قانون المالية لسنة 2015 تكريس التراجعات أم بداية تصميم نموذج تنموي جديد

يؤكد مهندسو قانون المالية لسنة 2015 في أكثر من مناسبة على أنهم يستندون في إعداده على التوجيهات الواردة في الخطب الملكية ويرومون تطبيق التعليمات الملكية  ...

يؤكد مهندسو قانون المالية لسنة 2015 في أكثر من مناسبة[1] على أنهم يستندون في إعداده على التوجيهات الواردة في الخطب الملكية ويرومون تطبيق التعليمات الملكية.

وتتلخص التوجهات الكبرى لقانون المالية لسنة 2015 في:

  • تحقيق إقلاع اقتصادي وتحسين التنافسية ودعم الاستثمار
  • تسريع تنزيل الدستور والإصلاحات الهيكلية وتفعيل الجهوية
  • تعزيز التماسك الاجتماعي وإنعاش التشغيل
  • استعادة التوازنات الماكرواقتصادية.

ونتساءل، بعد الغوص في مضامين القانون ومستجداته، عن إمكانية تحقيق الأهداف المذكورة. ومن ثم الانتقال من اقتصاد متخلف وعاجز عن تحقيق أهداف التنمية الاقتصادية والاجتماعية الشاملة إلى اقتصاد صاعد.

  1. الفرضيات

إغراقا في التفاؤل وتناغما مع النظرة المالية القاصرة، انبنى قانون المالية لسنة 2015 على الفرضيات التالية:

  • معدا النمو: 4,4٪
  • عجز الميزانية: 4,3٪
  • سعر الدولار: 8,6 دولار للدرهم
  • سعر البترول: 103 دولار للبرميل

وإذا أردنا مساءلة هذه الفرضيات، وخصوصا تلك المتعلقة بمعدل النمو، والوقوف عن مدى واقعيتها، وجب الحديث عن "نموذج التنمية" بالمغرب ومحدوديته.

إن توقع 4,4٪ معدلا للنمو فيه كثير من التفاؤل وهو هش، لأنه انبنى على الأداء المسجل أساسا في قطاعي المهن العالمية وخصوصا قطاع السيارات الذي سجل معدل نمو 31,3٪ نهاية الفصل الثالث من سنة 2014، وقطاع الفلاحة.

قطاع السيارات بالمغرب، الذي راهنت عليه الدولة بإغراء المستثمرين به بكثير من التحفيزات لتشجيع صادراته، يعتمد أساسا على مشغل واحد فرنسي، وهذا من شأنه أن يحد من فعالية هذا القطاع على المدى البعيد، بالنظر إلى جهة المصالح الكبرى ومحدودية قدرة الاقتصاد الوطني على جذب الاستثمار الأجنبي.

كما يندرج قطاع الفلاحة في نفس السياق. فهو قطاع متقلب ومرتبط بالتساقطات المطرية. كما أن حكاية "المغرب بلد فلاحي" يوهنها ضعف مساهمة القطاع في الناتج المحلي الإجمالي التي لا تتجاوز 16٪.

ومن جهة أخرى، وإذا أردنا أن نوسع دائرة التحليل، نقول إن المغرب يجازف بالاستثمار في قطاعات ذات قيمة مضافة ضعيفة وتشغل قليلا من اليد العاملة. فحسب المعطيات المتوفرة والتي تخص الفترة 2000-2013، مثلت الاستثمارات (التكوين الخام للرأسمال الثابت) الموجهة لقطاع البناء والأشغال العمومية حوالي 51٪، فيما لم تتجاوز مساهمة هذا القطاع في الناتج المحلي الإجمالي 7٪. أما قطاع الصناعة، فقد استأثر بأكثر من 40٪ من الاستثمارات ولم يساهم إلا ﺒ 23٪ من الناتج المحلي الإجمالي، ولم ينمو في المتوسط إلا ﺒ 4,5٪ سنويا. وبخلاف ذلك، ساهم قطاع الخدمات ﺒ 55٪ في الناتج المحلي الإجمالي، ولم يستأثر إلا ﺒ 6٪ من الاستثمارات.

وهذا يعني أن القطاعات التي استأثرت بالنصيب الأوفر من الاستثمارات لم تساهم بالقدر نفسه في خلق الثروة. هذا يحيلنا حتما إلى الحديث عن المشاريع العمومية الكبرى التي تم إطلاقها في المغرب بداية القرن من قبيل "انبثاق" و"المغرب الأخضر" والسياحة وغيرها...

فالملاحظ أن هذه المشاريع التي تم إطلاقها بتوجيه من المانحين الدوليين، تفتقد الرؤية المندمجة ولا تنبني في معظمها على تشخيص دقيق للقطاعات الاقتصادية، وهذا ما يفسر مراجعة العديد منها كمخطط "انبثاق" والسياحة، التي لم تحقق الأهداف المتوخاة منها.

وتجدر الإشارة إلى أن معظم هذه المشاريع موجهة أساسا للطلب الخارجي؛ مما يستشف معه الإصرار على الانتقال من "نموذج النمو" المبني على الطلب الداخلي المدعوم أساسا من الأسر والمقاولات إلى "نموذج" آخر مبني على الطلب الخارجي. وهذا يطرحا تحديا آخر على المغرب، حول إمكانية توفره على شروط نجاح هذا "النموذج".

أما الفرضية المتعلقة بحصر عجز الميزانية في حدود 4,3٪ سنة 2015 و3,5٪ سنة 2017، فهي قابلة للتحقيق، لكن بكلفة اقتصادية واجتماعية كبرى، بالنظر إلى المقاربة المالية القاصرة التي حكمت إعداد مشروع قانون المالية لسنة 2015 وقانون المالية لسنة 2014 وذلك من جراء النتائج الكارثية للمؤشرات الماكرواقتصادية للسنة المالية 2012.

وقد عرف عجز الميزانية تحسنا سنة 2013، ويمكن أن يعزى هذا التحكم النسبي في العجز إلى:

  • وقف تنفيذ بعض نفقات الاستثمار (حوالي 25 مليار درهم). هذا التراجع للدولة عن التزاماتها سينعكس سلبا على التشغيل ووضعية المقاولات؛
  • ضبط كتلة الأجور: حيث لن تمثل إلا 10,80٪ من الناتج المحلي الإجمالي سنة 2015 مقابل 10,89٪ سنة 2014؛
  • الرفع التدريجي لدعم الدولة للمواد البترولية السائلة، والذي لم توازيه إجراءات جدية لإصلاح حقيقي لنظام الدعم بالمغرب، يأخذ بعين الاعتبار القدرة الشرائية لفئات واسعة من المواطنين.

وإذا رجعنا إلى "النموذج التنموي" الموعود، فهمنا التوجه الجديد للدولة.

  1. بنية نفقات الدولة

 بلغ الحجم الإجمالي لتحملات الدولة سنة 2015 حوالي 383.118.179.000 درهم مسجلة بذلك ارتفاعا قدره 4,33٪ مقارنة مع سنة 2014. أما موارد الدولة فلم تتجاوز 347.723.471.000 درهم مسجلة هي الأخرى ارتفاعا قدره 3,74٪ مقارنة مع السنة الماضية. وقد نتج عن هذا فائضا في التحملات مقارنة مع الموارد قدر بحوالي 35.394.708.000 درهم، أي أن هذا العجز تفاقم بحوالي 10,53٪ مقارنة مع سنة 2014.

أما بالنسبة لبنية الميزانية العامة للدولة، فتتوزع نفقاتها على التسيير (61٪) والدين (22٪) والاستثمار (17٪)، أي أن حوالي 83٪ من الميزانية العامة للدولة يلتهمها التسيير والدين مقابل 17٪ فقط للاستثمار.

ففيما يخص نفقات التسيير، فقد انخفضت سنة 2015 بحوالي 2,3٪. ويعزى هذا الانخفاض إلى ضبط نفقات الموظفين بالتخفيض المفرط في برامج التشغيل بالوظيفة العمومية، حيث مثلت كتلة الأجور 10,80٪ من الناتج الداخلي الخام مقابل 10,89٪ سنة 2014؛ وإلى انخفاض التحملات المشتركة المتعلقة بالتسيير بنسبة 15,6٪ مقارنة مع سنة 2014 بفعل تخفيض نفقات المقاصة.

أما نفقات المعدات، فقد ارتفعت بحوالي 8,62٪ مقارنة مع سنة 2014. ولم تتوقف هذه النفقات عن الارتفاع، حيث انتقلت من 27 مليار درهم سنة 2011 إلى حوالي 34 مليار سنة 2015. وهذا يطرح تساؤلا مشروعا حول جدية خطاب الدولة في تغيير نمط عيش الإدارة المتسم بغياب الترشيد وسوء استعمال المال العام.

ومن جهة أخرى، بلغت نفقات الاستثمار المدرجة في الميزانية العامة للدولة حوالي 54 مليار درهم مقابل 49 مليار درهم سنة 2014، أي بزيادة قدرها 10٪. يضاف إلى هذه النفقات الاعتمادات المرحلة (17,5 مليار درهم) من ميزانية الاستثمار لسنة 2014، وهو ما يمثل حوالي 37٪ من الميزانية، أي أن الدولة لم تنفذ سنة 2014 إلا حوالي 63٪ من برامج الاستثمار وبهذا لم تحترم الآجال الضرورية لتنفيذ الصفقات العمومية، وهذا ينعكس وجوبا على الوضعية المالية للمقاولات والساكنة المستفيدة من هذه المشاريع. يضاف إلى هذه الاعتمادات، الاستثمارات المدرجة في إطار الحسابات الخصوصية للخزينة (15 مليار درهم) والجماعات الترابية (13 مليار درهم) والمؤسسات العمومية (114 مليار درهم).

وتبقى نجاعة الاستثمارات العمومية ومدى انعكاساتها الاجتماعية والاقتصادية محط تساؤل كبير في غياب أي مقاربة لتقييم المشاريع العمومية الكبرى التي تم إطلاقها بالمغرب.

أما الجزء الثالث للميزانية العامة للدولة فيتعلق بنفقات خدمة الدين، حيث بلغت 68 مليار درهم، مسجلة بذلك ارتفاعا قدره 18,73٪ مقارنة مع سنة 2014. ولم يتوقف هذا النزيف منذ سنوات، حيث انتقلت نفقات خدمة الدين من 37 مليار درهم سنة 2011 إلى 68 مليار سنة 2015.

أما جاري دين الخزينة، فقد بلغ نهاية 2014 حوالي 586 مليار درهم، أي ما يعادل 64٪ من الناتج الداخلي الخام، مسجلا بذلك ارتفاعا بحوالي 18,7٪ مقارنة مع سنة 2012. أما حجم الدين العمومي الإجمالي فقد قفز إلى 743 مليار درهم نهاية 2014، مقابل 678 مليار درهم سنة 2013.

وتجدر الإشارة إلى أن موضوع الدين غالبا ما يتم مقاربته بشكل قاصر، حيث لا نأخذ بعين الاعتبار إلا دين الخزينة الذي يمثل حوالي 64٪ من الناتج الداخلي الخام. أما إذا أضفنا إليه دين المؤسسات العمومية المضمون من طرف الدولة، ومتأخرات أداء الخزينة، ومتأخرات الضريبة على القيمة المضافة لصالح المقاولات في إطار المصدم، فإنه قد يمثل أكثر من 84٪ من الناتج الداخلي الخام. وهذا مؤشر في غاية الخطورة، حيث نخصص 84٪ من الدخل الوطني لتسديد الديون، دون الحديث عن مدى نجاعة هذه الديون وانعكاساتها الاقتصادية والاجتماعية التي تبقى محط تساؤل كبير.

  1. الإجراءات الجبائية

في إطار قانون المالية لسنة 2015، تم إدراج المقتضيات الجبائية التالية:

على مستوى الرسوم الجمركية، سيتم:

  • تخفيض مبلغ رسم الاستيراد المطبق على الشاي المعبأ من 40٪ إلى 32,5٪ والشاي غير المعبأ من 32,5٪ (الشاي الأخضر) و25٪ (الشاي الأسود) إلى 2,5٪؛
  • تخفيض مبلغ رسم الاستيراد المطبق على هريس الفواكه من 40٪ إلى 2,5٪.

على مستوى الضرائب والرسوم الأخرى، فسيتم:

  • خصم الأقساط أو الاشتراكات المتعلقة بعقود تأمين التقاعد في حدود 10٪ من الأجر عوض الخصم من مجموع الأجر؛
  • تطبيق سعر 10٪ على عمليات القرض المتعلقة بالسكن الاجتماعي، المعفاة حاليا؛
  •  الرفع من سعر الضريبة على القيمة المضافة إلى 20٪ على العجائن الغذائية (10٪ حاليا) والأرز المصنع (10٪ حاليا) والرسم المستحق على المرور في الطرق السيارة (10٪ حاليا) والشاي (14٪ حاليا).
  • رفع السعر المطبق على تفويت الحصص والأسهم في الشركات من 3 إلى 4٪.

وإذا كان مهندسو قانون المالية لسنة 2015 يبررون هذه الإجراءات بتطبيق توصيات المناظرة الوطنية حول الجبايات الرامية إلى إصلاح الضريبة على القيمة المضافة، فالملاحظ هو أن هذه المقتضيات المدرجة في القانون ستمس بالأساس القدرة الشرائية لفئات واسعة من المواطنين، أي أنها ستمس مكونا أساسا من مكونات الطلب الداخلي الذي يعتبر المصدر الرئيس للنمو بالمغرب. وبهذه الإجراءات، تكون الدولة، كما مر بنا، عاقدة العزم على إحداث تحول في "النموذج التنموي" الحالي المبني على الطلب الداخلي وتبني "نموذج" بديل مبني على الطلب الخارجي. أي أن يكون الاقتصاد الوطني موجها أساسا للتصدير، وأن تتحمل الفئات الاجتماعية الواسعة كلفة هذا التحول.

تنحو الدولة هذا المنحى، دون أن يملك مدبرو الشأن العام الشجاعة للاقتراب من دوائر الفساد والريع التي تكلف خزينة الدولة أثمانا باهظة وتفوت على الاقتصاد الوطني مواعد مع التاريخ للانتقال إلى مصاف الاقتصاديات الصاعدة. ومن مظاهر الريع على سبيل المثال لا الحصر، النفقات الجبائية، التي لم يسبق للدولة أن أخضعتها للتقييم للوقوف عما إذا كان لها انعكاسات اقتصادية واجتماعية إيجابية ثابتة، أم لا.

لقد بلغ حجم النفقات الجبائية برسم سنة 2014 أكثر من 34 مليار درهم، تمثل فيها الضريبة على القيمة المضافة 41٪ والضريبة على الشركات أكثر من 24٪. كما تمثل الإعفاءات الكلية حوالي 58٪ (20 مليار درهم)، والتخفيضات في الأسعار 26٪ (9 مليار درهم). وتمثل هذه النفقات 17٪ من مجموع الموارد الضريبية وحوالي 4٪ من الناتج الداخلي الخام.

أما بنية النفقات الجبائية من حيث المستفيدون الرئيسيون، فتحتل المقاولات المرتبة الأولى بحوالي 60٪ منها أساسا مقاولات الإنعاش العقاري (8,3٪) والتصدير (7,4٪). أما الأسر فلا تستفيد إلا من 28٪ من هذه النفقات.

ومن حيث التوزيع القطاعي، يمثل قطاع العقار المرتبة الأولى بحوالي 20٪ تليه قطاعات الفلاحة والصيد البحري، والتصدير بحوالي 10٪ و8٪ على التوالي.

  1. مالية سنة 2015 واستعادة التوازنات الماكرواقتصادية

 يندرج قانون المالية لسنة 2015 في نفس المنطق الذي حكم إعداد قوانين المالية لسنتي 2013 و2014. منطق مالي ضيق بدون أي رؤية تنموية شاملة. وكانت النتائج الكارثية المسجلة على مستوى المؤشرات الماكرواقتصادية برسم السنة المالية 2012، وضغوط المانحين الدوليين، المسوغ الأساس لهذا المنحى. ولهذا كان من توجهات قانون المالية لسنة 2015 استعادة التوازنات الماكرواقتصادية وعلى رأسها التحكم في عجز الميزانية في حدود 4,3٪ سنة 2015 و3,5٪ سنة 2017.

ولتحقيق هذا الهدف، اختار مدبرو الشأن العام، إلى جانب وقف تنفيذ جزء كبير من نفقات الاستثمار سنة 2013، معالجة مشكل المقاصة وصناديق التقاعد وكتلة الأجور بمقاربة مالية وتقنية صرفة خالية من أي مضمون تنموي.

ففيما يخص نفقات المقاصة المتعلقة بالمواد البترولية السائلة، انتقل حجمها من 28 مليار درهم سنة 2014 إلى حوالي 30 مليار درهم سنة 2015 مقابل 48,4 مليار درهم سنة 2012 و35,9 مليار درهم سنة 2013. وهذ يعني أن حجم هذه النفقات انخفض بأكثر من 42٪ بين سنتي 2012 و2014. أما الارتفاع الطفيف المسجل بين سنتي 2014 و2015 فيجد تفسيره في بنية هذه النفقات، حيث سيتم تخصيص 20,9 مليار درهم فقط لدعم الأسعار، منها 4,79 مليار درهم على شكل دعم مباشر للمكتب الوطني للكهرباء والماء الصالح للشرب بموجب عقد البرنامج الموقع بين المكتب والدولة، التي التزمت بدعم مالي إجمالي للمكتب قدره 22 مليار درهم خلال الفترة 2014-2017، ودون أن تكلف الدولة نفسها عناء التساؤل عن مصدر العجز المهول في مالية المكتب وطرق تدبير هذا القطاع الحيوي بالنسبة للمغرب. كما سيتم رصد 2 مليار درهم لإجراءات المواكبة (قطاع النقل)، في حين سيرصد مبلغ 7,49 مليار درهم لأداء متأخرات المقاصة.

وكان الهدف من هذه الإجراءات هو التحكم في نفقات المقاصة في حدود الاعتمادات المفتوحة في إطار قانون المالية، والتوجه نحو الحذف التدريجي للدعم بما في ذلك الغازوال والمواد الغذائية، وذلك لتحقيق الهدف الذهبي، وهو حصر عجز الميزانية في حدود 3,5٪ تنفيذا لتوصيات صندوق النقد الدولي.

 ومما يعضد فرضية المقاربة التقنية والمالية للموضوع، هو أن هذا التوجه لم توازيه إجراءات جدية لإصلاح حقيقي وشامل لنظام الدعم بالمغرب. إذ بغياب النظرة الشمولية الواضحة، لا يمكن أن ترقى هذه الإجراءات إلى عملية إصلاح.

أما على مستوى مناصب الشغل، فقد اقترح مشروع قانون المالية لسنة 2015 إحداث 22.460 منص شغل، سيشغل النصف ابتداء من يناير 2015، ويقلص النصف الآخر حسب عدد المناصب التي سيحتفظ بشاغليها عند دخول إصلاح أنظمة التقاعد حيز التنفيذ. وإذا أخذنا بعين الاعتبار عدد المناصب المحالة على التقاعد (14.000 منصب شغل)، سيظهر بجلاء محدودية دور الدولة في هذا الاتجاه.

أما موضوع عجز أنظمة التقاعد، وما يشكله من خطر على مستقبل وحقوق المؤمنين قد يهدد هبة الدولة ودورها القانوني والأخلاقي في الوفاء بالتزاماتها تجاه المؤمنين؛ فقد كان موضوع نقاش عمومي لم يفضي لحد الآن إلى توافق بين الأطراف. فانفرد مدبرو الشأن العام باقتراح إصلاح معياري مؤقت بمقاربة تقنية ومالية، يتحمل فيها المؤمنون أخطاء من دبروا أموال صناديق التقاعد.

وإذا أخذنا الصندوق المغربي للتقاعد، على سبيل المثال، وهو الصندوق الأول المهدد بالإفلاس، فهو يدبر نظامين للمعاشات، مدني وعسكري. فالنظام المدني يحقق فوائض مالية بشكل بنيوي، أما النظام العسكري فيحقق عجزا بنيويا. فمصدر العجز إذا هو نظام المعاشات العسكري. ومن جهة أخرى، يتم استثمار الاحتياطات التقنية للصندوق في سندات الخزينة ذات المردود الضعيف. في حين، كان بالإمكان استثمارها في مجالات أخرى كسوق الرساميل مثلا ذي المردودية العالية.

وبنا على ما سبق، وحيث أن الدولة مؤتمنة على مصالح المؤمنين، وحيث أن الصناديق المدبرة لأموال التقاعد هي مؤسسات عمومية، تبقى المسؤولية الأخلاقية والقانونية للدولة ثابتة. ولهذا ينبغي أن تحل مشكلة هذه الصناديق في إطار التوافق بين كافة الأطراف، مع ربط المسؤولية بالمحاسبة والذي يقتضي القطع مع ماضي الفساد في تدبير الشأن العام.

ختاما، يمكن اعتبار قانون المالية لسنة 2015 استمرارا في نفس المقاربة التي تغلب المنطق المالي والتقني رضوخا لتوصيات المانحين الدوليين وأملا في تغيير "نموذج التنمية" بالمغرب يربط الاقتصاد الوطني كليا بالطلب الخارجي، ولا يندرج في أية رؤية تنموية شاملة بعيدة المدى تجعل من الإنسان المنطلق والنتيجة.

 


[1]  وزارة الاقتصاد والمالية؛ مشروع قانون المالية لسنة 2015؛ مذكرة تقديم