قراءة في كتاب

الدكتور بحري صابر

بسم الله الرحم الرحيم والصلاة والسلام على رسول الله الكريم

السلام عليكم ورحمة الله تعالى وبركاته

بداية تحية مني لكافة الأساتذة المشاركين معي في هذه الجلسة العلمية التي بقدر ما نرجو أن نفيد نتمنى أكثر أن نستفيد من خلال تبادل التجارب والقراءات المتعددة. وفي هذا المقام أشكر الدكتور ميلود الرحالي الذي وجه لي شرف هذه الدعوة لقراءة الكتاب الذي أشرف على إعداده ونشره. وهو مشكور على هذه المساهمة العلمية، فقد عرفته باحثا ناشطا متميزا مبدعا في مجاله. وسعيد أن ألتقي به كما ألتقي بأساتذة من جامعات مغربية، وأرحب به وأتشرف بمعرفتهم في هذا الحقل العلمي.

إن الكتابة في العلوم الإنسانية والاجتماعية ليست بالأمر السهل الذي يتصوره الكثير، بل إنه أمر صعب للغاية، لأن الباحث حينما يكتب في أي حقل معرفي اجتماعي فهو في واقع الأمر يشتغل على ظاهرة اجتماعية ويصورها كما هي من الناحية العلمية، وهنا تكمن الصعوبة. لذا فأنا دائما أقول أن الباحث في مجال العلوم الإنسانية والاجتماعية هو في مكان لا يحسد عليه، لأنه سيؤسس لمعرفة قد تنطلق منها أبحاث ودراسات مستقبلية قادمة. لذا عليه التحري والتقصي جيدا، والبحث الدائم للوصول إلى الحقيقة العلمية كما هي عليه.

ولأن الكتابة في العلوم الإنسانية والاجتماعية تبقى نسبية في محطاتها، فإنها غالبا ما تواجه بالانتقادات والآراء والأفكار لتصويب ما يمكن تصويبه وتصحيح ما يمكن تصحيحه. ولأني أؤمن بأننا لا يمكن أن نتعلم ونستزيد من العلم والمعرفة بدون التعلم عن طريق الخطأ واكتساب التجارب والخبرات، فلا يولد الإنسان عالما أو باحثا، فنحن نموت ونحن نتعلم لأن التعلم لا يتوقف، والعلم والمعرفة تبقى ملاذ من يطلبها حتى يأتي الأجل.

في هذا المقام أقول بأنني سأكون ناقدا للكتاب، لأنه يعبر عن رؤية باحثين ويسجل مقاربات معرفية واقعية تخص المغرب، لكن سأحاول أن أقدم قراءتي المتواضعة حول ما قرأته من الكتاب، وتحديدا المحور الخاص بالمجال الاجتماعي كاملا. وقراءتي قد تكون صوابا كما قد تكون خطئا، لكنها في الواقع تعبر عن رؤيتي الخاصة من الناحية العلمية بعيدا عن الذاتية التي وجب تجريدها في هذا المقام. ويبقى هذا اجتهادي الذي آمل أن يكون قد أصاب ولو في جزئيات.

 

ستكون قراءتي إذن في كتاب "جائحة كورونا والمجتمع المغربي فعالية التدخلات وسؤال المآلات". مؤلف جماعي. من تنسيق د. ميلود الرحالي. منشورات المركز المغربي للأبحاث وتحليل السياسات. للمحور الثاني: المغرب الاجتماعي كفاية التدخلات وسد الاحتياجات. وفق الخطة التالية:

1. وصف عام للمحور؛

2. أهمية الكتاب؛

3. عرض مضامين الكتاب وقراءة نقدية للمحتوى؛

4. المشكلات البحثية المتناولة؛

5. الإشكاليات الفكرية المطروحة؛

6. من حيث اللغة والأسلوب؛

7. من حيث النتائج المتوصل إليها؛

8. من حيث الإضافة العلمية؛

9. المجالات الجديدة المقترحة؛

10. من حيث تنظيم الكتاب؛

11. من حيث المصادر والمراجع.

1. وصف عام للمحور: من خلال الملاحظة العامة لما تم تناوله من مقالات وتدخلات من عدة باحثين نلاحظ أن جلها قد تمحورت على محاور أساسية تناولت الجوانب التالية:

- الوضع الصحي؛

- الوضع الاجتماعي؛

- الوضع التعليمي؛

- الوضع الديني.

ولعل تنوع المجالات التي تم فيها التناول تؤكد أهمية الكتاب في حد ذاته، خاصة وأنه يعالج مواضيع تمت معالجتها لأول مرة في ظل جائحة كورونا، أي أن على المختصين والباحثين خاصة في مجال العلوم الإنسانية والاجتماعية التدخل لضبط المفاهيم والتصورات الاجتماعية بطرح القضايا الاجتماعية والتغيرات التي طرأت على المجتمعات اليوم على عدة مستويات. فالإنسان في واقع الأمر هو كائن اجتماعي بطبعه تحكمه علاقات وتربطه تفاعلات مع غيره، وأزمة كورونا جعلت من التباعد الاجتماعي سلاحه الوحيد للتغلب على هذا الفيروس. ووسط التخوفات والتوجسات من هذا الفيروس نلاحظ تلك التغيرات التي طرأت علينا كأفراد وكجماعات، والتي لم نحبذها لأننا مرغمين عليها، لذا فأنا أعتقد أن أي تناول اجتماعي لتلك التأثيرات السيكو اجتماعية لجائحة كرونا اليوم جد مهم لفهم الإنسان بالدرجة الأولى. فلقد كنا دائما ندرس الإنسان في حالته العادية الطبيعية وآن الأوان اليوم أن ندرس الإنسان في ظل الأزمات التي يمر بها. وهنا ربما آن الأوان لنا كي نعرف تلك القدرات التي يمكن للأفراد والجماعات أن تملكها للحفاظ على التباعد الاجتماعي والالتزام بالحجر الصحي. ولعل المحور الاجتماعي في هذا الكتاب يدخل ضمن هذا الإطار لتقديم رؤية خاصة من قبل الباحثين في المغرب لهذه الجائحة من الناحية الاجتماعية.

2.أهمية الكتاب:

- مسايرة المستجدات العلمية خاصة وأنه يتناول الظاهرة التي شغلت الرأي العام العالمي والمحلي على السواء.

- تأكيد أهمية العلوم الإنسانية والاجتماعية في فهم السلوكيات الفردية والجماعية في ظل هذا الفيروس، إذ من غير المعقول تحييد هذه العلوم أو رفض تدخلها لأنها مكمن الفهم الذي من شأنه التخفيف من حدة بعض السلوكيات إذا تم فهمها في إطارها العام الاجتماعي بالنظر لخصوصية كل مجتمع.

3.عرض مضامين الكتاب وقراءة نقدية للمحتوى:

ملاحظات في تسطيح المنحى وتدبير الوضع الصحي في المغرب للكاتب: ميلود الرحالي

لماذا سار المغرب كغيره من البلدان الكثيرة في منحى تسطيح المنحى-محاصرة الوباء ومنع انتشاره- في معالجة حائجة كورونا؟

بين الباحث الخطأ التقديري في التعامل مع أزمة كورنا من الناحية الصحية، خاصة من حيث طريقة وإجراءات التعامل الأولى. وهو خطأ وقعت فيه جل الدول الذي يمكن أن نقول أنها استهانت بحجم الفيروس ومدى خطورته، وأرسلت رسالات تطمين اجتماعية للمجتمع ككل حفاظا على الاستقرار الاجتماعي وتجنبا لأي مشكلات خطيرة يمكن حدوثها.

لم يخرج الباحث في تناوله صراحة عن المألوف، لكنه في واقع الأمر أسس لتاريخ الفيروس وكيف تم التعامل معه، وأقصد أنه لم يخرج عن المألوف أنه سجل ما قام به المغرب من إجراءات، وهي لم تختلف بتاتا عن الإجراءات العالمية. فحتى تلك الدول التي كانت تدعي أنها متقدمة وتملك نظاما صحيا عالميا وفق التصورات المرسلة لنا وضحت الفشل في التحكم في الفيروس، وهو ما جعل الأنظمة الصحية العالمية لا تختلف في هشاشتها من حيث التعامل بالنظر للحجم المتزايد من المصابين وعدم الاستطاعة في التحكم في الفيروس.

أبان الباحث عن الخطأ الذي وقع فيه المغرب، وهو الخطأ أيضا الذي وقعت فيه الجزائر في مسألة غلق الحدود والموانئ والمطارات، وهو ما جعل المجتمعات تدفع ثمن عدم الاحتراز وغياب الإستراتجية الواضحة الاستشرافية المستقبلية. كما وضح الباحث هشاشة النظام الصحي المغربي خاصة من حيث عملية التشخيص، وهو نفس الحال لدينا في الجزائر. ففي ظل غياب أدوات التشخيص وقلة المختبرات ما جعل منحنى الحالات لا يؤكد في الكثير من الأحيان الحالات الحقيقية، وهو ما زاد من خوف المجتمعات.

وضع الباحث الإجراءات التي تم التعامل بها، والتي رأى أنها غير كافية وهو واقع لا يمكن لأحد أن ينكره. فهشاشة الأنظمة الصحية دليل على ذلك، كما أن غياب الإستراتجية البحثية الفعالة أجهز على عملية التعامل، لأننا ندرك أننا لو كنا نملك مخابر بحثية دقيقة سواء كانت تابعة لوزارة التعليم العالي أو وزارة الصحة للعبت الدور المنوط بها في فهم الفيروس. فحينما كانت مختلف المختبرات العالمية تبحث عن حل للفيروس وعلاج أو لقاح له، كانت للأسف مختلف الدول العربية تنتظر الخلاص من هناك، رغم أن هذه الدول تملك من الكوادر البشرية التي تؤهلها لقيادة العالم، وهو ما يستدعي إعادة النظر في السياسات المتبعة والإجراءات المتخذة للتطوير والرقي بالمجتمعات العربية.

 

أزمة كوفيد 19 والمجتمع: قراءة في بعض ملامح الثابت والمنبعث للكاتب إبراهيم بلوح:

تحدث الباحث عن القطاع غير المهيكل أو ما يسمى العاملين غير المصرح بهم أو الذين يقومون بأعمال يومية، خاصة في ظل غياب الإحصائيات الرسمية والمعلومات الأكيدة، فلو لاحظنا تعامل الدول الأوروبية مع الحجر نجد أنه مر بسلاسة، لأنها تملك الإحصائيات مما جعل دعمها للمواطنين واضح ويصل لمستحقيه. لكن في المغرب كما هو الحال في الجزائر عدم امتلاك تلك الإحصائيات جعل التعامل سطحي ولا يلامس الواقع. وهو ما جعل الحجر المنزلي يؤثر اجتماعيا على العائلات والأسر التي لا تستفيد من أي دعم من الدولة، وطرح الباحث لهذا الوضع يؤكد صراحة إلمامه ومعايشته للواقع الاجتماعي.

ما شد انتباهي في هذا المقال واقعية الحديث بدون أي اصطناع للعبارات والجمل، فأنا صراحة أحب الكتابات الواقعية التي تلامس الواقع، والباحث لا بد أن يكون موضوعيا وواقعيا في طرحه، فكلما كان الباحث واقعيا في كلامه كلما شد القارئ لقراءة كتاباته خاصة وأنها تتناول قضية الساعة.

عرض الكاتب السلبيات بكل واقعية، كما أدرج الإيجابيات والتي تعلقت بمسألة التضامن الاجتماعي فيما بين المجتمع، ومسألة الاعتراف الاجتماعي بأهمية الكثير من الشرائح الاجتماعية كالأطباء والممرضين. وهنا وأنا أقرأ الفقرة التي تحدث فيها الكاتب عن تلك المسائل طرحت سؤال عميقا وأساسيا في واقع الأمر، وهل تختلف الجزائر عن المغرب في ذلك؟ والأكيد لا، فالحال نفسها وكأن الكاتب يتحدث عن الجزائر وليس المغرب وهو ما يوضح تقارب السياسات في هذا الشأن.

طرح الكاتب أيضا مسألة جوهرية رغم أنه لم يجب عليها ليبقى الأمل قائما وفقط. وكم تمنيت لو أبرز رؤيته بهذا الخصوص في حديثة عن علاقة المجتمع بالدولة والحديث عن المصالحة أو التصالح بين السلطة والمجتمع، ورغم أنني لن أخوض في هذه المسألة كثيرا إلا أن ذلك وضح لي صراحة امتلاك الباحث لقدرة الانتقاد البناء والواعي والمسؤول بدرجة عالية.

دائما من خلال قراءتي لهذا المقال يشد انتباهي حديثين، فالباحث بقدر ما يتحدث عن ما هو سلبي، فهو يتحدث بالمقابل عن ما هو إيجابي، وصراحة قلة من الباحثين الذين يتحكمون في ذاتيتهم وهم ينظرون لمسائل علمية، لكن الباحث تخلى عن ذاته فهو لا يصدر حكم إلا بدليل واقع ومقنع ويبرهن عليه سواء كان سلبيا أو إيجابيا.

تدخلات الدولة زمن الجائحة بين الرعاية الاجتماعية وتهدئة الأوضاع المشحونة

مصطفى السلماوي

في واقع الأمر تكلم الكاتب كثيرا عن أرقام وإحصائيات من منظور اقتصادي، وحاول ربطها بمجال الرعاية الاجتماعية، وفي ظل الأرقام يمكن الحكم على مدى نجاعة هذه السياسة أو لا، والتي أكد صاحبها أنها لم تؤدي أي نتائج قبل الأزمة وهو نفس الأمر في ظل كورونا. وتناول أيضا مشكلة جد هامة تتعلق أولا بغياب إحصائيات الأسر الفقيرة، وهو واقع لا يمكن إنكاره في ظل غياب أي إستراتجية للإحصاء، وكذلك عدم كفاية الدعم المقدم الذي كان مقتصرا على بعض الفئات والأسر دون غيرها، وهو ما يطرح عدالة التوزيع فيما يخص الرعاية الاجتماعية. وتمنيت أن يتناوله الباحث بإسهاب لأنه جوهر ولب الرعاية في ظل الفوارق الاجتماعية.

جائحة كورونا والنساء معاناة متعددة: صباح العمراني،

ما شد انتباهي في هذا المقال، رغم أهمية المقاربة التي تم بها تناول النساء، هو أن ثمة أحكام في ظل غياب الإحصائيات الرسمية، فالقول أن هناك زيادة للعنف الممارس من طرف الرجل على المرأة، لا يمكن تأكيده لعدة عوامل تتعلق بالإحصائيات وتتعلق بطبيعة المجتمع في حد ذاته. فقد صورت الباحثة المرأة وكأنها الضحية الوحيدة في ظل جائحة كورنا، رغم أنه يمكن القول أن الأسرة بأكملها خاصة الأطفال هم الضحايا الأكبر في هذا المجال دون غيرهم. فأنا لا أحبذ صراحة في الدراسات التي تخص المرأة أن نرسم لها دائما تلك الصورة النمطية بأنها ضحية المجتمع أو ضحية الرجل. فالمرأة اليوم تلعب دورا محوريا كغيرها في المجتمع  على الرغم من الأنثربولوجيا الاجتماعية التي تحدد في بعض المجتمعات المسار الذي ينبغي للمرأة أن تسكله بالنظر لخصوصيات تتعلق بالدين والجنس والعادات والتقاليد.

وضحت الكاتبة مختلف الآثار الاجتماعية لجائحة كورنا على المرأة. وأنا أراها من منطلقي الخاص أنها نفسها على الرجل، فلا فرق بين الرجل والمرأة في هذا، إنما الفرق يكون ربما لدى المرأة التي تمول أسرة بكاملها لأنها تعد المورد الوحيد لدخلها وهذا ما يؤثر أكثر عليه دون غيره، وهو نفسه لدى الرجل إذا كان المعيل الوحيد لعائلته. كما تطرقت الكاتبة أيضا إلى موضوع جد هام للغاية والذي يتعلق بصراع الأدوار لدى المرأة في ظل هذه الجائحة لتعدد وتزايد المسؤوليات لديها، وفي هذا المقام تختلف حدة هذا الصراع حسب كل أسرة ومسؤولياتها وطبيعتها. وأرى أنه من الصعب جدا تناول ظاهرة اجتماعية مسكوت عنها وهي العنف الممارس على المرأة، والذي يبقى حل هذا المحظور المسكوت عنه عن طريق التوعية والردع القانوني والاجتماعي حفاظا على بيئة أسرية آمنة للأطفال.

التعليم عن بعد  بالمغرب في زمن كورونا، حقائق الواقع وآمال المستقبل

مصطفى شكري:

الإشكالية التي طرحها الباحث والتي تناولها بخصوص التعليم عن بعد في سياقه الوطني والدولي بين التنمية الوطنية والفجوة الرقمية العالمية هي صراحة من أهم التحديات التي تقع على التعليم اليوم. وهي أحد الإشكاليات التي وجب إيجاد الآليات والإجراءات الكفيلة بحلها. لذا فإن هذه الرؤية البحثية هي مساهمة فعالة في هذا المجال لأنها تطرح قضية جوهرية وجب إيلاؤها المزيد من البحوث والدراسات وفق مقاربات معرفية وتخصصات مختلفة ليكون التناول الشامل لهذا الإشكال المطروح اليوم.

وفق الكاتب لحد ما في تبيان متطلبات التعليم عن بعد، فهو ليس أمر شكلي يتعلق بامتلاك التكنولوجيا فحسب بل إنه أبعد من ذلك، ولعل أزمة كورونا وضحت معالم المنظومة التعليمة ككل وبينت عن واقعها. لقد حاول الباحث الإجابة عن تساؤل جد مهم وهو معالم المرحلة القادمة في ظل التحديات التي تواجه التعليم اليوم وغدا. وأنا هنا أرى أن التعليم الذي يكون فاشلا قبل كورونا لن يكون ناجحا في ظلها، لكن يمكن أن نؤسس لتعليم وفق منظومة محلية تدرس حاجات المجتمع وطبيعة الفرد فيه، وتبنى المناهج والدروس والمواضيع عليه، فلا يمكن أن ننجح في أي تعليم إذا لم نقم بتوطين العلوم.

التعليم عن بعد ومبدأ تكافؤ الفرص زكرياء فليس

إن الأساس الذي انطلق منه الكاتب هو غياب تكافؤ الفرص بالنظر للفوارق الاجتماعية. فقد طرح هذا المبدأ في ظل التعليم عن بعد، وسجل العديد من العوامل التي تحول دون تطبيق هذا المبدأ والتي تتعلق بالأستاذ أو التلميذ أو البيئة ككل. لا يمكن الحديث عن التعليم عن بعد في ظل ما توفره السياسات والإجراءات المطبقة. ذلك أن التعليم عن بعد له أسسه وإمكانياته. وهو ما بينه الباحث وهو مشكور على ذلك خاصة حين تحدث عن التعليم عن بعد في الجامعات، وبين الواقع الذي تعيشه الجامعات في ظل غياب عنصر الرقمنة، وهو نفس الأمر في التعليم الابتدائي. وتمنيت لو ناقش الكاتب مبدأ تكافؤ الفرص بشيء من التفصيل، لأنه كان قادر على ذلك لتوضيح الفكرة أكثر، والتي يمكن أن تكون منطلقا لإصلاح ما يمكن إصلاحه في المستقبل.

المؤسسة الدينية المغربية وأزمة كورونا عبد الرحمن الشعيري منظور

لقد بين الكاتب تلك الصعوبة التي كانت في بداية انتشار الفيروس حين تحول لوباء عالمي، إذ أن غلق المساجد وتعطيل الجمعة ليس بالأمر السهل على الدولة، مما جعلها تتجه للفتوى الدينية كي لا تكون محل مساءلة أو محل مجادلة، خاصة في ظل غلق المساجد وتعطيل الجمعات في أغلبية المساجد في كل الدول الإسلامية. كما سجل الكاتب قلة النشاط الديني في تلك الفترات وتارة الغياب الغير مبرر لعدة عوامل أبرزها بشيء من التفصيل، خاصة وأن الهيئات العلمية الدينية كان عليها أن تلعب دورها في مثل هذه الظروف وفق ما تنص عليه الشريعة الإسلامية. وعلى الرغم من محاولة الكاتب فهم تعامل المؤسسة الدينية المغربية الذي لم يخرج عن الإطار العام للدولة، فإن التناول لم يأتي بشيء مفصل لذلك، وهو ما حبذته خاصة وأن المؤسسات الدينية لها الأهمية في المجتمع المغربي.

التفاوتات الاجتماعية والمجالية زمن الجائحة: إنكشاف كامل وتعميق صارخ امحمد اربوح

لقد ربط الكاتب بين جائحة كورونا والتفاوتات الاجتماعية وغياب العدالة المجالية التي كانت قائمة أساسا من قبل، لكن الأزمة بينت الصورة بوضوح في ظل الحجر المنزلي الذي سجلت عبره التفاوتات الاجتماعية خاصة المعيشية منها في هذا المجال على الرغم من السياسات المتبعة سابقا في محاولة لتقريب الهوة خاصة من حيث المجال.

لقد أخرجت جائحة كورنا كما قال الكاتب التفاوتات الاجتماعية والمجالية إلى الضوء، لأنه أمر واقع ينبغي معالجته حفاظا على الاستقرار الاجتماعي خاصة في ظل الأزمة بسبب فقدان الأسر لمصادر الدخل أو غياب الحماية الاجتماعية وهو ليس حال المغرب بل حال الكثير من البلدان. ولعل ما شد انتباهي في هذا المقال هو التناول المستقبلي لما سيحدث بسبب التفاوتات الاجتماعية، وهو ما يسترعي الانتباه واليقظة والحذر من قبل الدولة في ظل زيادة الفوارق الاجتماعية والمجالية.

 

 

الحماية الاجتماعية بالمغرب وأزمة كورونا الحسين الحنين:

تناول الكاتب واقع الحماية الاجتماعية في ظل جائحة كورنا. فالدول الأوروبية والتي تملك حماية اجتماعية كان من الصعب عليها التعامل مع الأزمة، فما بالك بالدول التي لا تملك حماية اجتماعية، وهو واقع أكده الباحث في النموذج المغربي. فقد عرى الوباء الواقع على العديد من السياسات والتي من بينها الحماية الاجتماعية، خاصة حينما نتناول القطاع غير مهيكل. وبالمقابل من ذلك بذلت الدولة العديد من الإجراءات لتخفيف حدة الوباء على الأسر، لكنها تبقى غير كافية بالنظر لأنها لم تمس الجميع أو فئات دون غيرها.

4. المشكلات البحثية المتناولة:

طرح المؤلف العديد من المشكلات البحثية وهي في واقع الأمر مشكلات واقعية نعايشها جميعا خاصة في طريقة التعامل مع الأزمة التي يمر بها العالم وتتمثل فيما يلي:

- مشكلة النظام الصحي المغربي، وهي ليست مشكلة المغرب وحده بل هي مشكلة جميع دول العالم بما فيها المتطورة، فكل الدول نجد أن اهتمامها بالرعاية الصحية قليل مقارنة باهتماماتها الأخرى كالجيش والداخلية والخارجية؛

- مشكلة الرعاية الاجتماعية التي تبقى شكلية في ظل غياب الإحصائيات الرسمية حول الأسر التي تحتاج الرعاية، فغياب نظام إحصائي صعب عملية الرعاية الاجتماعية لمستحقيها؛

- تأثير التفاوتات الاجتماعية والفوارق الاجتماعية على الأسر وكيفية تعاملها مع الأزمة؛

- طرح استغلال الطبقة السياسية للأزمة لتمرير القوانين وطرح المشاريع؛

- مسألة واقع البحث العلمي، فالأزمة صراحة بينت أن على كل دولة أن تعتمد على نفسها ولا تنتظر الخلاص من غيرها، وهو ما نرجو أن يترجم في سياسات الدول العربية مستقبلا؛

- الرعاية الاجتماعية في ظل جائحة كورنا؛

- التدين في ظل الجائحة؛

- إشكالية العنف في المجتمع المغربي؛

5.الإشكاليات الفكرية المطروحة:

- المساواة بين الجنسين؛

- علاقة المجتمع بالسلطة؛

- التفاوت الاجتماعي؛

- الفوارق الطبقية؛

- إشكالية الفقر؛

- واقع التعليم؛

- الفتاوى الدينية والسلطة.

6. من حيث اللغة والأسلوب:

ما أؤكده في هذا الإطار سواء من خلال قراءتي السابقة للعديد من المقالات التي يكتبها الباحثون المغاربة أو من خلال قراءة هذا الكتاب أو من خلال تعاملات مع العديد من الزملاء الباحثين في مختلف المجالات والتخصصات بالمغرب هو تمكن الباحث المغربي من اللغة والأسلوب العلمي الراقي، فالباحث المغربي لا يكتفي بالأسلوب البسيط العادي، بل إنه ينتقل للأسلوب العلمي الراقي، وهو أمر إيجابي يؤكد أن التعليم في المغرب يمكن أن يتقدم بخطوات ثابتة في ظل الشباب الجديد ما إن توافرت الإرادة اللازمة والإمكانيات الضرورية.

7.من حيث النتائج المتوصل إليها:

النتائج التي تم التوصل إليها في مختلف المقالات كانت نتائج واقعية لامست الواقع المعاش، وهو ما يؤكد أن الباحثين تناولوا بكل موضوعية ما هو كائن وصوروا المشكلات الاجتماعية التي برزت في ظل جائحة كورنا. وقد تلخصت النتائج في محاولة إبراز القصور في السياسات الاجتماعية المبذولة من قبل الدولة، وهو أمر عادي في المجال الصحي ذلك أن حتى الدول التي تدعي أنها متقدمة وجدت مشكلات في تزايد عدد الإصابات، فما بالك بالدول النامية؟ هذا من جهة، ومن جهة أخرى بينت أن القصور الاجتماعي واضح نتيجة غياب سياسات اجتماعية قبل الجائحة، فلا يمكن بين عشية وضحاها أن نؤسس للتحكم في الوضع الاجتماعي نتيجة أزمة معينة ونحن لم نتحكم فيها في ظل الظروف العادية الطبيعية، وهو ما أكده الكثير من الباحثين في هذا المجال.

8. من حيث الإضافة العلمية:

الكتاب في حد ذاته يعد إضافة علمية خاصة في المجال الاجتماعي، فأصحابه أسسوا لكتابة اجتماعية في هذا الإطار يمكن الاعتماد عليها كمنطلقات أساسية في دراسات مستقبلية وهو أمر إيجابي يحتسب لهذا الكتاب. والإضافة العلمية أيضا هي تلك المقترحات التي يمكن الخروج بها والتي من شأنها المساهمة في تطوير المجتمع المغربي إذا وجدت الآذان الصاغية لها وهو ما نتمناه.

9. المجالات الجديدة المقترحة: لقد فتح الكتاب في مختلف مقالاته آفاق مستقبلية لدراسات أخرى، خاصة وأن الكثير من الدراسات بينت في الأخير الرؤية المستقبلية التي يمكن الانطلاق منها في دراسات مستقبلية.

10. من حيث تنظيم الكتاب:

كان الكتاب منظما من حيث تناول القضايا بالنظر لعناوين المقالات المشابهة والمختلفة، وهو ما قام به معد الكتاب وأنا أحترم ذلك، وهو شيء إيجابي يحسب للكتاب بشكل عام.

11. من حيث المصادر والمراجع:

تنوعت المصادر والمراجع لكنها في الكثير من الأحيان كانت جد قليلة ومقتضبة، ولعل ذلك يعود إلى حداثة الموضوع الذي يعد موضوع الساعة ما جعل الكتابات حوله قليلة، لذا فإن هذا الكتاب في حد ذاته سيكون مرجعا أساسيا للكثير من البحوث والدراسات المستقبلية خاصة إذا ما توافر عبر الإنترنيت.

في الأخير أعتذر إن أطلت في قراءتي، وأرجو أن أكون وفقت إلى حد ما في ما أوكل إلي رغم أنه للأمانة من السهل قراءة كتاب في أي مجال، لكن من الصعب جدا أن يقدم الباحث قراءته النقدية لهذا الكتاب، لأن ذلك ليس بالأمر اليسير، فالأمر يتطلب المزيد من الوقت والجهد والتركيز. المهم أنني حاولت قدر استطاعتي. ومن هذا المنبر أوجه جزيل الشكر للأساتذة من المغرب على أمل أن نلتقي في فرص علمية وجلسات علمية مستقبلية. تمنياتي لكم بالتوفيق والنجاح والتميز، وتمنياتي للمغرب المزيد من الرقي والتطور. والسلام عليكم ورحمة الله تعالي وبركاته.

رابط تحميل الورقة