الدين في الفضاء العام: كيف تتعامل السلطات الدينية في دولة مالي في ظل أزمة فيروس كورونا ؟

الدين في الفضاء العام: كيف تتعامل السلطات الدينية في دولة مالي في ظل أزمة فيروس كورونا ؟

توطئة تعتبر الأزمة الصحيّة العالمية الناشئة عن تفشّي الفيروس كورونا حدثًا بنيويا شاملا سيترك آثارا عظيمة ـ بشكل أو بآخر ـ على كلّ مجالات النشا

إصدار جديد للمركز المغربي للأبحاث وتحليل السياسات : كتاب
ومضات اقتصادية للتواصل الاجتماعي
إعادة تركيب الحقل النقابي المغربي

توطئة

تعتبر الأزمة الصحيّة العالمية الناشئة عن تفشّي الفيروس كورونا حدثًا بنيويا شاملا سيترك آثارا عظيمة ـ بشكل أو بآخر ـ على كلّ مجالات النشاط البشري. انتشر في رسائل التوعية التي بُثّت في وسائل الإعلام المحلّية والعالمية التأكيدُ على الخاصيّة الديمقراطية للفيروس كورونا للتعبير عن عدم تفريقه بين الرجل والمرأة، والغنيّ والفقير، والأبيض والأسود، والصغير والكبير، والمسلم والمسيحي… هذه الخاصيّة كما تصدُق على مستوى الأفراد تصدق كذلك على مستوى القطاعات الحيوية للحياة. فما من قطاع حياتي مهمّ إلاّ اقتحمته آثار هذه الأزمة الصحّية بشكل واضح وجليّ بما في ذلك القطاع الديني.

فيما وراء البعد الروحي، فإنّ الفعل الديني في إحدى تمثلاته الجوهرية ظاهرةٌ اجتماعية. فالكثير من الممارسات الشعائرية في الديانات تؤدّى بشكل جماعي، ولذا كانت دُور العبادة وأماكن عقد المهرجانات الدينية من أهمّ أماكن التكتّل البشري، الأمر الذي يجعلها عُرضة لتكون بؤرا لانتشار الفيروس.

على ضوء ذلك، كان إغلاقُ دور العبادة، وتعليقُ المهرجانات الدينية من أهمّ التدابير الاحترازية التي اتخذتها حكوماتُ دولِ العالم للتصدّي لتفشّي الفيروس كورونا. وقد أدّى ذلك إلى سَوْق الدين مرّة أخرى إلى الفضاء العامّ كأحد أهمّ موضوعات النقاش العمومي التي تسترعي اهتمام العامّة والخاصّة.

هذه الورقة تحاول أن ترصد حضور الدين في الفضاء العام في دولة مالي في سياق الأزمة الصحيّة الناتجة عن تفشّي الفيروس كورونا. وتتمثّل الإشكالات البحثية التي تروم الورقة مقاربتها في الإجابة عن الأسئلة الآتية:

ـ ما موقف السلطات الدينية من التدابير الاحترازية التي اتخذتها الحكومة للتصدّي لتفشّي الفيروس؟

ـ كيف حضر الدّين في النقاش العمومي في سياق إدارة أزمة الفيروس كورونا؟

ـ كيف تفاعلت السلطة الدّينية مع السلطة السياسية في مواجهة الفيروس كورونا؟

ـ هل من تأثير لهذه الأزمة الصحيّة على مستقبل علاقة الديني بالسياسي في مالي؟

قبل الشروع في صميم الموضوع، رأينا من المناسب أن نَعرض للقارئ جملة من القضايا التمهيدية التي تساعده على وضع الموضوع المتناوَل في سياقه العامّ. وهذه القضايا هي: واقع الحالّة الوبائية في مالي، تاريخ ومسارات حضور الديني في الفضاء العامّ. بعد هذه المحاور التمهيدية سنتطرّق إلى موقف القيادات الدينية من تدابير الوقاية من تفشّي الفيروس مستعرضين وجوه التفاعل بين السلطة الدّينية والسلطة السياسية في إدارة الأزمة.

وتجدر الإشارة إلى أنّ الورقة اعتمدت أساسا على رصد وتحليل البيانات التي توثّق لمختلف تفاعلات القيادات الدينية مع الأزمة الصحّية. ومصادر هذه البيانات هي وسائل الإعلام المسموعة والمقروءة التي تنقل الأحداث بشكل يومي ومستمر.

واقع الحالة الوبائية في مالي

القارة الإفريقية التي بقيت في البداية بمنأى عن فيروس كورونا لفترة طويلة، تعاني اليوم على غرار قارات العالم كلّها من الأزمة الصحيّة العالمية الناتجة عن تفشّي الفيروس. صحيح أنّه على خلاف كلّ التوقّعات المتشائمة التي كانت تنتظر حدوث كارثة في إفريقيا بسبب الجائحة[1]، فإنّ القارّة السمراء تعتبر ـ بسبب أو بآخر ـ أقلّ القارات تسجيلا لضحايا الفيروس. رغم ذلك فإنّ الفيروس ما زال موجودا في القارّة وينتشر بشكل سريع ومتفاقم جدّا، حيث تجاوز عدد المصابين به سقف 200 ألف شخص منذ منتصف شهر يونيو.

رغم العدد الهائل للجاليّة الماليّة في الخارج (6 ملايين)[2] من جهة، ووجود أكثر من 15 ألف عنصر من عناصر البعثة الأممية للسلام في الدولة من جهة أخرى، فإنّ من الغريب أنّ دولة مالي تُعتبر من أواخر دول العالم التي سجّلت حالات إصابة بالفيروس في أراضيها.

في 26 من شهر مارس بعد أن اقتحم الفيروس كلّ الدّول المجاورة، أعلنت دولة مالي عن أوّل حالتي إصابة بفيروس كورونا في أراضيها، ومنذ ذلك الوقت إلى يومنا هذا، يواصل الفيروس انتشاره وتتوسّع دائرته الجغرافية.

تفيد المعطيات الإحصائية بتاريخ 26/06/2020 بأنّ مجموع حالات الإصابة بالكوفيد 19 في مالي هو 2060 حالة، من بينها 1387 حالة تعاف ما يساوي نسبة 67.33% من الحالات المؤكّدة، ومن بينها كذلك 113 حالة وفاة ما يعادل 5.48% من الحالات المؤكّدة[3].

تُظهر مقارنة نسبة الوفيات من مجموع الحالات المؤكّدة في مالي مع غيرها من الدول الإفريقية (بين 2% و3%)، بأنّ النسبة في مالي مرتفعة. تفسّر السلطات الصحيّة هذا الارتفاع بأنّ نسبة الوفيات التي سُجّلت في مراكز الرعاية الصحيّة هي 3.3%، والباقي عبارة عن حالات مكتشفة بعد وفاة أصحابها خارج المراكز الصحيّة[4].

الرجال أكثر إصابة بالفيروس من النّساء، فنسبة الرجال من مجموع المصابين هي 68% مقابل 32% للنّساء. وكلّ الفئات العمرية موجودة في حالات الإصابة، أصغر مصاب مسجّل عمره شهران، وأكبر المصابين سنّا عمره 93 سنة. 70.13% من المصابين تتراوح أعمارهم بين 15 و54 سنة[5].

على مستوى التوزيع الجغرافي، فإنّ الفيروس وصل إلى كلّ الأقاليم الإدارية في 36 مقاطعة (دائرة) صحيّة. العاصمة بماكو تستحوذ على نصيب الأسد من الإصابات، مع 970 حالة مسجّلة ما نسبته 47% من مجموع الإصابات في الدولة[6]. الصعود المتنامي لحالات الإصابة في مدينة تنبكت في الآونة الأخيرة مصدر قلق كبير لدى السلطات الصحيّة.

رغم وجود عوامل كثيرة تزيد من هشاشة الدولة أمام هذا الفيروس، فإنّ حالات الإصابة في مالي بالمقارنة مع الوضع العام في إفريقيا ضئيلة نسبيا. ربّما السبب في ذلك هو قلّة عدد الفحوصات؛ حيث تفيد الإحصاءات بأنّ عدد الفحوصات التي أُجريت في المختبرات إلى غاية 26 يونيو هو 13486 فحصا[7]، يعني في المتوسّط لا يتجاوز عدد الفحوصات اليومية منذ بداية الأزمة 115 فحصا في اليوم.

ومع الأسف، إلى يومنا هذا لا توجد أيّة مؤشّرات تسمح بالتنبّؤ للفترة التي يمكن أن يصل فيها الوباء في الدّولة إلى الذروة، ومن ثمّ بداية العدّ التنازلي لحالات الإصابة. وذلك لأنّ تطوّر الحالات عشوائي، المنحنى يصعد ويهبط بطريقة غير منتظمة، ما يدلّ على أنّ هناك مشكلة في خطّة المواجهة.  

الدين في الفضاء العام في مالي: التاريخ والمسار

تاريخيا، كان الدين حاضرا دائما في الفضاء العام المالي. فقد احتضنت هذه الأرض إمبراطوريات وممالك ذات مرجعية إسلامية تركت بصمات واضحة في التاريخ الإسلامي العامّ. مع الاستعمار واستيراد نماذج الحكم الشرقية والغربية عملت السلطات العامّة على خصخصة الدّين وإزاحته عن الفضاء العامّ. بعد الانتفاضة الشعبية سنة 1991 التي دشّنت مسار الانتقال الديمقراطي في مالي، استفادت السلطات الدينية من أجواء الانفتاح السياسي لتفرض نفسها كإحدى أهمّ القوات الاجتماعية المؤثّرة في مسار الحياة العامّة في الدّولة.

تتميّز القيادات الدينية في مالي بامتلاكها لقاعدة شعبية عريضة، وقدرتِها الفائقة على الحشد الاجتماعي والتعبئة الشعبية بشكل لا يضارعها في ذلك أيّة قوّة اجتماعية أخرى. وقد أهّلها ذلك للعب أدوار محورية في كلّ القضايا العامّة التي تهمّ واقع الشعب ومستقبله.

أدّى اندلاع الأزمة الأمنية في شمال البلد سنة 2012 وما ترتّب على ذلك من انقلاب عسكري في نفس السّنة إلى انهيار شبه كامل لدولة مالي ومؤسساتها التقليدية. القوّات العسكرية انقسمت على نفسها إلى قطبين متصارعين: أصحاب القبّعات الحمراء في طرف، وأصحاب القبّعات الخضراء في طرف آخر. أمّا الأحزاب السياسية وحركات المجتمع المدني فقد انشقّت هي الأخرى أيضا ما بين مؤيّد للانقلاب ومعارض له. بينما هؤلاء في حرب ضروس فيما بينهم في العاصمة بماكو كانت مناطق الشمال تتهاوى واحدة تلو أخرى على يد المتمرّدين وحلفائهم الإرهابيّين.

في سياق هذا الانفلات الأمني وهذه الفوضى السياسية العارمة، برزت المؤسسة الدينية بوصفها القوّة الاجتماعية الوحيدة القادرة على إحداث توازن بين القوى المتصارعة. وقد نجحت في لعب هذا الدّور بشكل كبير سواء في فترة حكم العسكر أو في الفترة الانتقالية. ثمّ ساهمت بشكل أكبر في إيصال الرئيس الحالي إبراهيم بوبكر كيتا إلى الحكم في الانتخابات الرئاسية سنة 2013.

في حدود 2016، بدأت العلاقات تتدهور بين الرئيس كيتا وبعض الرموز الإسلامية المهمّة في البلاد، وبالأخصّ الإمام محمود ديكو رئيس المجلس الأعلى الإسلامي حينئذ والشيخ محمّد ولد شيخنا حماه الله المشهور ب “بوييه” زعيم الطريقة الحموية. تفاقمت الخلافات بين الرئيس والزعيمين الدينيين، ولم تنجح محاولات الإصلاح التي جاءت متأخّرة في ردم الهوة الناشئة بين الأصدقاء القدماء.

مع الزمن، تحوّل هذا الخلاف الذي نشأ ضعيفا إلى مواجهة حقيقية. استثمر الإمام ديكو وحليفُه خيبةَ أمل أطياف واسعة من الشعب جرّاء تدهور الوضع الأمني وإخفاق برامج الإقلاع الاقتصادي، وقادا حركات احتجاج متتالية ضدّ سياسات الرئيس.   

الاحتجاج الأوّل حدث في 23 ديسمبر 2018 في قصر المؤتمرات آمادو هامباطي باه، وقد كان هدفه الأساس التصدّي لمشروع إدراج التربية الجنسية الشاملة في المدارس الابتدائية والذي كان يحظى بدعم مالي من قِبل هولاندا. بعد ذلك بأشهر قليلة قاد الشيخان احتجاجا آخر بمشاركة من المجلس الأعلى الإسلامي وقوى سياسية واجتماعية أخرى بتاريخ 10 فبراير 2019 طالَبَا فيه بإقالة رئيس الوزراء. ثمّ رجع الشيخان إلى الشارع بتاريخ 05 أبريل 2019 احتجاجا على سوء الإدارة والتدهور الأمني في البلد بعد مقتل أكثر من 170 مدنيا في قرية أوغوساغو. أدّت هذه المسيرة إلى استقالة رئيس الوزراء سوميلو بوبي ميغا بتاريخ 18 أبريل 2019.

يعتبر إنشاء تنسيقية الحركات والجمعيات المتعاطفة مع الإمام محمود ديكو (سيماس) في سبتمبر 2019 نقطةَ تحوّل كبيرة في صراع الإمام مع الرئيس. يتمثّل هدف التنسيقية في تأسيس تكتّل سياسي يعمل من أجل تحقيق رؤى الإمام السياسية. وجراء ذلك لاقت نتائج الانتخابات التشريعية التي أعلنتها المحكمة الدستورية في مايو 2020 رفضا شعبيا كبيرا. ف انطلقت مظاهرات في أكثر من منطقة في البلد للإعلان عن عدم الرضى بالنتائج.

في سياق هذا الغضب الشعبي العارم استطاعت تنسيقية الحركات والجمعيات المتعاطفة مع الإمام محمود ديكو إنشاء تحالف سياسي للمطالبة باستقالة الرئيس وحلّ كلّ مؤسسات الدّولة، عُرف هذا التحالف فيما بعد بحركة 05 يونيو تجمُّع القوى الجمهورية. قادت هذه الحركة الجديدة مظاهرتين شعبيتين عارمتين لم يُشهد لهما نظير في التاريخ السياسي للدولة وذلك بتاريخ 05 و19 يونيو 2020.

هذا هو السياق السياسي والاجتماعي الهائج الذي ولج فيه فيروس كورونا دولة مالي في نهاية شهر مارس الماضي. فما هو موقف القيادات الدينية من التدابير الوقائية؟ وكيف تفاعلت مع الأزمة الصحيّة؟ وما مستقبل علاقة الديني بالسياسي في السياق المالي؟ 

البعد الديني في التدابير الوقائية وموقف القيادات الدينية منها:

في سياق السابق الذكر، ندرك أنّه كان من الطبيعي أن تحضر السلطات الدينية في مالي بشكل كبير في النقاش العمومي المتعلّق بمواجهة فيروس كورونا، ليس فقط لكون السلطات الدّينية إحدى أهمّ القوى المجتمعية المؤثّرة في مسار الحياة العامّة في البلد، بل لأنّ التدابير الاحترازية التي اتخذتها حكومات العالم تمسّ المجال الديني بشكل مباشر، مثل إغلاق المساجد والزوايا وتعليق الاحتفالات الدينية.

بعد أن اكتُشفت حالات إصابة بالفيروس في الدّول المجاورة في بدايات شهر مارس 2020، بدأت السُلطات العامّة المالية في وضع وتنفيذ خطط المواجهة للتحرّز من ولوج الفيروس إلى الدولة ومواجهته بعد ولوجه. في سياق ذلك، انعقد بتاريخ 17 مارس 2020 اجتماعٌ استثنائي للمجلس العالي للدّفاع الوطني بقيادة رئيس الدّولة لمناقشة التدابير الوقائية التي يجب اتّخاذها لمواجهة الجائحة العالمية في البلد. صدرت خمسة قرارات مهمّة عن الاجتماع هي:

  1. تعليق الطيران التجاري مع الدّول التي فيها الفيروس إلى إشعار جديد.
  2. إغلاق المدارس العامّة والخاصّة والدينية (الروضة، الابتدائية والثانوية والعليا) بما في ذلك المدارس العربية الإسلامية لمدّة ثلاثة أسابيع.
  3. تعليق كلّ التجمّعات العامّة بما في ذلك الأوراش والمؤتمرات والمحاضرات والمسيرات الشعبية إلى إشعار جديد.
  4. منع كلّ التجمّعات الاجتماعية والرياضية والثقافية والسياسية التي يتجاوز عدد المشاركين فيها 50 شخصا إلى إشعار جديد، كمراسيم الزفاف والعقيقة والجنازة.
  5. إغلاق الملاهي الليلية والمراقص.

على هامش هذه التدابير، يشير البيان الصادر عن اجتماع المجلس العالي للدفاع الوطني إلى أنّ الحكومة ستدخل في مشاورات مع مسئولي المجلس الأعلى الإسلامي ورابطة الأئمّة والكنائس الكاثوليكية والبروتستانتية وغيرها من السلطات الدينية والثقافية من أجل التوافق على التدابير المناسبة لتأمين صحّة الأتباع[8].

وبالفعل، عقدت الحكومة عبر رئيس الوزراء جلسة تشاور مع المؤسسات الدينية المختلفة بتاريخ 19 مارس 2020 بمشاركة كلّ من وزير الصحّة وأمين الدّولة المكلّف بترقية وتطوير التعليم الثنائي اللّغة[9]، كان الهدف من الجلسة هو دفع الطوائف الدينية إلى إغلاق دور العبادة دون فرض ذلك عليهم، لم تكن هذه الرغبة مؤسسة على المبادئ الدستورية المتعلّقة بعلمانية الدولة وحرّية التديّن والضمير، بل لأنّ الحكومة تدرك بأنّها ضعيفة تجاه السلطات الدينية وأنّ أيّة معارضة منها يعرّض خطط المواجهة للفشل. وتمخّضت عنه الجلسة قرار دعوة أصحاب كلّ طائفة دينية إلى التفكير في التدابير المناسبة لمواجهة الأزمة الصحيّة في دور العبادة.

الهيئة المكلّفة في المجلس الأعلى الإسلامي للنظر في موضوع شرعية إغلاق المساجد هو المكتب الوطني للعلماء، الذي يضمّ 80 عالما من كلّ مناطق الدّولة[10]. توصّل المكتب الوطني للعلماء، بعد مداولات كثيرة، إلى عدم إغلاق المساجد، وعلى ضوء ذلك أصدر المجلس بيانا بعدم إغلاق المساجد، ولكنّه أوصى باتّخاذ بعض التدابير التي تنصح بها السلطات الصحيّة كارتداء الكمامة، ووضع أدوات غسل وتعقيم اليد في أبواب المساجد، وتجنب العناق وتبادل التحيّة باليد وغيرها[11]. أمّا الطائفتان المسيحيّتان في البلد، فقد واكبتا رغبة السلطات العامّة، وأمرتا بإغلاق الكنائس وتعليق التجمّعات الدينية[12].

 بعد اكتشاف أولى حالتيْ إصابة بالفيروس في مالي، أعلن رئيس الدّولة في خطابه إلى الشعب بتاريخ 25 مارس 2020 عن حزمة جديدة من التدابير الوقائية أهمّها: إعلان حالة الطوارئ الصحيّة، وحجر التجوال من الساعة التاسعة ليلا إلى الخامسة فجرا، وإغلاق الحدود البرّية إلاّ لنقل البضائع[13]. لم يجرؤ الرئيس على الأمر بإغلاق دور العبادة، ولكنّه ضمّن خطابه فقرات تدلّ على رغبته الشديدة في ذلك، وأنّ ذلك هو الحكمة في سياق الأزمة الصحيّة الراهنة، حيث قال: “إنّ مشهد الكعبة فارغة من النّاس في يوم من أيّام الجمعة، لأشدّ وقعا على القلب من كلّ مصيبة وكارثة. نفس الشيء يقال عن مشهد الكنائس الفارغة، وبالأخصّ مشهد ميدان القدّيس بيير بمدينة روما. قرار السلطات السنّية والشيعية والمسيحية واليهودية عدم تعريض أتباعها للمرض يُنبئ عن حكمة بالغة للكتاب. الله ربّ رحيم ورؤوف، إنّه في كلّ مكان، هو في قلوبنا…”[14].

إن الإحالة إلى إغلاق أكبر دور العبادة في العالم بمثابة ضغط نفسي لدفع السلطات الدّينية إلى اتّخاذ قرار الإغلاق، فكأنّه يقول للمسلمين الماليّين: إذا أُغلق الحَرَمان المكّي والمدني وهما أقدس مسجدين في العالم فلِمَ لا تُغلقون مساجدكم؟ أمّا المسيحيّون فقد كانوا أغلقوا الكنائس بعد النداء الذي أطلقته السلطات العامّة في أعقاب أول اجتماع للمجلس العالي للدفاع الوطني كما رأينا أعلاه.

بعد دخول الفيروس إلى البلد، اختلفت مواقف القيادات الدينية المسلمة إزاء الإغلاق. ويمكن تلخيصها في ثلاثة مواقف أساسيّة، هي:

1. عدم إغلاق المساجد: بعد اكتشاف حالات مؤكّدة في الدولة، أحال المجلس الأعلى الإسلامي موضوع النّظر في شرعية إغلاق المساجد في مالي – مرّة أخرى – إلى الجهة المختصّة بإصدار الفتاوى في المجلس، وهو المكتب الوطني للعلماء. بعد المداولات ذهب المكتب إلى أنّ الحالة الوبائية في مالي لا تستلزم إغلاق المساجد، وأنّ على المسلمين الالتزام بالتدابير الوقائية التّي اتخذتها الحكومة للمنع من تفشّي الفيروس.

وهذا الأمر هو الذي التزمت به الغالبية الساحقة من مساجد مالي. ومالي من أندر الدّول الإسلامية التي استمرّت فيها المساجد على حالها مع وجود الفيروس.

هناك عوامل ساهمت في رفض المسلمين إغلاق المساجد، أهمّها:

  • عدم تأجيل الانتخابات التشريعية التّي انعقدت جولتها الأولى في 29 مارس والثانية في 19 أبريل 2020.
  • عدم إغلاق الأسواق، وهي أكبر أماكن التكتّل البشري في البلد.
  • استمرار المحطّات الطرقية في العمل، وهي أيضا من أهمّ أماكن التجمّع البشري في البلد.
  • عدم التزام الحكومة ببعض التدابير التي وضعتها، خصوصا بالنسبة لوقف حركة الطيران، حيث أحدثتْ استثناءات لطائرات قادمة وذاهبة إلى فرنسا لعدّة مرّات في بداية الأزمة.

هذا التناقض أحدث بلبلة كبيرة في رؤوس أطياف كثيرة من مسلمي مالي، ولم تُفلح محاولات الحكومة في إقناع النّاس بأنّ هناك فرقا بين السوق والمسجد، أو المحطّات الطرقية والمسجد أو الانتخابات والمسجد.

2. إغلاق المساجد: رغم أنّ موقف المؤسسّة الرسمية المُمثِّلة لمسلمي مالي إزاء إغلاق المساجد هو الرفض، فإنّ بعض القيادات الدينية المهمّة اختاروا بصفة شخصية إغلاق مساجدهم ودعوة أتباعهم إلى فعل نفس الشيء. والمفارقة هي أنّ من ضمن هؤلاء رئيس المجلس الأعلى الإسلامي نفسه السيّد عثمان مدان حيدرا زعيم جماعة أنصار الدّين إحدى أكبر الجماعات الإسلامية في مالي وغرب إفريقيا.

مع إعلان اكتشاف أولى حالتي إصابة بالفيروس في الدّولة، أعلن عثمان مدان حيدرا لا بصفته رئيس المجلس الأعلى الإسلامي، بل بصفته زعيم جماعة أنصار الدّين عن إغلاق مسجده، ودعا أتباع جماعته إلى فعل نفس الشيء. وقد وجد نداء عثمان مدان حيدرا آذانا صائغة من قبل أتباعه والدائرين في فلك خطّه الفكري والمذهبي. حيث أعلن كثير من القيادات الإسلامية عن إغلاق مساجدهم، من هؤلاء مثلا الإمام موسى جالو المقرّب من حيدرا وأحد قياديي تجمّع القيادات الروحية في مالي إحدى أكبر الجمعيات الإسلامية في الدّولة.

3. التوقّف: بالإضافة إلى الموقفين السابقين، كان هناك موقف ثالث، وهو ما يمكن تسميته بالتوقّف. ومفاده أنّ تقدير جدوى إغلاق المساجد يرجع إلى السلطات العامّة للبلد، فإذا رأت بأنّ الاستمرار في الصلوات الجماعية في المساجد يمكن أن يكون سببا لتفشّي الفيروس، فإنّ عليها تحمّل مسئوليتها وإصدار قرار بهذا الخصوص. ومن أتباع هذا الموقف الإمامُ محمود ديكو الرئيس السابق للمجلس الأعلى الإسلامي[15]. هذا على المستوى النظري، وإلاّ عمليا استمرّ أصحاب هذا الموقف في فتح المساجد.

القيادات الدينية وتحدّي الالتزام بالتدابير الاحترازية:

إن تزامُن دخول الفيروس إلى البلد مع فترة الصيف وشهر رمضان لمن المحدّدات المهمّة التي أثّرّت بشكل كبير في موقف النّاس من التدابير الاحترازية التزاما وخرقا. فشهر مارس وأبريل من أهمّ الأشهر التي تشتدّ فيها الحرارة بشكل كبير في دولة مالي، حيث يتراوح متوسّط درجة الحرارة في أغلب مناطق الدّولة ما بين 40 و45 درجة. اعتاد كثير من الشباب الماليّين في الصيف الجلوسَ خارج المنازل في اللّيل فرارا من الحرارة، بل إنّ كثيرين منهم ينامون في الخارج، الأمر الذي يتعارض مع حجر التجوال. وقد خرق الكثير من الماليّين الحجر المفروض في اللّيل. فحسب التصريحات التي أدلى بها المدير العامّ للشرطة، فإنّه إلى غاية 3 أبريل (يعني بعد أسبوع من بداية حجر التجوال) استدعت الشرطة 4350 شخصا، وحجزت 639 درّاجة و207 سيّارة[16]. ورغم إنكار المدير العامّ للشرطة فقد استخدم رجال الأمن العنف أحيانا، وقد انتشر في وسائل التواصل الاجتماعي مشاهد كثيرة يظهر فيها الشرطة وهم يضربون النّاس بالأيدي ويركلونهم بالأرجل.

وكان شباب مدينة كَايْ قد خرجوا في بدايات شهر مايو للاحتجاج على حجر التجوال، رافقت هذه الاحتجاجاتِ أحيانا مواجهاتٌ مع رجال الأمن. ثمّ جاء الحدث المفجّر، فقد أدّى خلاف بين شرطي وشباب في موضوع بعيد عن الفيروس أصلا إلى قتل الشرطي لأحد الشباب بالرصاص الحيّ، فانطلقت مظاهرات عارمة في المدينة، قُتل خلالها ثلاثة أشخاص، ما أدّى إلى تفاقم الوضع حتّى اضطرّ رئيس الدّولة نفسه إلى التدخّل للسيطرة على الوضع.

وبالإضافة إلى الحرارة، فإنّ تزامن دخول الفيروس إلى الدولة مع شهر رمضان، أثّر تأثيرا كبيرا في احترام النّاس للتدابير الوقائية أو خرقهم لها. لشهر رمضان في مالي تقدير خاص، فبالإضافة إلى البعد الروحي فإنّه موسم اجتماعي وثقافي وتجاري كبير في الدّولة.

شهر واحد تقريبا هو الذي فصل بين إعلان الحالات الأولى في البلد ودخول شهر رمضان. حاول أئمّة المساجد ـ بتعليمات من رابطة الأئمّة ـ التأقلمَ مع أوقات الحجر الصحّي في صلاة التراويح، حيث يحاولون الانتهاء منها في فترة يستطيع فيها المصلّون العودة إلى بيوتهم قبل دخول وقت الحجر.

واستمرّت المساجد في تنفيذ برامجها العاديّة في رمضان، خصوصا ما يتعلّق منها بعقد حلقات تفسير القرآن الكريم المنتشرة جدّا في البلد بين صلاتي الظهر والعصر. ولكن هناك شيء واحد لا يمكن التوفيق بينه وبين حجر التجوال وهو صلاة التهجّد في العشر الأواخر، وهي مناسبة كبيرة تعجّ فيها مساجد الدولة بالمصلّين. تزامن اقتراب العشر الأواخر من رمضان مع الاحتجاجات التي كانت تنظّم في مختلف مناطق الدّولة ضدّ حجر التجوال. في هذا السياق، ضغط أئمّة المساجد بكلّ ثقلهم على السلطات العامّة من أجل رفع الحجر الصحّي ليس فقط لتمكين المسلمين من أداء صلاة التهجّد، بل أيضا لوقف حركة الاحتجاجات الشبابية التي كانت تزداد يوما بعد آخر.

في سياق هذا كلّه، اجتمع المجلس العالي للدّفاع الوطني بتعليمات من رئيس الدّولة بتاريخ 08 مايو 2020، تمخّض الاجتماع عن ثلاثة قرارات مهمّة أعلن عنها رئيس الوزراء في كلمة متلفزة، وهي:

  • فرض لبس الكمامة في الأماكن العامّة.
  • تمديد فترة إغلاق المدارس إلى غاية 02 يونيو 2020.
  • رفع حجر التجوال على امتداد التراب الوطني[17].

نتائج الانتخابات التشريعية: القشّة التي قصمت ظهر البعير

سبقت الإشارة إلى أنّ جولتي الانتخابات التشريعية انعقدت في بدايات اكتشاف الفيروس في الدّولة. رغم مطالبة بعض القيادات السياسية من أمثال منتقى تال رئيس حزب المؤتمر الوطني للمبادرة الديمقراطية بتأجيل الانتخابات التشريعية[18]، فإنّ الحكومة والغالبية العظمى من النخب السياسية رأت إجراء الانتخابات تجنيبا للبلد من الدخول في أزمة شرعية مؤسّسية لأنّ مأمورية البرلمانيّين كانت قد انتهت منذ أكثر سنة وتمّ تأجيل الانتخابات لمرّتين. اختلفَتْ النتائج النهائية التي أدلت بها المحكمة الدستورية عن النتائج الأوّلية التي أعلنت عنها وزارة الإدارة الترابية في أكثر من منطقة، فكان ذلك سببا لاتّهام المحكمة بالتدخّل في النتائج لصالح الحزب الحاكم وحلفائه، وقد أدّى ذلك إلى احتجاجات كثيرة في المناطق المعنيّة تخلّل بعضها أعمال عنف أدّت إلى إطلاق الرصاص الحيّ على المتظاهرين كما حدث في مدينة سيكاسو[19].

في سياق ذلك، تكوّن تحالف سياسي قويّ تسمّى فيما بعد بحركة 05 يونيو تجمّع القوى الجمهورية. رغم وجود الكثير من الأحزاب السياسية والنقابات ومنظمات المجتمع المدني، فإنّ القوّة الحقيقية الدافعة للحركة هي الإمام محمود ديكو رئيس المجلس الأعلى الإسلامي سابقا. ودعت الحركة إلى مظاهرات يوم 05 يونيو للمطالبة بإسقاط نظام الرئيس إبراهيم بوبكر كيتا. ورغم كون المظاهرات والمسيرات السياسية من الأمور التي مُنعت في سياق التدابير المتّخذة لمواجهة الفيروس كورونا، فإنّ السلطات العامّة رخّصت للمظاهرة لأنّها في الحقيقة لا تستطيع أن تفعل شيئا إزاء قوّة الحشد التي يتمتّع بها الإمام محمود ديكو، فاكتفت بدعوة النّاس إلى احترام التدابير الوقائية.

كوّنت القوى الاجتماعية والسياسية المعارضة لاستقالة الرئيس تحالفا لدعم مؤسسات الدولة، وأرادوا تنظيم مظاهرة مضادّة، لكنّهم ألغوها فيما بعد بحجّة أنّ الرئيس طالبهم بذلك للأزمة الصحيّة في البلاد.

كما نظّمت حركة 05 يونيو مظاهرة أخرى بتاريخ 19 يونيو، واستطاعت أن تحشد أكثر ممّا فعلت في المظاهرة السابقة، ولم يشهد التاريخ السياسي للدّولة مظاهرات بحجم هاتين المظاهرتين كلّ ذلك بفضل مباركة الزعيم الروحي الإمام محمود ديكو الرئيس السابق للمجلس الأعلى الإسلامي.

خاتمة:

هكذا تتشابك خيوط الوضع السياسي والصحّي والديني للبلد لتحديد المنحى الذي تتّخذه جهود مواجهة الفيروس كورونا. رغم أنّ السلطات الدّينية في كلّ الدّول الإسلامية لعبت دورا كبيرا في سياق الأزمة الصحيّة دعمًا للجهود الحكومية أو معارضةً لها، فإنّ الوضع في مالي فريد من نوعه ويستحقّ مزيدا من الدّراسة والتحليل.

إنّ النظر المتمعّن في التجاذبات التي حدثت وتحدث بين السلطتين الدينية والسياسية منذ أكثر من عقد من الزمن، يُنبئ بأنّ الدين سيستمرّ في الحضور في الفضاء العامّ وسيلعب في المستقبل أدوارا محورية في تدبير الشأن العام.

في المقابل، فإنّ تصوّرات النخبة السياسية لموقع الدّين في الدّولة الحديثة مبنية على النموذج الفرنسي للاّئكية متصلبة ولم تتطوّر كثيرا على ضوء ما يعتمل في الواقع من أحداث. وذلك أمر خطير سيؤدّي إلى مواجهات مستمرّة بين السلطتين الدينية والسياسية.

أعتقد بأنّه حان الوقت لإيجاد إطار تشريعي ومؤسّسي وسياسي لاحتواء هذا التنامي الكبير لدور القيادات الدينية الذي لا يجادل فيه أحد. ويتطلّب ذلك تأسيس عقد اجتماعي جديد تجد كلّ القوى المجتمعية نفسها فيه. ولا يمكن ذلك إلاّ بالخروج من القوالب الجاهزة والتحرّر من الرواسب الفكرية المستوردة التي لا تصلح لأرضنا ومجتمعنا وخصائصنا الثقافية والدينية.


[1] ـ ذكر الأمين العامّ للأمم المتحدة غوتاريس في مقابلة صحفية على قناة فرنس 24 بأنّ الفيروس يمكن أن يؤدّي إلى وفاة الملاين في إفريقيا إذا لم تتّخذ تدابير عاجلة https://www.france24.com/fr/europe/20200327-coronavirus-en-direct-entretien-avec-antonio-guterres-secr%C3%A9taire-g%C3%A9n%C3%A9ral-de-l-onu، تاريخ الزيارة 05/07/2020

[2] ـ https://sahelien.com/maliens-de-la-diaspora-un-retour-pour-se-realiser/#:~:text=Au%20Mali%2C%20la%20migration%20est,de%20120%20mille%20en%20France.، تاريخ الزيارة 05/07/2020

[3] ـ Sitrep Numero 94 du 26 Juin 2020, du Ministère de la santé et des affaires sociales

[4]  https://www.maliweb.net/sante/situation-covid-19-le-mali-affiche-un-taux-de-guerison-de-66-contre-56-de-deces-2881751.html, visité le 05/07/2020

[5] – Sitrep Numero 94

[6] – Id

[7] – Id

[8] ـ  http://www.sante.gov.ml/index.php/actualites/communiques/item/3455-communique-de-la-session-extraordinaire-du-conseil-superieur-de-la-defense-nationale-du-17-mars-2020 تاريخ الزيارة، 03/07/2020

[9] ـ http://primature.ml/prevention-du-covid-19/

[10] ـ انظر المادّة 23 من اللائحة الداخلية للمجلس الأعلى الإسلامي

[11] ـ https://malivox.net/video-declaration-du-haut-conseil-islamique-du-mali-sur-le-coronavirus/

[12] ـ https://malijet.com/a_la_une_du_mali/240713-lutte_contre_coronairus_mali_puls_messes_.html

[13] ـ خطاب الرئيس إلى الشعب المنشور في التلفزة الوطنية بتاريخ 25 مارس 2020 في بداية نشرة الأخبار في الساعة الثامنة ليلا

[14] ـ https://malivox.net/adresse-a-la-nation-dibk-suite-a-la-decouverte-de-cas-de-coronavirus-au-mali/

[15] ـ https://amap.ml/lutte-contre-le-covid-19-les-preceptes-de-lislam-contre-les-epidemies/

[16] ـ http://news.abamako.com/h/232521.html#:~:text=doit%20%C3%AAtre%20respect%C3%A9e.-,Aucun%20ordre%20ne%20doit%20amener%20un%20agent%20de%20la%20force,inspecteur%20g%C3%A9n%C3%A9ral%20Moussa%20Ag%20Infahi.

[17] ـ http://primature.ml/allocution-du-dr-boubou-cisse-premier-ministre-chef-du-gouvernement-suite-au-conseil-national-de-defense-sur-la-pandemie-du-covid-19/

[18] ـ http://www.rfi.fr/fr/afrique/20130405-maitre-mountaga-tall-je-prefere-report-quelques-mois-conflit-post-electoral-ivoirie

[19] J https://www.studiotamani.org/index.php/themes/politique/23526-tirs-a-balles-reelles-sur-des-manifestants-a-sikasso-des-jeunes-accusent-la-police-dement