناعة المصرفية الإسلامية في عام 2015 مبلغ 2 ترليون دولار وفقا لتقديرات شركة "أرنست آند يونغ" وتقرير البنك الدولي الصادر في أكتوبر 2015 ، وهو ما يمثل 1,5% من إجمالي الأصول العالمية، كما سجلت معدلات نمو تتراوح بين 15 و20% سنويا.

وعلى مدى الست سنوات الماضية، عرف قطاع الصكوك نموا كبيرا، لتبلغ قيمة عملياته في 2014 أكثر من 300 مليار دولار.

وأضاف تقرير البنك الدولي أن قيمة الأصول التي تديرها صناديق إسلامية ارتفع من 40 مليار دولار إلى حوالي 60 مليار دولار ما بين سنوات 2009 و2014. كما عرفت أقساط التأمين التكافلي نموا هائلا من 8 مليارات دولار بنهاية عام 2011 إلى أكثر من 14 مليار دولار في 2014، ومن المتوقع أن تبلغ 20,5 مليار دولار بنهاية عام 2016، أي بمعدل نمو يناهز 154% خلال خمس سنوات.

وأشار البنك إلى أن التمويل الإسلامي والخدمات المصرفية الإسلامية يعتمدان مبدأين أساسيين هما وجوب مراعاة عنصر تقاسم المخاطر في جميع المعاملات، ووجود غطاء يمثل أصولا حقيقية لجميع المعاملات.

2. رهانات المالية الإسلامية في المغرب 

يعتبر قطاع المالية الإسلامية قطاعا واعدا في المغرب، بالنظر إلى وجود شريحة مهمة من المواطنين تُفضل عدم التعامل مع البنوك التقليدية لاعتبارات عقائدِيَّة. فوفقا لدراسة سابقة أجرتها "وكالة تومسون رويترز" حول التمويل الإسلامي بالمغرب، بالتعاون مع المعهد الإسلامي للبحوث والتدريب التابع للبنك الإسلامي للتنمية، والمجلس العام للبنوك والمؤسسات المالية الإسلامية، فقد أعرب 98% من المغاربة عن اهتمامهم بالمنتجات المصرفية الإسلامية، 84% منهم عبروا عن أملهم في أن تكون هذه المنتجات أقل تكلفة من تلك التي تقدمها البنوك التقليدية.

ورجح تقرير رويترز أن تبلغ قيمة الأصول الإسلامية في المغرب نحو 8,6 مليار دولار بحلول عام 2018، أي ما يعادل 9% من مجموع الادخار الوطني.

ومنذ أن شرعت الحكومة في إعداد وإصدار القوانين المنظمة لقطاع التمويل الإسلامي، بادرت مجموعة من البنوك الإسلامية بتقديم طلباتها لولوج السوق المغربية، بدورها سعت البنوك المحلية إلى الحصول على نصيبها من قطاع المصارف الإسلامية، وذلك من خلال فتح نوافذ إسلامية.

وقد بدى واضحا منذ البداية توجه الدولة إلى عدم الانفتاح الكامل على المؤسسات المالية الأجنبية، وذلك حفاظا على مصالح البنوك المغربية حتى لا تفقد شريحة واسعة من عملائها،وإنشاء نوع من التوازن بين المصارف المحلية والأجنبية العاملة في الصيرفة الإسلامية، وهذا ما يفسر الشراكات بين البنوك المغربية وبنوك أجنبية متخصصة في هذا المجال؛ حيث دخلت أربعة بنوك مغربية في اتفاقات شراكة مع بنوك أجنبية، كان أولها القرض العقاري والسياحي المغربي الذي وقع اتفاقية شراكة مع بنك قطر الدولي، والبنك المغربي للتجارة الخارجية الذي أعلن عن تحالفه مع مجموعة البركة البحرينية، التجاري وفا بنك من جانبه توصل إلى بروتوكول تفاهم مع البنك الإسلامي للتنمية، بينما دخل البنك الشعبي في شراكة مع مجموعة فاينانشال غايدانس الأميركية للاستثمار العقاري.

وتعتبر هذه الشراكات مع البنوك الخليجية بالخصوص وسيلة لاستقطاب رؤوس أموال مهمة للاقتصاد المغربي. وبالنظر للعلاقات المتميزة التي تربط المغرب مع دول الخليج، فإن هذه الأخيرة تعتبر المغرب وجهة مهمة لاستثمار فوائضها المالية، كما يمكن للمغرب الاستفادة من خبرة هذه الدول في مجال الصيرفة الإسلامية.

ويراهن المغرب، من جهته على الدور التنموي الذي ينتظر أن تلعبه البنوك التشاركية، من خلال تمويل المشاريع وتشجيع الاستثمار. ويؤكد الدكتور عمر الكتاني في هذا السياق على أنه رغم التشابه بين البنوك التقليدية والمصارف الإسلامية، من الناحية التقنية وفي الممارسة التجارية، إلا أن البنوك الإسلامية تتميز بكونها لا تستغل ودائع المجتمع بحثا عن مصلحتها، وإنما الأصل فيها أن تكون معاملاتها ذات طابع استثماري واجتماعي، بحيث أنها تلعب دورا تنمويا في المجتمع من خلال الاستثمار.

وبالإضافة إلى تنمية الاقتصاد الوطني، ينتظر من هذه التمويلات أن تساهم في تقديم حلول لبعض المشاكل التي تعاني منها العديد من الأسر المغربية، وعلى رأسها مشكل السكن، وذلك من خلال قروض المرابحة العقارية، مع ما يترتب عن ذلك من انعكاسات إيجابية على المستوى الاجتماعي.

ويرى العديد من الخبراء أن المغرب يتوفر على فرص كبيرة تمكنه من بناء مركز مالي إسلامي دولي على غرار المركز الدولي في البحرين وكوالالمبور، وذلك بحكم البعد الجيو استراتيجي للمغرب سواء على الصعيد الإقليمي أو القاري وكذا الحضور الوازن للمغرب في إفريقيا.

3. أهم التحديات أمام المالية الإسلامية في المغرب:

لعل فشل التجربة السابقة ل"المنتجات البديلة" ترك صورة وانطباعا سيئا لدى المستهلك المغربي عن المنتجات المالية الإسلامية وعن البنوك الإسلامية بصفة عامة. فبالإضافة إلى تكلفتها المرتفعة بالمقارنة مع نظيرتها التقليدية، أصبح يُنظر إلى البنوك الإسلامية كبنوك ربحية تجارية بالدرجة الأولى، تعتمد في معاملاتها على منتج واحد هو منتج المرابحة على حساب المنتجات التمويلية الأخرى كالمشاركة والمضاربة.

وبناء عليه، فالتحدي الأول الذي يواجه البنوك التشاركية في المغرب هو التعريف بوظائف وطبيعة عمليات هذه البنوك،وإعادة الثقة في المنتجات المالية الإسلامية وذلك بتصحيح الصورة السيئة لدى المستهلك عن هذه المنتجات، ولن يتم ذلك إلا من خلال سياسة تواصلية ناجعة، تُستعمل فيها جميع قنوات التواصل، وتراعى فيها فعالية ومصداقية الرسائل والمضامين الإشهارية، ويشار فيها إلى آراء المؤسسات والهيئات العلمية المختصة.

التحدي الثاني أمام البنوك التشاركية مرتبط بتكلفة المنتجات المُقدمة، فمن بين الأسباب الأساسية لفشل التجربة السابقة هو ارتفاع تكلفة المنتجات البديلة بالمقارنة مع نظيرتها التقليدية، وذلك رغم المراجعة الضريبية لقروض المرابحة.

كذلك، يُنتظر من هذه التجربة أن تتميز عن سابقتها بانفتاحها على مختلف الصيغ التمويلية التشاركية، والتي من شأنها تمويل المشاريع الاستثمارية وتقديم حلول مالية لفائدة المقاولات الصغرى والمتوسطة التي تعاني من مشكل التمويل.

 وفي هذا الصدد أبدى بعض الخبراء تخوفهم من تبني نموذج البنوك الإسلامية التجارية، في إشارة إلى نموذج البنوك الإسلامية في منطقة الخليج، باعتبار أن المغرب  يتوفر على قطاعات مهمة كالفلاحة والصناعة والخدمات تحتاج إلى استثمارات مهمة من أجل تطويرها، داعين إلى الاستفادة من تجربة دول مثل السودان وماليزيا في هذا المجال.

تحديات أخرى تُفرض أمام البنوك التشاركية في المغرب، أهمها قدرتها على تحمل التنافسية أمام البنوك التقليدية، ما يفرض على هذه البنوك، بالإضافة إلى الأخذ بعين الاعتبار مشكل التكلفة، مراعاة جانب الجودة في تقديم الخدمات الأمر الذي يضع المغرب أمام تحدي آخر وهو إعداد الأطر والكوادرالبشرية المؤهلة.

خاتمة:

رغم تأخر انطلاق تجربة المالية الإسلامية في المغرب، إلا أن الخطوة تعتبر مهمة، ويمكن اعتبارها بداية لإرساء دعائم الصناعة المالية الإسلامية بالمغرب، وسيكون لها، حتما، انعكاسات إيجابية على الاقتصاد الوطني. كما يمكن للمغرب أن يستفيد من هذا التأخر ليضع الأسس المتينة لهذه الصناعة، ويتبنى من بين التجارب الموجودة أفضلها وأنسبها للسياق المغربي.

نشير، في الختام، إلى أن المغرب لا يعتبر الوحيد في المنطقة الذي انتبه إلى أهمية الاستثمار في قطاع المالية الإسلامية، حيث تنكب عدة دول في المنطقة خاصة تونس والجزائر، على الانخراط في هذه التجربة  من خلال تحيين منظومتها التشريعية والقانونية في أفق اعتماد المصارف الإسلامية ضمن منظومتها المالية. مما يستوجب الإسراع في وتيرة العمل من أجل رفع التحديات التي أشرنا إليها وتذليل العقبات أمام هذه الصناعة الوليدة في المغرب، حتى لا يضيع هذا الأخير فرصته في تحقيق الريادة على المستوى الإقليمي والقاري.