التعليم بالمغرب في زمن كورونا

التعليم بالمغرب في زمن كورونا

حوار-مع-د-مصطفى-شكٌري-حول-كتابة-التعليم-بالمغرب-في-زمن-كوروناDownload صدر للدكتور مصطفى شكٌري، المفتش التربوي والباحث الرئيس بالمركز المغربي للأبح

تمويل نظام التعليم بالمغرب
جائحة كورونا والمجتمع المغربي
أزمة التعليم وسؤال الإصلاح

صدر للدكتور مصطفى شكٌري، المفتش التربوي والباحث الرئيس بالمركز المغربي للأبحاث وتحليل السياسات كتابا جديدا يحمل عنوان “التعليم بالمغرب في زمن كورونا: المنجز والتحديات”.  يأتي الكتاب الذي جاء في 148 صفحة وضم لائحة مهمة من المصادر والمراجع في الموضوع في سياق التفاعل مع مجريات التحولات التي برزت في ظل الجائحة والتي طبعت مجال التربية والتعليم ببلادنا، وهو ثمرة دراسة وتحليل ترصد أهم المنجزات التي تحققت في تدبير التعليم إبان زمن الجائحة، وكذا أهم المشاكل والتعثرات التي حالت دون تحقيق المبتغى من هذا النوع من التعليم خاصة في ضمان الاستمرارية البيداغوجية وتحقيق جودة التعلمات. قصد التعرف على الكتاب أكثر يسعد المركز المغربي للأبحاث وتحليل السياسات أن ينجز هذا الحوار مع صاحب الكتاب: الدكتور مصطفى شكٌري متمنيا له دوام التألق المعرفي لما في صالح البحث العلمي ببلادنا

 – سؤال 1: بداية، وطبعا بعد تهنئتكم بهذا العمل العلمي، نود أن نعرف ما هي السياقات التي أطرت صدور كتابكم هذا ” التعليم بالمغرب في زمن كورونا: المنجز والتحديات؟

جواب:

 يمكننا أن نتحدث عن سياقين اثنين: سياق خاص هو سياق الاشتغال من داخل المركز المغربي للأبحاث وتحليل السياسات في إطار التتبع الرصدي التحليلي لوحدة البحث في التربية والتعليم بالمركز لواقع التعليم بالمغرب؛ فبحكم الممارسة المهنية والاهتمام بالدراسات البحثية التدخلية عملنا على الكشف عن واقع قضايا التربية والتعليم ببلادنا في الفترة التي اعتمد فيها التعليم عن بعد والتعليم التناوبي، لينضاف هذا الكتاب إلى سلسلة البحوث والتقارير التي أصدرها المركز المغربي للأبحاث وتحليل السياسات ضمن تقاريره السنوية منذ 2009 .

في السياق العام صدر هذا الكتاب محكوما بظرفية جائحة كورونا التي فرضت إغلاق المدارس، وانقطاع التلاميذ عن الدراسة، واعتماد أنماط تعليمية جديدة إما تعليما عن بعد وإما تعليما بالتناوب، وما نتج عن هذه الظرفية من إشكالات متعددة أظهرت عدم قدرة منظومتنا التربوية على التعامل مع وضعية الأزمات، وما برز من ترسيخ البعد البنيوي للأزمة في قطاع التربية والتعليم والتكوين والبحث العلمي، وغير ذلك من الأمور التي فضحت سنوات من التدبير الفاشل لمجال يحسب فيه للأخطاء ألف حساب وحساب. فكان لا بد لنا واستمرارا في مشروع كنا قد بدأناه داخل المركز المغربي للأبحاث وتحليل السياسات من الإدلاء بدلونا في مجال رصد وتشخيص واقع المنظومة التربوية في فترة الجائحة بكل وضوح ومسؤولية وصدق بعيدا عن لغة التسويق لأوهام النجاح التي تغنت بها الدولة من دون أن يكون لها كبير أثر في الواقع التعليمي في مستويات عديدة.

– سؤال 2: هل يمكن أن تضع القارئ في صلب أهم القضايا والموضوعات التي تناولتها في الكتاب؟

جواب:

سيجد القارئ في الكتاب على مستوى البنية الهيكلية خمسة مقالات ودراسات، تناولت قضايا مرتبطة بتدبير الدولة لمنظومة التربية والتعليم ببلادنا إبان فترة الجائحة، بمعنى أنه هذه الدراسات كتبت في سياق التفاعل مع مجريات التحولات التي برزت في ظل الجائحة، لذا سيلمس القارئ في قضايا الكتاب بعدين: بعدا رصديا تشخيصيا يعرض لواقع السياقات المؤطرة للتعليم في علاقته بفشل التنمية وتفاقم اللامساواة،  ولجملة من المستجدات العامة للمنظومة التربوية خلال فترة الجائحة، ولحقائق التعليم عن بعد في المغرب، وكذا لجملة الأعطاب التنموية في قطاع التعليم بالمغرب في سياق الجائحة. ثم نجد بعدا تحليليا استشرافيا يسائل صورة المدرسة وجاذبية التمدرس في زمن كورونا وما بعد كورونا، ويبحث في الديناميات الممكنة والبدائل المتاحة وبعض ملامح الاستشراف المستقبلي لما تنتظره منا منظومة منهكة أصلا.  عموما وكما أوردنا ذلك في مقدمة الكتاب سيجد الباحث في هذه الصفحات تأطيرا عاما لسياقات اعتماد التعليم عن بعد في المغرب، وسيقرأ أسطرا عن تجليات التعثرات التي تمنع من تحقيق التنمية الممدوح في نماذجها المتتالية أمس الموسومة بكل نقيصة اليوم، وستكشف فقرات طويلة من بعض دراسات هذا المكتوب عن المنجز الذي تم في التعليم في ظل جائحة كورونا، وعن الإكراهات التي منعت بلوغ المنى، وكذا عن التحديات التي من الضروري مجابهتها لولوج العوالم الرقمية الهاجمة من كل حدب وصوب، وسيقف معنا الدارس في جزء من هذه الصفحات عند واقع بحث علمي لم يكن في مستوى الإجابة عن الأسئلة المقلقة المحرقة في زمن الوباء والبلاء.

– سؤال 3: في نظركم ما هي حقائق واقع التعليم بالمغرب في زمن كورونا؟

 جواب:

طبعا ليس بوسعنا أن ننكر أنه قد بذلت جهود من أجل ضمان استمرارية الدراسة، وهي جهود كان الفضل الكبير فيها لرجال ونساء التعليم كلهم مدرسين ومؤطرين ومديرين ومتدخلين وفاعلين تربويين آخرين، لكن نظرة الإنصاف الصادقة تفرض أن نقول وبصراحة أن هذه الجهود لم تكن عملا مؤسساتيا مفكرا فيه، بل ولأسف لقد كانت الدولة تستولي على جهد الآخرين لتنسبه إلى هياكلها الفارغة (وفعلها في إنتاج الموارد الرقمية ذائع سار؟)، من هنا وبعيدا عن فذلكات الأرقام التي تشيد بما أنتج من موارد رقمية، وتوبع من منصات إلكترونية، وما أنجز من دروس تلفزية وما وزع من دعائم ورقية وما تحقق من نتائج في التقويم التربوي في زمن لم يدرس فيه التلاميذ كما ينبغي، سيكشف الرصد المتأني المتتبع تعثرات فظيعة قلنا عنها ونعيد أنه “لا تفيد اللغة المتأنقة المستعارة، ولا بديع القول وجميل التفنن فيه في  إخفاء آلام الجراح الناكثة في جنب التربية والتعليم”. ولعلنا نجمل بضع معطيات تضع القارئ في صلب عمق حقائق واقع التعليم ببلادنا في زمن كورونا وبعده والتي لم تكن سوى مزيد كشف لواقع متأزم كان قبل كورونا التي يظهر أحيانا أننا نلصق بها كل بلية ورزية كانت وستكون.

لنقف عند كون الجائحة على المستوى العالمي خلقت وضعا متأزما أدى إلى “سقوط 100 مليون شخص في براثن الفقر المدقع خلال عام 2020 دفعة واحدة”، وإلى حدوث “أكبر انقطاع في نظم التعليم في التاريخ”؛ وهو ما يعني تعميق التفاوت وعدم المساواة، وتقلص فرص تحصيل التعليم وضعف الجودة خاصة للذين يحيون وضعية هشة، وفي بلادنا عموما وبسبب ثلاثية الجفاف ونتائج الأزمة الاقتصادية، وسوء التدبير الجيد لزمن الجائحة سيتعاظم لدينا    تعميق انعدام المساواة وتزايد التفاوتات، وهو ما سيمس بتنمية رأس المال البشري، وسيعيق بلوغ أهداف التنمية المستدامة وتحقيقها. ستضعنا الجائحة في قلب فشل النموذج التنموي وسيكون التعليم أحد العوامل الحاسمة في هذا الفشل بسبب غياب الجودة والفاعلية والنجاعة المطلوبة وضعف معدل سنوات التمدرس و”ضعف الأداء في مجالات التعليم المتقدم والاندماج الاجتماعي”.  وتدهور “العائد” الإجمالي من الإنفاق على التعليم وتضخم معدلات التسرب والهدر وضعف الجودة والتصنيف المتدني في الترتيب الدولي في مجال اختبارات التحصيل الدراسي، وفي المخرجات العامة المؤهلة لسوق الشغل.

كشفت الجائحة عما سميناه في غير هذا المقام بالبنية الرقمية الهشة والعتاد المعلوماتي المهترئ؛ إذ رغم الاستثمارات التي هدرت في برنامج جيني وغيره لم تفلح استراتيجيات المغرب الرقمي في سد الفجوة الرقمية المتنامية عندنا ولا في “إرساء نظام معلوماتي متكامل ومندمج يمكن من قيادة المنظومة التربوية”. وعاش التلاميذ البعد عن التعليم لا التعليم عن بعد في ظل ضعف الربط الشبكي وضعف الصبيب وانعدام كفايات التلقي التقني. وأفرزت لنا وضعية الجائحة تعلمات ضائعة وجودة مفقودة، كانت ضائعة ومفقودة أصلا باعتراف تقاريرهم الرسمية نفسها التي تتحدث مثلا عن “حوالـي ثلثـي التلاميـذ لا يكتسـب المهـارات الأساسـية عنـد نهايـة التعليـم الإلزامـي، سـواء تعلـق الامـر بالمهـارات المعرفيـة أم الحياتية”، أو تورد وجود  هذا التدني الكبير لمستوى تحصيل التلامذة المغاربة فمن ذلك هو أحتى إن   %  64  من الأطفال في المغرب لا يستطيعون قراءة قصة بسيطة وفهمها في نهاية المرحلة الابتدائية، ولا تسأل بعد عن بحث علمي هزيل ابتكارا ونشرا ومشاركة وإشعاعا، ولا عن هجرة الكفاءات والأدمغة وضعف مؤشر تنافسية المواهب العالمية.

علينا أن نعرف أن هناك جوانب في التناول مازالت بحاجة إلى مزيد دراسة لتعميق البحث في آثار الجائحة على التعليم والمتعلمين، أخص هنا وبشكل ملح اضطرابات إيقاعات التدبير البيداغوجي للتعلمات الصفية أثناء التعليم عن بعد وأثناء التعليم التناوبي وتخبطات الدلائل المنجزة للتدبير البيداغوجي للتعليم التناوبي، والآثار النفسية ل “فوبيا الجائحة” على المتعلمين.

– سؤال 4. بعد هذا الجهد الرصدي التوثيقي ما هي في نظركم الحلول المستقبلية التي ترونها كفيلة بإخراج التعليم عندنا مما هو فيه من تعثرات خاصة في ظل الحديث عن رؤية استراتيجية ونهضة تربوية منتظرة في إطار نموذج تنموي جديد؟

جواب:

على المستوى العام نحتاج إلى مقاربة شمولية، ومساءلة شجاعة، ومحاسبة رصينة، وتعاقدات مجتمعية مسؤولة واضحة. وعلى المستوى السياسي نريد ربط المسؤولية بالمحاسبة للفاعل السياسي الذي حكم القطاع منذ الاستقلال وتجاوز إلقاء التبعات على الجهاز التدبيري التنفيذي. على مستوى مقاربة نهج الإصلاح لا بد من الانفكاك من منهج فرض الإصلاحات الفوقية المحددة سقفا وخطوطا لصالح تشخيص دقيق ينفذ إلى عمق أزمة التعليم لا إلى تجليات أعطابها المتنامية. وأزمة التعليم تكمن في التحكم السياسي والتجاذبات السياسوية، والاستجابة للإملاءات الدولية للمؤسسات المانحة، وغياب مشروع وطني متوافق عليه للمدرسة المغربية. على المستوى العملي نحن في حاجة إلى حوار مجتمعي واضح وصريح ومسؤول يضع المدرسة المغربية تاريخها، وصانعي سياساتها، وأعطابها، ونتائجها موضع نقاش واسع حر من دون خطوط حمراء ولا سقوف متدنية.

 من التحديات التي أمامنا والتي تحتاج إلى جواب جماعي وابتكار تجديدي، تحدي صياغة قرار وطني يخص التعليم، و التحدي القيمي والأخلاقي، وتحدي الفاعل التربوي، وتحدي التمويل، و تحدي البحث العلمي و تحدي السياسة اللغوية، وتحدي الجودة، وكلها تحتاج عملا قويا على إعادة الثقة إلى مؤسسة المدرسة ليكون الاحتضان الشعبي الواعي الحصن الحصين الضامن لوضع التعليم على سكة التغيير الحقيقي الذي سيكون لا شك طويلا ومتعبا لكن نتائجه ستكون على الأقل مضمونة العواقب في تحقيق الرقي بمنظومة عانت منذ كانت الفشل البنيوي عن مل نقل الإفشال المقصود.

COMMENTS