مستجدات التربية والتعليم بالمغرب في سنة 2018: قضايا وإشكالات

 مصطفى شـﯖري/ عبد الله الهلالي

لا نعتقد أن الموسم الدراسي 2018/ 2019 قد أحدث قطيعة ما عن مسار الطابع العام الذي وسم الموسم الماضي، فمازالت الرؤية الاستراتيجية تشكل" السياق والخطاب" المؤسسين لمرجعية القطاع، وما زالت قضايا" التوظيف بالعقدة" و" المضي في خيار الفرنسة" " و " البحث عن نموذج بيداغوجي" و " إشكالات القيم المهدورة" تلقي بظلالها على التدبير العام لقطاع التربية والتعليم في سياق محتقن متأزم سياسيا واقتصاديا واجتماعيا على كافة الأصعدة.

ستحاول هذه الدراسة أن ترصد من منظور تشخيصي تحليلي أهم المستجدات التي طبعت المسار العام لتدبير القطاع خلال سنة 2018 سواء على مستوى الخطاب الذي وجه السياسة التعليمية أم على مستوى أهم الإجراءات التنزيلية، وذلك لوضع القارئ في الصورة العامة للمشهد التعليمي المغربي الذي لا يريد أن يبرح دائرة الأزمة البنيوية الكاشفة عن استمرار التحكم السياسي العام في مختلف مفاصل المنظومة على نحو يحول دون تغيير حقيقي يسمح بولوج عوالم التحديات القادمة قيميا ورقميا.

أولا: الخطاب السياسي الرسمي

في سياق تحديد استراتيجية الدولة في إصلاح المنظومة الوطنية للتربية والتكوين والبحث العلمي، يعيد الخطاب الحكومي الرسمي التأكيد على مرجعية الرؤية الاستراتيجية في بناء المخططات التنفيذية والاستراتيجيات القطاعية ووضع التدابير الإصلاحية للمنظومة، كما يعيد الحديث عن التوجه نحو الحسم في القانون الإطار قصد وضع " إطار تعاقد وطني ملزم لضمان تعليم ذي جودة".

 وحسب السيد رئيس الحكومة فإن السياسية الحكومية في التعليم تركز على مجالين اثنين؛ مجال استراتيجي يضم أربعة محاور: النموذج البيداغوجي، الحكامة، التخطيط المدرسي، والجانب التنظيمي، ثم مجال المؤسسة التعليمية ويهم خمسة عناصر تتعلق بالفضاءات والتجهيزات، وبالتلميذ، وكذا بالأستاذ والإدارة والأسرة.  وذلك وفق بنية مخطط تنفيذي يستهدف ثلاثة محاول كبرى تعنى بالإنصاف والتكافؤ في الولوج، وبتطوير النموذج البيداغوجي وتحسين الجودة، وبقضية الحكامة والتعبئة حول الإصلاح.

وضمن ها التوجه العام يؤكد الخطاب السياسي الرسمي على الاستمرار في جملة من الإجراءات التدبيرية تمس على الخصوص:

  1. تعزيز العرض المدرسي وتطوير خدمات الدعم الاجتماعي؛
  2.  تأكيد تنزيل الهندسة اللغوية الجديدة القائمة على إدراج الفرنسية في السنة الأولى ابتدائي وتوسيع عرض المسالك الدولية للبكالوريا المغربية في خيارها الفرنسي أساسا، والمسلك الدولي بالإعدادي خيار فرسية؛
  3. مأسسة التعاقد في مختلف مستويات المنظومة باعتبار ذلك خيارا استراتيجيا يروم دعم المنظومة بالإمكانات البشرية؛
  4. المضي في برامج التعاون الدولي من خلال "مشروع التربية والتكوين من أجل القابلية للتشغيل" مع تحدي الالفية الأمريكية الذي دخل حيز التنفيذ في 30 من شهر يوينو من سنة 2017 بغلاف مالي قدره 220 مليون دولار، وكذا " مشروع المؤسسة المندمج" " ومشروع تعزيز نظام تقييم التعلمات: بالمشاركة مع البرنامج الدولي لتقييم التلاميذ(بيزا)؛
  5. تنفيذ الاستراتيجية الوطنية للتكوين المهني 2021 القائمة على تفعيل مخطط التسريع الصناعي وإحداث شعب جديدة وصياغة هندستها، مع العمل على إحداث معاهد ذات تدبير مفوض في إطار الشراكة بين القطاعيين العمومي والخصوص؛
  6. بلورة خطة استراتيجية لقطاع التربية والتعليم والبحث العلمي تنبني على إعداد وتنزيل خريطة جامعية وطنية منسجمة، وتنزيل إصلاح بيداغوجي  يهم تحسين ظروف الاستقبال وملاءمة العرض الجامعي مع حاجيات المحيط مع التركيز على المؤسسات ذات لاستقطاب المحدود، وتحسين الموارد البشرية، هذا إلى جانب جملة إجراءات ستعمل على إرساء وتفعيل الإطار الوطني للإشهاد، والوعد بمراجعة وتحيين المنظومة التشريعية والتنظيمية وتحسين الحكامة، وإرساء نظام وطني للجودة، وكذا إرساء المخطط الاستراتيجي الرقمي لقطاع التعليم العالي مع العمل على تطوير بنيات البحث العلمي وتفعيل الاستراتيجية الوطنية للبحث العلمي[1].
  7. في مجال قطاع التعليم العالي دائما سيتم التبشير بتطوير نظام الإجازة الجامعية، عبر إعداد خارطة طريق لإعادة النظر في نموذج المؤسسات الجامعية ذات الاستقطاب المفتوح التي تستوعب 87% من العدد الإجمالي للطلبة، خاصة أمام ضعف النجاح وارتفاع نسب الهدر والتكرار وطول مدة الحصول على الإجازة وصعوبات الاندماج في سوق الشغل، و يستهدف هذا النظام الجديد إطلاق ما سمي بالجيل الجديد من الإجازة في  إطار نظام المسالك، وهو الذي سيسفر عن العودة إلى نظام أربع سنوات للحصول على الإجازة،  وعن اعتماد اختبارات المعرفية في بداية المسار الطلابي، وعن إعادة النظر في أنظمة التوجيه. ومما أوصى به اللقاء البيداغوجي الوطني المنعقد لهذا السبب تقليص عدد مسالك البكالوريا المفتوحة، وحصر أعداد الطلبة المسجلين بمؤسسات الاستقطاب المفتوح في حدود معقولة تحت دعوى الأنسنة والتجويد مع فرض اشتراط التوفر على مستوى لغوي معين للحصول على دبلوم الإجازة، مع العمل على ملاءمة لغة التدريس في التعليم المدرسي مع لغة التدريس بالجامعة.

ولعل المتجلي البين أن هناك حرصا حثيثا على الحد من تدفق الطلبة إلى الجامعة، واعتماد منظور أمني يحتجز الطلبة المزعجين لمدة أربع سنوات في الجامعة لترتفع مدة الحصول إلى 5 أو 6 سنوات مع التوجه الصراح نحو التمكين للفرنسية في الإعدادي والثانوي.[2]

ولعله مما يلفت نظر الدارس في الخطاب السياسي الحكومي المعلن طغيان عبارات التخطيط الاستراتيجي، ولغة الوعود بإرساء وتحيين وتطوير وإحداث وتفعيل عدد من المشاريع وجملة من التدابير، هذا إلى جانب المضي في تنفيذ مقتضيات مشروع القانون الإطار حتى قبل استكماله لدورة المصادقة القانونية والإقرار التشريعي.

يلاحظ أيضا الاستمرار في الارتهان للمالية الدولية في تنفيذ مشاريع تربوية، والتمسك بالتعاقد (من المستغرب أن يتم الحديث عن التعاقد حتى مع الطلبة الدكاترة بمعدل 300 طالب دكتور سنويا على الأقل)[3] رغم ردود الفعل المجتمعية الرافضة، وفتح المجال لتمدد القطاع الخاص تحت مسميات التدبير المفوض وتنمية الشراكة، وهو ما يعني المضي في تنفيذ تعليمات المؤسسات الدولية المانحة وتنزيل ما تبقى من مقتضيات الميثاق الوطني.

تجدر الإشارة كذلك هنا إلى أن الخطاب الحكومي يقر بأنه رغم الإنفاق المالي الذي رصد ما مجموعه 59.2 مليار درهم للقطاع برسم قانون المالية 2018 بزيادة قدرها 5 مليار درهم عن سنة 2017، فإنه لم يتم تحقيق المرجو على مستوى الجودة، والمردودية والاستجابة لحاجيات المقاولة، وهو اعتراف ضمني بهدر المال العام في استراتيجيات غير مجدية بما أنها لا تثمر نتائج معقولة في مدخلات المنظومة ومخرجاتها بسبب الإصرار على اتباع النهج نفسه في إدارة قضايا القطاع بعيدا عن ربط المسؤولية بالمحاسبة.

ثانيا: المستجدات العامة للتربية والتعليم لسنة 2018:

  1. الدخول المدرسي ولازمة اللاستقرار التربوي:

 كان الدخول المدرسي  للموسم 2018/2019 لهذه السنة مشحونا بتوترات قوية ربما تجعله أردأ دخول مدرسي وأسوء دخول مما كان عليه سابقا، حتى غدت اللازمة في الدخول المدرسي ان يكون اللاحق اسوء مما كان عليه سابقا، ولم يحد الدخول المدرسي لهذه السنة عن هذا الوصف ، وذلك بسبب أجواء اللاستقرارالتربوي والشد والجذب اللذين طبعاه بسبب الخلافات التي طفت على السطح بين الوزارة وبين العديد من أطرها، وهكذا خاض السادة المديرون نضالات نقابية قاطعوا خلالها الاجتماعات الرسمية والبريد الورقي والإلكتروني ومختلف التكوينات  وأغلقوا الهواتف الرسمية مما شل التواصل الإداري، وبدورها خاضت هيئة التفتيش التربوي نضالات قاطعت فيها الأنشطة التي لا تدخل ضمن مهامها المسطرة، وعرفت الساحة التربوية احتجاجات التلاميذ والطلبة وأولياء التلاميذ بسبب ترسيم التوقيت الجديد وكذا احتجاجات الأساتذة الذين فرض عليهم التعاقد. وستنضاف هذه الأجواء المحتقنة إلى العديد من المشاكل التي تصاحب عادة كل دخول مدرسي من مثل عدم استقرار البنية التربوية وخصاص الموارد البشرية وطريقة تدبير جداول الحصص والحركات الانتقالية وعمليات إعادة الانتشار، وكذا طريقة تنزيل ومدة التقويم التشخيصي من دون تشاور ولا تنسيق مع الفاعلين الأساسيين. كل هذا ونتيجة لتصلب مواقف الوزارة عرف الدخول المدرسي تعثرات في الانطلاق والتدبير ستكون لها عواقبها على أداء المرفق التربوي وعلى تأمين الزمن الدراسي وعلى أجواء التلقي العلمي وعلى الأجواء النفسية العامة المصاحبة لعملية التدريس.

سيعرف هذا الموسم أيضا استمرار انسداد آفاق الحوار الاجتماعي مع الحكومة نتيجة عدم الحسم في كثير من الملفات العالقة كملف النظام الأساسي، وضحايا نظامي 1985 و2003، وملف السلم 9، والترقية بالشهادات، وملف الأطر الإدارية، وملف الدكاترة العاملين بمختلف أسلاك التعليم، وملف مفتشي التعليم، وغيرها من القضايا الشائكة التي تمس الحق في الوظيفة والانتماء النقابي والسياسي خاصة مع استمرار عدم حل ملف الأساتذة المرسبين والأطر المعفية من مهامها من دون وجه حق. كل هذا أثر على الوضعية العامة لرجال التعليم وبرهن على عدم جدية الحكومة والوزارة الوصية خاصة أمام عرضها الهزيل الذي لا يستجيب لتطلعات الشغيلة التعليمية في سياقات متميزة بإجراءات اجتماعية مجحفة تجعل المعيش اليومي صعبا جدا.

على المستوى التربوي سيعرف الموسم الدراسي بحسب ما عرضه وزير التربية تعميم المنهاج المنقح لسلك التعليم الابتدائي (السنة 1 و2)، وتوسيع شبكة مدارس "الفرص الثانية" لتشجيع الشباب المنقطع عن الدراسة، وتوظيف 20 ألف أستاذ جديد، وكذا فتح أوراش ودعم التعليم الأولي، والدعم الاجتماعي، والورش البيداغوجي والحكامة وتكوين المدرسين[4]. ولدعم التمدرس ستتم الإشارة إلى تطوير وتعزيز برنامج تيسير للدعم الاجتماعي عبر الرفع من قيمة وجبات الإطعام، والتوجه نحو التحول التدريجي على المدارس الجماعاتية بديلا عن الفرعيات النائية.

  1. ترسيم التوقيت الجديد وتداعيات إيقاعات الحياة المدرسية[5]:

سيكون ترسيم التوقيت الجديد باعتماد التوقيت الصيفي أول ما افتتح به الموسم الدراسي 2018/2019 مع ما خلفه من نقاش وسجال تربويين وإعلاميين كبيرين، وما أثاره من مخاوف لدى مختلف الفاعلين والأسر، وقد كشف هذا الإقرار عن استمرار الدولة في منهجها الأحادي في فرض قراراتها من دون استشارة ولا صدور عن المؤسسات التشريعية.

 وبغض النظر عن النقاش العملي والتناول العلمي الذي يفترض أن يصاحب مقاربة الزمن المدرسي من حيث إشكالات ضبط إيقاعات الحياة المدرسية تبعا للمحيط العام و للقدرات الذهنية والجسدية والمستويات العمرية والعقلية والبنية الصحية والنفسية للمتعلمين ومعطيات المجال الجغرافي والبيئي وطبيعة المواد في المنهاج الدراسي، فإن القرار جانب الصواب من جهات متعددة وخلق مشاكل عديدة؛ أولها الطابع الفردي الذي لم يراع إشراك الشركاء التربويين والمجتمعيين والخبراء الباحثين، ثم التردد الذي صاحب تطبيقه يوم الأربعاء 7 نونبر 2018 وتأخيره إلى 12 من الشهر نفسه، كما لم يراع القرار أثر ذلك على جودة التعلمات وعلى إتمام البرنامج الدراسي وتأمين زمن التعلمات، وعلى إنجاز التقويمات الاختبارية وعلى تدبير التعلمات الفصلية. زد على ذلك ما خلفه القرار من معاناة الأبناء والأولياء وبسبب الخوف على أبنائهم من ظروف التنقل في ظلمة فصل الشتاء، وفي ظل ظروف أمنية مزعجة، وبسبب غياب المواءمة بين التوقيت الإداري لعمل الآباء وتوقيت الدراسة للأبناء مما قد يعرض الأمن النفسي والصحي والجسدي للمتعلمين ويضعهم في خطر محدق. ولقد صنع هذا القرار غير المدروس اضطرابا في سيرورة عمل مختلف أطر الوزارة خاصة لدى السادة المديرين الذين فرض على بعضهم إعادة الجدولة الزمنية للحصص الدراسية، وكذا لدى المديريات الإقليمية قصد تتبع سيرورة العملية تنظيميا، وكذا لدى هيئة التأطير التربوي بسبب أثر تلك التغيرات على تنفيذ البرامج التأطيرية المسطرة.

 نجم عن هذا القرار الفردي حراك تلمذي أثر على سيرورة الدراسة التي توقفت وعلى تأمين الزمن الدراسي المتغنى به دوما، والحق أن القرار كان -برغم الشائعات التي قالت بأنه اتخذ بناء على دراسة علمية لم يتسن الوقوف على حقيقتها ومضامينها-برمته قرارا عبثيا وارتجاليا سواء من حيث أهدافه وأسبابه، ام من حيث توقيته، أم من حيث طريقة إقراره وسرعة تنزيله، أم من حيث الخطاب الوثائقي الكبير الذي صاحبه في شكل بلاغات وحوارات وتوضيحات. وعلى الرغم من رد الفعل الشعبي والتربوي الذين صاحبا هذا القرار فقد مضت الدولة كعادتها في إقراره وتنفيذ مقتضياته من دون أن تأبه للمواقف الرافضة تربويا وشعبيا، وهو ما أوقع الاكاديميات والمديريات على المستوى التنفيذي في إجراءات تدبيرية بئيسة أحيانا.

والخلاصة أننا كنا أمام قرار فوقي استجابة لإملاءات أجنبية، وبصدد قرار غير ديموقراطي وغير علمي وغير تربوي يضرب مضامين المذكرة 43 الخاصة بتنظيم الدراسة، والمذكرة 54 الخاصة بتأمين الزمن المدرسي، هذا إلى أنه قرار تم ضمن سياق طبعه نوع من الإلهاء الماكر لتحويل النقاش الشعبي وصرف أنظاره عن عرض قضايا جوهرية يتم التحضير لها ستكون لها آثارها السلبية المستقبلية على عمق المنظومة التربوية المغربية.

  1. القضية اللغوية وإقحام الدارجة:

عرفت هذه السنة نقاشا عاما ساخنا ومتابعة إعلامية كبيرة إثر انتشار مقاطع من مقررات تعليمية أقحمت فيها مفردات بالدارجة العامية المغربية، وهو النقاش الذي أعاد إلى الواجهة قضية قديمة جدا ترتبط باستعمال العامية وتوظيف اللهجات المحلية في التدريس، وقد لاقت المسالة استنكارا شعبيا قويا ورفضا تربويا كبيرا، إذ اعتبر البعض إقحام الدارجة المغربية مسا بالهوية اللغوية والقيم الجامعة الضامنة لوحدة المجتمع ، ورأى فيه آخرون "بوليميكا" سياسيا وتمويها مقصودا يريد أن يغطي على مخطط تمرير القانون الإطار 17/51 الذي من بنوده  إقرار الفرنسية في التعليم تحت دعوى التناوب اللغوي.

  1. مقررات تنظيمية ومذكرات تشريعية:

ستعرف هذه السنة إصدار عديد من المذكرات الوزارية والمقررات التنظيمية التي تهم جوانب مختلفة من التدبير العام للمنظومة، منها:

- المذكرة 404 بتاريخ 29 يوينو 2018 التي تحدد عدد التلاميذ بكل قسم وبالأقسام المشتركة؛

-إعطاء الانطلاقة لمشروع تعميم التعليم الأولي يوم 18 يوليوز 2018، وهو المشروع الذي يروم تسجيل الأطفال الذين تتراوح أعمارهم ما بين 4 و6 سنوات بالمدارس العمومية. تم ذلك بحضور عدد من الفعاليات ضمن برنامج وطني قيل عنه إنه طموح جدا تنفيذا لمقتضيات الرافعة الثانية من الرؤية الاستراتيجية التي تتحدث عن إلزامية هذا التعليم وتعميميه  في ظل ترسانة قانونية ضعيفة وبيئة تنزيل غير سليمة، وضعف اجتماعي وهشاشة عامة ستحول دون قدرة الأسر على الانخراط في المشروع خاصة أمام ضعف وغياب بنيات الاستقبال في المدارس الابتدائية وكثير من ارتجال عمليات توطين أقسام التعليم الأولي في هذه المؤسسات، دون أن ننسى مشاكل تعدد المتدخلين في المجال وغياب التنسيق وضعف تكوين وتأطير المربيات وعتاقة البنيات المستعملة؛

-صدور المرسوم الجديد رقم 2.18.294 بمثابة قرار يلائم ويتمم النظام الأساسي الخاص بموظفي وزارة التربية الوطنية الذي أقر إطار متصرف تربوي لمسلك الإدارة التربوية على الرغم من الإشكالات التي أثارها بخصوص غموض وضع الذين يمارسون في الإدارة قبل صدور القرار؛

-صدور مذكرة 103/18 بتاريخ 31/12/2018 تهم تجديد البرامج والكتب المدرسية للسلك الابتدائي تبعا بتغيرات المنهاج الدراسي المنقح للتعليم الابتدائي؛

-صدور مذكرة وزارية بتاريخ 1287/18 بتاريخ 27/12/2018 تستمر في توريط مديري المؤسسات في برامج تأهيل المؤسسات التعليمية من دون ميزانيات مالية واضحة وشفافية تدبيرية ناجعة؛

-في شهر مارس 2018 سيتم الإعلان عن الإعداد لمسلك جامعي للتربية سيمكن من الحصول على الإجازة المهنية في التربية، وستعطى الانطلاقة يوم 29 يونيو 2018 لهذا المسلك تفعيلا لمقتضيات تجديد مهن التدريس والتكوين بالرؤية الاستراتيجية وهو المسلك الذي سيمكن من الحصول في ظرف ثلاث سنوات على الإجازة في التربية؛

-عرف شهر شتنبر من سنة 2018 وضع اتفاقية إطار بين وزارة التربية الوطنية ووزارة الداخلية في شأن دعم التمدرس ومحاربة الهدر المدرسي، كما سيعرف الشهر نفسه الحديث عن وضع إطار مرجعي وطني لتدبير الأقسام المشتركة ثنائية المستوى؛

-إصدار أنظمة أساسية خاصة بأطر الأكاديميات الجهوية للتربية والتكوين تعطي صلاحيات واسعة لمدير الأكاديمية وتتضمن مقتضيات مجحفة بصدد الوضع النظامي للأطر المتعاقدة، وتظهر توجه الدولة وحسمها في خيار التعاقد ليس في التدريس فقط وإنما في مجال ومهام التسيير الإداري والتقني. بل وإن هذه البنود تظهر فرض أداء مهام تحددها الإدارة كانت تطوعية أو من اختصاص هيئات نظامية رسمية كالتوجيه التربوي والمشاركة في الأنشطة الخاصة بالحياة المدرسية. ومما تضمنته هذه الأنظمة الحديث عن الإخضاع لتقييم دوري، وعن الخضوع للنظام الجماعي لمنح رواتب التقاعد هو أمر سيترتب عنه هزالة بينة في راتب التقاعد.

 ولعل الذي يمكن للدارس أن يلاحظه أن هناك استمرارا في تأكيد إحدى اللوازم البنيوية للمنظومة التربوية المغربية الظاهرة في كثرة الرصيد الوثائقي وتعدد وتراكم وتسارع عمليات تنزيل البرامج والمشاريع التي إن لم تظل حبيسة الأوراق تكون نتائجها وأثرها الواقعي هزيلا بسبب الارتجال وغياب العقلانية في التدبير والشفافية في التسيير و ضعف بنيات الاستقبال وهزالة التحفيز وسيادة التذمر العام في الجسم التعليمي تغدو معها الغاية الأسمى هي الاستجابة للمسطر النظري في رافعات الرؤية الاستراتيجية وملء التقارير بغض النظر عن ظروف الواقع ومشاكل الفاعل التربوي.

  1. تقارير المجلس الأعلى للتربية والتكوين ومؤسسات أخرى:

 يستمر المجلس الأعلى للتربية والتكوين في إصدار  عدد من التقارير التقويمية للمنظومة، ففي ندوة له ليوم 18 يوليوز 2018 أكد المجلس على الحاجة إلى مواكبة الإصلاح بالتدابير الإجرائية حتى لا يبقى كلاما فقط، وتحدث عن عدد من التقارير التي عمل على الاشتغال عليها حول تقييم التعليم العالي، والحكامة، و تقييم الدكتوراه والكليات المتعددة التخصصات، وقد قدمت مؤشرات رقمية صادمة  تبرز نسبة الهدر الجامعي إذ إن 32% فقط من الطلبة حصلوا على شهادتهم و 65% انقطعوا من دون هذه الشهادة  الأساسية، وهو ما يضع نظام (LMD)   موضع مسائلة كبيرة، وقد تم الاعتراف باستمرار الإشكالات البنيوية للجامعة المغربية البارزة في  عدد الطلبة المتزايد، وتدني نسبة التمدرس وارتفاع معدلات التأطير بالنسبة لكل أستاذ، وغياب مقاعد الاحتضان والحكامة الإدارية، وغياب الاستقلالية.

أصدر المجلس تقريرا حول الارتقاء بمهن التربية والتكوين والبحث العلمي في ندوة 17/4/2018، حيث انتقد تدابير الحد من الخصاص لعدم استجابتها لمعايير الجودة ولاعتماد التعاقد وغياب التأهيل والتكوين وهشاشة البنيات والفضاءات[6].

تناول التقرير محورين عامين؛ محور قدم معطيات تشخيصية لواقع مهن التربية والتكوين والتدبير والبحث، ثم محور عرض لإشكالات عامة تتعلق بالمنظومة في جوانب تدبيرية متعددة.

أ. في محور التشخيص[7]:

1. سجل التقرير بصدد التعليم الأولي الملاحظات التالية:

-استمرار استئثار التعليم الأولي التقليدي بنسبة 64.8 % من أعداد المربيات؛

-عدم تحقق مبدأ الأنصاف إذ يستمر نقص الأطر في المجال؛

-إشكالية التعميم إذ لا يهم هذا النوع من التعليم سوى 50% من الفئة التي هي ما بين 4 و5 سنوات، وهو ما سيطرح تحدي القدرة على وفاء الرؤية الاستراتيجية بالالتزام بالتعميم وعلى توفير الأطر اللازمة والجودة المطلوبة.

2.  بصدد التعليم المدرسي سجل التقرير ما يلي:

  • إشكالية تغطية الإعدادي والتأهيلي بالمدرسين مع ما سيجره ذلك من اكتظاظ وارتفاع نسب التأطير خاصة مع التقاعد النهائي والنسبي، إذ إن عدد المحالين على التقاعد بحد السن سيصل إلى 73 ألف و500 مدرس، وهو ما يعني الحاجة إلى 124500 مدرس بحلول سنة 2030، وهو ما اضطر الدولة إلى التعاقد مع 55 ألف استاذ بحلول سنة 2018؛
  • تراجع مطرد لأعداد هيئة التفتيش التربوي وأثر ذلك على التأطير ومواكبة المدرسين، ذلك أن المعدل الوطني للتأطير هو 133 أستاذا لكل إطار، مع تفاوتات تصل إلى أكثر من 145 أستاذا في بعض الجهات، والأمر نفسه تعرفه هيئة التوجيه التربوي، وأيضا التأطير الإداري، وسجل التقرير أن أكثر من 50% من المؤسسات الابتدائية و10% من الثانويات الإعدادية لا تتوفر على عاملين من هيئة الخدامات؛
  • عدم استقرار وثبات النظام الأساسي وعدم قدرته على استيعاب الحاجيات والأطر والفئات المتزايدة.

3. فيما يتعلق بالتعليم العالي تحدث التقرير عن تطور عدد الطلبة بثلاثة مرات ونصف ما بين 2009 و2017 مقابل التطور البطيء في عدد الأساتذة مما يطرح نسب التأطير التي تتجاوز احيانا نسبة 1500 طالب لكل أستاذ في بعض التخصصات مع تسجيل تفاوتات ما بين مؤسسات ذات الاستقطاب المفتوح ومؤسسات الاستقطاب المحدود وهو أمر سينضاف مع ارتفاع الطلبة وتزايد أعداد المتقاعدين التقاعد. وإن سجل امتياز لصالح التعليم الجامعي الخاص، فإن هذا التعليم لم يستطع تحقيق اكتفاءه الخاص من الأطر التربوية.

4. في مجال التكوين المهني تحدث التقرير عن كون نسبة المكونين العرضيين في المجال تصل 43%، وفي قطاع التجهيز تبلغ نسبة 100%، ونسبة 19% في مجال الشبيبة والرياضة، هذا إلى جانب إشكالات ترتبط بتعدد المتدخلين وتعدد الانظمة، وغياب التجانس.

5. في ما يخص التعليم العتيق وقف التقرير عند تعدد مكونات هيئات التدريس واختلاف مستويات تكوينهم الأكاديمي والتربوي والبيداغوجي.

         ب. في محور الإشكالات العامة[8]:

  وقف التقرير عند إشكالات عامة خمسة هي:

  • تدبير الخصاص والإجراءات المعتمدة لا تحقق الجودة، هذا على جانب ضعف التكوين وعدم انتظامه، وتعقد الأمر مع التعاقد، وضعف التنسيق بين الجامعات وبين المراكز الجهوية لمهن التربية والتكوين، وغياب بنيات التأطير الميداني؛
  • ضعف الملاءمة بين المهام والكفايات المهنية وعتاقة هذه الملاءمة إن توفرت، وعدم مسايرة التطورات والكفايات الجديدة؛
  • إشكالات قيمية وأخلاقية تبرز في تنامي ظواهر العنف والإخلال بالمهنة وتدني الصورة القيمية للفاعل التربوي بسبب ظروف خارجية متعددة تؤدي إلى إضعاف الثقة في المدرسة؛
  • إشكالات المأسسة واختلالات الأدوار في مؤسسات التربية والتكوين وضعف او غياب الاستقلالية، وضعف التفاعل مع المحيط، وهيمنة المركزية، ووجود الفوارق المجالية في الموارد والمؤسسات، وأثر التوظيف المباشر على الجودة والمردودية، واختلالات الحركة الانتقالية وظروف ممارسة المهنة وهشاشة البنيات؛
  • إشكالات التقييم للأداء المهني في علاقته بالإنجاز والمردودية واتسامه بالظرفية والموسمية، وغلبة المراقبة على المصاحبة، ونقص تقييم المؤسسات، وغياب ربط المسؤولية بالمحاسبة.

في تقرير آخر، سيقف بنا المجلس الأعلى للتربية والتكوين والبحث العلمي عند " مدرسة العدالة الاجتماعية وإشكالات النموذج التنموي بعرضه لنسب العاطلين ضمن خريجي المدارس الكبرى والمعاهد التي عرفت تطورا بالمقابل لسنة 2012، ووقف عند ضعف مصداقية الشهادات الجامعية، وتقلص الاندماج الاجتماعي، وتنامي الفوارق في التربية، وخلص إلى غياب عدالة اجتماعية في التربية وإلى وجود أثر قوي للفوارق الاجتماعية في الولوج إلى التربية وإلى سوق الشغل[9].

في سياق آخر سنجد أن المجلس الاقتصادي والاجتماعي والبيئي سيعرض في تقرير له في يناير 2018 حول الرأسمال غير البشري إلى بعض من المعطيات الخاصة بمجال التربية والتعليم منها:

  • على الرغم من خصم البنك الدولي لنفقات التعليم من نفقات الاستهلاكات لكونها تشكل استثمارا في المستقبل ما زال المغرب يتحدث عن ارتفاع كلفة التعليم على ميزانية الدولة؛
  • التصريح بانخفاض نسبة الأمية من 48% إلى 32%، وبتعميم التمدرس في الابتدائي بنسبة تصل 99.6%؛
  • إصدار توصيات بتطوير وتعزيز الرأسمال البشري من خلال جعل المدرسة دعامة لضمان تكافؤ الفرص ووسيلة للارتقاء الاجتماعي، وبالرفع من المستوى المعرفي العام للمواطنين وتعزيز قدرات التكيف والابتكار لولوج مجتمع المعرفة.[10]
  1. فرض القانون الإطار وتسييج المنظومة بالضبط التحكمي[11]:

صادق المجلس الوزاري بتاريخ 20 غشت 2018 على مشروع القانون الإطار رقم 17/51 المتعلق بمنظومة التربية والتكوين والبحث العلمي، والذي اعتبر إصلاحا مصيريا وجوهريا في مسيرة إصلاح المنظومة التربوية. وبصدوره أثيرت قضايا تربوية وسياسية متعددة من قبيل المجانية ولغة التدريس وقضية القيم، وإشكالات التوظيف والتكوين، ومشاكل التدابير التنزيلية للمراسيم التنظيمية، وبإثارة هذه القضايا عاد الحديث عن الوضع الاعتباري المتفوق للمجلس الأعلى وعن تقوية قبضة التحكم السياسي في التعليم في تغييب تام للإرادة الشعبية وللفاعلين التربويين والمجتمعيين.

إن الرجوع إلى السياقات التي صدر فيها المشروع، والمرجعيات التي استند إليها ، والمنهجية العامة التي اعتمدت إعدادا وصياغة، والمضامين المختلفة التي أقرها، والخطوات التنزيلية التي باشرها،  إنما تكشف على الرغم من محاولات إلباسه "لبوس الإجماع الوطني" عن كونه يؤكد الخصائص الجوهرية البنيوية التي تطبع تاريخ الإصلاحات التعليمية بالمغرب والتي نجملها في استمرارية تحكم القرار السياسي في القرار التربوي، وفي الارتهان إلى إملاءات المؤسسات الدولية المانحة، وفي تغييب المشروع المجتمعي الوطني المعبر عن قيم وهوية الشعب المغربي وحاجياته وتطلعات المتعلمين الآنية والمستقبلية. هذه الخصائص والسمات تجد تجلياتها البينة في جملة الاختيارات التي يعمل القانون على ترسيمها وتشريعها، مثل فرض الفرنسية في تعليم المواد العلمية، وإقرار فرض رسوم على تمدرس المتعلمين مما يعني ضرب مجانية وعدالة الولوج إلى التعليم، وفرض التعاقد في التوظيف، وتحجيم قيم العقيدة الإسلامية لصالح المفاهيم الكونية لحقوق الإنسان، وهو ما دعا ويدعو إلى وصف هذا القانون بالقانون غير الدستوري وغير الشرعي وغير التربوي وغير الديموقراطي والذي يضرب مبادئ الجودة وتكافؤ الفرص والارتقاء التي رفعتها المنظومة شعارات لها.

طبعا غير خاف أن هذا القانون الذي بدأ تنزيل مضامينه حتى وإن لم يستكمل دورة الإقرار التشريعي المعهودة، يجد "جيناته" فيما فرضته إملاءات البنك الدولي منذ تعليمات السكتة القلبية ومقررات الميثاق الوطني، ولعل إطلالة سريعة على تقرير أخير للبنك الدولي تكشف عن حجم الأمور التي على المغرب الاستجابة لها إذ تمت دعوته إلى تحديث النظام البيئي التربوي، وتحسين اختيار وتكوين المدرسين، وتطوير عرض تربوي بديل بما فيها المدارس بموجب ميثاق او مدارس حرة.[12]

لقد حصل وما زال يحصل نقاش واسع حول معطيات هذا القانون أدى إلى حراك مجتمعي نضالي أفرز نضالات شعبية من مختلف الفئات على رأسهم الأساتذة الذين فرض عليهم التعاقد الذين وصل عددهم إلى ما يقرب 55 ألف أستاذ الذين دخلوا في إضرابات عن العمل سيكون لها تأثير كبير على تأمين الزمن الدراسي للمتعلمين بسبب غياب التعامل الجاد مع الملف المطلبي لهذه الفئة ولعدم إنصات الدولة لنبض الشارع الرافض لهذا المشروع الذي يزيد واقع المنظومة ترديا وكارثة. ومن الأحداث الغريبة المبرزة لحجم الارتجال والعبثية في تدبير ملف التعاقد أن يسجل أنه تم فصل أساتذة متعاقدين من العمل بدعوى عدم ملاءمة دبلوماتهم للإجازة بعد 5 أشهر من خدمتهم الفعلية

  1. التقويم التربوي ونتائج البكالوريا:

بلغ عدد المترشحين والمترشحات لاجتياز امتحانات البكالوريا لدورة يونيو 2018 بحسب بلاغ صحفي لوزارة التربية الوطنية حوالي 440 ألف مترشح ومترشحة مثلت نسبة الإناث منهم 48%، وبلغ عدد المترشحين الاحرار 100 ألف و534 مترشحا ومترشحة، ولم تتجاوز عدد فئة المترشحين في وضعية إعاقة 172 حالة استفادوا من إجراءات تكييف الاختبارات إنجازا وتصحيحا. وقد أبرز البلاغ ارتفاع مسالك البكالوريا إلى 40 مسلكا بعد إضافة 8 مسالك دولية و14 مسلكا مهنيا في إطار ما تدعوه الوزارة بتنويع العرض التربوي، وقد خصص لتأمين الاختبارات ما يقرب من 41660 مكلفا بالحراسة و40000 ألف أستاذ مكلفا بتصحيح ما يقرب من 3,6 مليون ورقة، هذا إلى جانب انتداب ما مجموعه 1500 ملاحظ مركزي، و164 من المراقبين الجهويين، و200 من المراقبين الوطنيين للإجراء والتصحيح. وبحسب الوزارة فإن عدد الناجحين الممدرسين في التعليم العمومي والخصوصي في الدورتين العادية والاستدراكية لهذه السنة 2018 قد بلغ 238550 بنسبة نجاح حددت في 71.91%، شكلت الإناث نسبة 53.73%. فيما سجلت نسبة نجاح المترشحين الأحرار عتبة 37.49%.

سنلحظ أن نسبة النجاح لم تحتسب من عدد المترشحين إنما من عدد الذين اجتازوا الامتحان (ولو تم احتسابها لكانت عتبة النجاح محددة في 54.28% فقط)، سنرى أن هذه السنة عرفت استمرار ضبط حالات الغش التي وصلت إلى 2740 حالة غش، رغم المقاربة الزجرية التي اعتمدت وتضخيم الجانب الأمني في العملية على حسب الجانب التربوي، وكذا استمرار الهواجس والتخوفات التي تصاحب عمليات الحراسة والتصحيح لدى الفاعلين المتدخلين في ظل تنامي حالات المس الجسدي والتعنيف وهزالة منح التصحيح. دون أن ننسى الهدر الكبير للمال العام الذي لا توازيه النتائج المسجلة في المكتسبات العامة بسبب عدم القدرة على تقديم بدائل جديدة للتقويم التربوي المعمول به المرتهن لتغليب المقاربة الكمية المعرفية على النمذجات الكفائية. وفي السياق التقويمي ذاته ستعرف هذه السنة صدور مذكرة وزارية (829/18) ستعيد التأكيد على الإعداد الحصري لمواضيع الامتحان الوطني الموحد لمادتي الرياضيات والفيزياء والكيمياء بشعبتي الاقتصاد والتدبير والعلوم والتكنولوجيات بالفرنسية حصريا.

  1. تداعيات البرنامج الاستعجالي:

لقد أصدر المجلس الأعلى للحسابات يوم 12/12/2018 تقريرا موضوعاتيا يقوم البرنامج الاستعجالي، ويقدم بصدده ملاحظات تكشف حجم الاختلالات الكبرى التي شابت طريقة تدبير هذا المشروع في مستويات متعددة تشمل الإعداد والتمويل والبرمجة والتنفيذ والتتبع والموارد، وهو ما انعكس على الحصيلة العامة لهذا البرنامج وعلى نتائجه المنجزة مقارنة مع التمويل المخصص له والأهداف المسطرة له المنتظرة منه والجهد الكبير الذي تم إضاعته، ومن جملة تلكم الخلاصات التي رصدها التقرير:

  • الإخفاق في بناء رؤية واضحة للمشروع سواء على مستوى تحديد الحاجيات، وضبط الأهداف وتكميمها ام على مستوى التخطيط للإنجاز والمتابعة والتقييم، وكذا على مستوى التعبئة العامة والشراكة مع الفاعلين المعنيين؛
  • هدر المال العام من حيث حجم المبالغ المرصود والتي وصلت إلى 43.12 مليار درهم (في ما يخص اعتمادات الأداء دون احتساب نفقات الموظفين) دون أن يكون لها أثر أداء على المنظومة، يظهر ذلك في عدم القدرة على الاستفادة المثلى من التمويل المرصود في ظل غياب إطار ميزانياتي واضح وضعف القدرات المحاسباتية والمالية في التدبير وغياب التنسيق والأجرأة العقلانية؛
  • الاستعجال في برمجة المشاريع وتنفيذها وكثرتها وعدم تناسقها، وغياب تحديد الأولويات فيها، وضعف القدرات التدبيرية للجهاز المنفذ مركزيا وجهويا ومحليا مما أسقط في نوع من الارتجال بسبب الرغبة في الوفاء بالالتزامات قبل سنة 2012 من دون توفير التكوين اللازم والموارد المؤهلة واللوجيستيك الملائم؛
  • على مستوى التنفيذ وبسبب استمرار مركزة القرارات وتداخل الاختصاصات بين المشرفين على المشاريع والمسؤولين الإداريين، وبسبب خلق بنيات غير منصوص عليها في الهياكل الموجودة وإحداث مناصب وتعويضات جزافية ضاع الأثر المنشود العام للمشروع؛
  • الفشل في تحقيق الأهداف المسطرة على مستوى كثير من المشاريع وعلى رأسها التعميم والتأهيل والتحديث والقطب البيداغوجي ومشاريع الحكامة وتدبير اتفاقيات الشراكة؛
  • إهدار ما مجموعه 94.96 مليون درهم في دراسات من غير جدوى تم فسخها بعد ذلك ومن أكبر تمظهر للفساد المالي إيقاف بيداغوجيا الإدماج بعد إهدار 73 مليون من الدراهم ونفقات أخرى بدراسة تم فسخها أثناء التنفيذ 21.96 مليون درهم؛
  • عدم القدرة على تأسيس نظام ناجع للتتبع والقيادة والتقييم رغم صرف ما يقرب من 3 مليون درهم لوضع هذا النظام مما أدى بسبب عدم كفاءة واختصاصات الأجهزة القيادية وكثرة المؤشرات وتكرارها وغياب المعطيات الدقيقة من إفشال المشروع، وعدم القدرة على تقديم تقييم منسجم وصادق للمنجزات والإخفاقات، وهو الذي يظهر في تناقضات صارخة بين تقارير المفتشية العامة للشؤون الإدارية وتقارير مديرية الإحصاء والاستراتيجية والتخطيط وتقارير المفتشية العامة للشؤون التربوية؛

 وقد كانت الخلاصة القول بغياب حصيلة شاملة حول المنجزات وتناقضات تحد من مصداقية المعلومات المقدمة، والفشل العام في تنفيذ معظم الأقطاب المسطرة، خاصة على مستوى الموارد البشرية، وقطب اللغات، والقطب البيداغوجي، وهو ما يعني حسب المجلس أن المخطط لم يحقق أهدافه ولم يكن له التأثير المرغوب مما سيفاقم من تجليات ازمة المنظومة على مستوى الهدر (279 ألف تلميذ سنويا) وعلى مستوى بنيات الاستقبال وظروفها، ومحدودية برامج الدعم، وغياب ناظم معلوماتي مندمج وصادق.

ولقد أورد التقرير بعضا من المعطيات الرقمية الصادمة، من قبيل أن معدل إنجاز المؤسسات المبرمجة لم يتجاوز 24.6% (286 مؤسسة من أصل 1164)، ومثل عدم تعميم التعليم الأولي حيث كان المخطط أن تتوفر 80% من المدارس الابتدائية على تعليم أولي في سنة 2012، بينما نجد أنه حتى الموسم 2016/2017 لم تتجاوز 24%. ووقف التقرير عند توظيف 55 ألف أستاذ متعاقد من دون تكوين أساسي متين، وعند ارتفاع معدل الاكتظاظ 42% في الإعدادي برسم 2016/2017. ليبلغ الهدر 279 ألف تلميذ برسم الموسم نفسه.

  1. مستجدات التوجيه التربوي:

لقد ظل الجمود السمة البارزة في مجال التوجيه التربوي، وظلت المشاكل التي رصدت خلال سنوات ماضية هي الطاغية خاصة فيما يرتبط بارتفاع نسب التأطير لكل إطار في التوجيه التربوي، وذلك لاستمرار النقص الحاد في خريجي مركز التوجيه والتخطيط التربوي؛ إذ للسنة الثالثة على التوالي لا يكاد يبلغ عدد خريجي المركز 30 مستشارا في التوجيه التربوي. أما سلك التفتيش في التوجيه التربوي فلم يفتح التباري عليه منذ مدة طويلة، وأيضا للجمود الذي طال  الحركة الانتقالية، خصوصا بعد صدور المذكرة المنظمة[13] التي تقضي بتوزيع القطاعات المدرسية للتوجيه على الأطر المتوفرة بالمديرية مما يجعل الوزارة في غنى عن تنظيم الحركة الانتقالية، و توالي  أعداد أطر التوجيه المحالين على التقاعد النهائي والتقاعد النسبي دون تعويض، وكذلك عدم تعويض الأطر المعفاة في مجال التوجيه التربوي وهي وضعية تزيد من منسوب التذمر لدى أطر التوجيه وستؤدي إلى انخفاض ملحوظ في جودة الخدمات المقدمة وراهنيتها وعمقها.

أما فيما يرتبط بقضايا التوجيه التربوي فيمكننا أن نقف عند القضايا التالية:

- المسالك الدولية للبكالوريا المغربية

كما كان متوقعا ومحددا في مخطط الوزارة؛ سعت مختلف الأكاديميات الجهوية للتربية والتكوين لتعميم المسالك الدولية في مختلف الثانويات التأهيلية. وبالفعل أصدر بعض مديري الأكاديميات مراسلات[14] يحثون فيها المديرين الإقليمين والمفتشين التربويين ومديري الثانويات التأهيلية على توسيع العرض التربوي وتعميم المسالك الدولية ليتعمم تدريجيا وبقوة الواقع في باقي الأكاديميات، خصوصا بعدما ألغي الانتقاء في هذه المسالك كما كان سابقا.

إن الوزارة ماضية في عزمها على تعميم المسالك الدولية لتبوئ اللغة الفرنسية الصدارة، علما أن التوسيع لم يشمل خيار اللغة الإنجليزية وخيار اللغة الإسبانية. كل هذا والجدل اللغوي في المغرب لم يحسم بعد تشريعيا ولا توافقيا. والسند الوحيد للوزارة في التوسيع والتعميم هو: النتائج الإيجابية التي حققها تلاميذ المسالك الدولية في امتحانات الباكالوريا. وهذه مغالطة كبيرة لا ينتبه لها ولا يدركها إلا أطر التوجيه التربوي، ذلك أن الانتقاء السابق لتلاميذ الثالثة إعدادي هو الذي جعل نسب النجاح في المسالك الدولية ترتفع بشكل ملحوظ، كما أن الإقبال الشديد لتلاميذ التعليم الخصوصي على المسالك الدولية في المؤسسات العمومية ساهم بدوره في رفع نسب النجاح في الباكالوريا ، هذا إلى أن معدلات المواد المؤهلة لولوج المؤسسات ذات الاستقطاب المحدود للتلاميذ الناجحين في البكالوريا تخصص المسالك الدولية أقل بكثير من معدلات التلاميذ الناجحين المعربين في المواد العلمية خصوصا في مادتي الفيزياء وعلوم الحياة والأرض.

آفاق تعميم المسالك الدولية

من المتوقع تزايد أقسام وتلاميذ المسالك الدولية في المستقبل القريب، وهذا لا يعني نجاعتها واختيارها من لدن الآباء والأولياء والتلاميذ، ولكن هذا التعميم سوف يفضح سياسة العبث الذي تنتهجه الوزارة خصوصا وأن:

-التعميم سوف يفقد المسالك الجودة والتميز ولسوف ينقشع الضباب عن واقع كارثي

-غياب تكوين اساتذة المواد العلمية وإعادة تأهيلهم في الفرنسية لن يؤدي إلا إلى تدني مستوى التلاميذ وبالتالي خبيبة أمل التلاميذ وأوليائهم

-وإذا أضفنا إلى ما سبق: تزايد أعداد الأساتذة المتعاقدين في المواد العلمية والأقسام الإشهادية، فإن الكارثة سوف تكتمل بامتياز

-تعميم المسالك الدولية قد يسهم حقا في تحسن مستوى التلاميذ في اللغة الفرنسية ولكن لا أحد يضمن الاحتفاظ بالمستوى الجيد في المواد العلمية التي لم تعد ضمن معيار اختيار التلاميذ في الشعب العلمية والتقنية

-اعتماد المسالك العلمية لم يأت نتيجة تقويم رصين للمنظومة التعليمية، ولا نتيجة دراسة علمية موثوقة رصينة، ولا بعد إجماع من الفاعلين في مجال التربية والتعليم، وإنما جاء نتيجة إملاءات وقرارات متسرعة منفردة، لهذا من الطبيعي أن يكون مآلها الفشل الذريع.

-تعميم المسالك الدولية يدفع الوزارة مستقبلا لتغيير الاسم لتصبح جذع مشترك علمي وعلوم تجريبية وعلوم رياضية وعلوم فيزيائية وليتضح جليا ان الهدف الكبير من المسالك كان هو العودة إلى تدريس المواد العلمية باللغة الفرنسية. ولما لاقت معارضة شديدة وجدلا كبيرا في المجتمع المدني رجعوا من النافذة عبر المسالك الدولية.

المسارات المهنية

إن المتتبع للمنظومة التعليمية ببلادنا ليكتشف بسهولة أن المسارات المهنية بشقيها انطلقت انطلاقة متعثرة مما أدى إلى عزوف ظاهر من الآباء والتلاميذ عن هذه الخيارات. وللأمانة فإن تعثر هذا الخيار وتراجع الإقبال عليه لا يرجع للخيار نفسه، بل لعدم تهييئ ظروف الانطلاقة الجيدة وظروف النجاح لهذا الاختيار.

إن سنة 2018 تميزت في ما يخص المسارات المهنية بتراجع حاد في عدد الأقسام وعدد التلاميذ بهذا الخيار، وقد لوحظ تزايد كبير في طلبات إعادة التوجيه لفائدة المسالك العادية، وذلك للأسباب التالية:

- ضعف بنية الاستقبال في مراكز التكوين التابعة لمكتب التكوين المهني وإنعاش الشغل؛ هذه المراكز عرفت نقصا في الأطر التي انصرف جلها للعمل في القطاع الخاص أو أحيل على التقاعد. كما أن لاندماج قطاع التكوين المهني في وزارة التربية الوطنية دورا حاسما في تبني أطر التكوين المهني المسارات المهنية التي كان يتحمس لها مدير التكوين المهني المعفى من مهامه[15]؛

-عدم جاذبية العديد من الشعب والمسالك بالنسبة للتلاميذ وأوليائهم

-كثير من الشعب في المسارات والباكالوريا المهنية، لا تستهوي الفتيات، وهي في الذاكرة والمخيلة الشعبية خاصة بالذكور: الكهرباء، التركيب الصناعي، التبريد والتكييف، كما أن العديد من التلاميذ وأوليائهم لم يفرقوا بعد بين هذه المسارات المهنية التي تنتهي بالباكالوريا وبين التكوين المهني الذي ينتهي بدبلوم؛

-انعدام التداريب في المقاولات والشركات كما وعد به التلاميذ والأولياء، يفرغ المسارات المهنية من محتواها، فيضيع الشق التطبيقي العملي، الذي من المفروض أن ينال حصة الأسد من الاهتمام؛

-تدريس المواد العلمية والمهنية باللغة الفرنسية كارثة بكل المقاييس، فكيف يعقل استقبال التلاميذ بهذه المسارات بمستوى جد متدن في الفرنسية، ويدرسون المواد العلمية والمهنية ذات المعاملات المرتفعة بلقة لا يتقنونها، بل لا يحبونها، إنه العبث وكفى؛

-انعدام الترابط بين شعب المسارات المهنية في الإعدادي ومسالك الباكالوريا المهنية في التأهيلي مما يدفع التلاميذ إلى التراجع أفواجا أفواجا عن المسارات المهنية؛

-غياب تحفيز حقيقي سواء للتلاميذ أو الأساتذة؛

-عدم استيعاب سوق الشغل لخريجي معاهد التكنولوجيا التطبيقية والمدارس العليا للتكنولوجيا، يترك حتما أثره على الراغبين في المسارات المهنية

-البعد الجغرافي البين بين مراكز التكوين التي توفر التطبيقات وبين الثانويات التأهيلية

 وخلاصة الأمر إن التوجيه التربوي في بلادنا في حاجة إلى تفعيل وتأهيل وتطوير وإعادة الاعتبار لأطر التوجيه والتخطيط التربوي. كما أن الشعب والمسالك في أمس الحاجة إلى تنويع وتعدد حقيقي لتتماشى مع الحاجيات الاقتصادية والاجتماعية للشباب. وللإنصاف والأمانة؛ فإن المسارات المهنية كان بإمكانها أن تكون حلا مناسبا لتنافر سوق الشغل ومتطلباته مع مواصفات جامعات ومدارس تخرج أفواجا من الشباب دون تجربة عملية ودون خبرة ودون صنعة. ومن الطبيعي أن تجني بلادنا نتائج وخيمة مادامت المنطلقات والسياسات غير صائبة وغير موفقة. ولا أحد يجني من الشوك العنب.

خلاصات عامة

انطبع قطاع التربية والتكوين لهذا الموسم على مستوى الأحداث بجملة التوترات التي نجمت عن العديد من الإجراءات التي اتخذت ابتداء من فرض ترسيم توقيت جديد أثر على إيقاعات الحياة المدرسية وانتهاء بتداعيات فرض القانون الإطار وما طرحه من خيارات الانتصار للفرنسية على مستوى السياسة اللغوية، وضرب المجانية، وتغييب قيم الهوية الوطنية، وفرض التعاقد في التوظيف، مرورا طبعا بجملة الإجراءات الإدارية والتدابير التنظيمية التي ستمضي في تنزيل مشاريع الرؤية الاستراتيجية في ظل هشاشة قوية واضحة في بنيات الاستقبال والموارد وتقادم بين في البني البيداغوجية والمنهاجية. هذا وسيستمر توالي تقارير المؤسسات المعينة التي ستقدم تقييمات مختلفة لجوانب كثيرة من المنظومة كان على رأسها تقييم البرنامج الاستعجالي الذي عرف هدرا فظيعا للمالية العمومية لم تحرك على إثره أي آلية للمحاسبة رغم التغني الذائع بربط المسؤولية بالمحا