تحول مكتسبات المرأة المغربية: من مفهوم التمكين إلى شعار التمييز الإيجابي

تحول مكتسبات المرأة المغربية: من مفهوم التمكين إلى شعار التمييز الإيجابي

شهدت المرأة المغربية في علاقتها بالتنمية مع بداية الألفية مخاضا مفصليا، وبين مواثيق أممية وواقع دولي مغري بالحقوق والحريات، وواقع محلي يغالب التخلف و

التعليم في النموذج التنموي الجديد بالمغرب – الجزء الأول : التشخيص العام
التعليم في النموذج التنموي الجديد بالمغرب – الجزء الثاني : الطموح والاختيارات آلاستراتيجية
الاثار الاجتماعية والاقتصادية لجائحة الكرونا علي الاعمال الهامشية

شهدت المرأة المغربية في علاقتها بالتنمية مع بداية الألفية مخاضا مفصليا، وبين مواثيق أممية وواقع دولي مغري بالحقوق والحريات، وواقع محلي يغالب التخلف والهشاشة، عاشت حيرة حقيقية، مما أفرز مظاهر اجتماعية مستجدة لسنا بصدد الحديث عنها هنا بالتفصيل (ارتفاع نسبة الطلاق، تزايد التفكك الأسري، ارتفاع نسبة الإصابة بالأمراض النفسية وغيرها). حيث تشير الأرقام الصادرة عن المندوبية السامية للتخطيط أن نسبة انتشار العنف ضد النساء البالغات (18-64 سنة) ما بين 2009 و2019، عرفت ارتفاعا واضحا وبلغت 52.1 %، وفي أوساط العمل بلغت هذه النسبة 15.4 %. ومما زاد من وطأة التحولات المحلية والأممية على المرأة في هذا السياق، تراجع مكتسباتها وحقوقها المشروعة مع تراجع السياسات العمومية الاجتماعية، وتوالي إخفاق مشاريع التحول نحو الديمقراطية والإنصاف والعدالة الاجتماعية، الذي تؤكده العديد من التقارير الإقليمية والدولية: حسب المنتدى الاقتصادي العالمي مازال المغرب يقبع في المراتب المتأخرة في مجال مساواة النوع الاجتماعي باحتلاله الرتبة 137 من أصل 149 دولة. أما في ما يخص مؤشر المشاركة الاقتصادية والفرص المتاحة للنساء فقد أحتل الرتبة 141 من أصل     149 دولة.

مع بداية الألفية الحالية وإطلاق العديد من المبادرات الاجتماعية، برزت بعض مضامين مفهوم التمكين في الخطاب الرسمي المغربي، لكن دون تبني رسمي واضح للمفهوم وتبعاته، بما هو التزام دولي يستتبع المساءلة ويرسم العلاقات العامة والخاصة مع مكونات المجتمع الدولي والقوى العظمى المانحة والممولة لمشاريع التنمية في الدول النامية ودول الهامش، وتعاقد مماثل مع الفئات المستهدفة بالتنمية وطنيا.

وقد أملت شروطا موضوعية وأخرى ذاتية على المغرب تبني هذا الخطاب، لكون تداعيات التقويم الهيكلي في المجال الاجتماعي أصبحت حقيقة وواقعا معيشا في أوساط الطبقات الوسطى وفي القرى وفي مجتمعات الهامش وفي المغرب العميق، والفوارق الاجتماعية في تزايد مستمر رغم التطور الإيجابي الحاصل في نسب النمو الاقتصادي في بعض الفترات الزمنية ورغم تزايد حجم الثروة التي تنتجها مقدرات وموارد المغرب. وأملت شروطا دولية على المغرب الانتقال إلى خوض توجه سوسيو-اقتصادي خاص، عنوانه البارز “الاندماج وتلبية مطالب الشركاء/الدول العظمى”.

وبصرف النظر عن النقاش المعهود في الأوساط الإعلامية والسياسية على الخصوص، والمتعلق بقضايا التبعية والإملاءات وغياب الإرادة وما إلى ذلك. فإن موضوع التحول الذي نحن بصدد الحديث عنه يفرض التركيز على حجم الربح والخسارة التي حازتها المرأة المغربية.

في ظل الحماس الرسمي لتبني خطاب تمكين المرأة، ارتفع منسوب المطالبة الاجتماعية للتوقيع على بعض التوصيات والمواثيق الدولية المنصفة للمرأة، والداعية إلى التعامل مع هذه المواثيق في سياق حقوق الإنسان والجيل الثالث للتنمية (التنمية البشرية)، وقد أصبحت المواقع التفاوضية للنخبة النسائية خلال هذه الفترة ريادية نسبيا في بعض المؤسسات الرسمية، خاصة مؤسسات الحكامة والمؤسسات التشريعية وفي هياكل الأحزاب وغيرها، حيث ساهم قرار الكوطة النسائية إلى الرفع من نسبة النساء في البرلمان من مشاركة واحدة سنة 1993 إلى 24,3% خلال التشريعيات الأخيرة[1]. واستطاعت العديد من النساء تسلق مراكز المسؤولية وإحراز ثقة المسؤولية في مؤسسات دستورية لها وزنها محليا وإقليميا، وغدت المرأة في قطاعات حكومية شتى صاحبت رأي خاص وكلمة مسموعة، كل ذلك في سياق دولي يطبعه الرفع من مكانة المرأة وحمايتها من استئثار الرجل وسطوة المجتمع (أنظر حملات التحرش الدولية على سبيل المثال).

ومن جانب آخر، استطاعت نساء الهامش الاستفادة من مشاريع التوعية والتعبئة العامة، بما خلق حالة عامة من واجب حقوق المرأة وتمكينها من التعليم والصحة والخدمات الاجتماعية، وفتح أمامها بوابة للتواصل مع النخبة النسائية وباقي الفاعلين الوطنيين والترابيين، وأصبحت المرأة القروية تعي مرتبتها الاجتماعية كشريك للرجل في الأسرة والمجتمع، وقد لعبت مدونة الأسرة دورا حاسما في إطلاق نقاش عمومي لإنصاف المرأة داخل الاسرة، خاصة الأسرة غير المتعلمة أو ذات مستويات تعليمية دنيا.

لكن مع التوجه الجديد، تراجع الاهتمام بالمرأة في سياق المشاريع التنموية القطاعية والاجتماعية، ولعل التراجع التنموي الحاصل في المغرب، أرخى ظلاله بشكل أكبر على المرأة المغربية، وجعلها تعاني بشكل كبير، وتراجعت قيمتها الاجتماعية مع تراجع الحريات العامة وحقوق الإنسان، فأصبحنا نتابع أشكالا جديدة من التنكير والحط من القيمة والإذلال في حق نساء التعليم، خاصة الأستاذات المتعاقدات اللواتي أصبحن يعانين التحرش والضرب وما إلى ذلك من العسف والظلم الاجتماعي. أما اقتصاديا، فعلى الرغم من ارتفاع نسبة النساء في بعض الوظائف، مثل التعليم نفسه[1]، إلا أن المرأة لم تعد تحظى بقيمتها الاعتبارية كما كان سابقا. 

لذلك التمييز الإيجابي، كمشروع للإنصاف، لا يرقى إلى مستوى حقوق الإنسان ورعاية الفئات الهشة، فكل الفئات المستهدفة بخطاب التمييز الإيجابي لم تستطع النهوض بظروفها (الشباب، الفئات في وضعية هشاشة، الأطفال، النساء) نظرا لكون مبدأ التمييز لا يدعم الحق في المكتسبات باعتبارها حقوقا أساسية لا يستقيم العيش دونها، حيث استمرار ارتفاع نسبة البطالة في صفوف النساء والرجال على حد سواء، لكنها في صفوف النساء أكبر حيث انتقلت من 11,1% سنة 2019 إلى 15,6% سنة 2020، مقابل بطالة الرجال التي انتقلت عي الأخرى من 7,2% سنة 2019 إلى 11,3% سنة 2020[2]. ولأن التمتع بالحقوق يبقى مسؤولية السياسات العمومية في إطار التعاقد المحلي والكوني للدولة، يحتم على الحكومات والأنظمة السياسية الخضوع للمواثيق والالتزامات والعهود، لأن ذلك يترتب عنه الاستفادة من مكتسبات وامتيازات المنتظم الدولي، خاصة الدعم المالي ودعم القضايا السيادية لبعض الدول، بل وحتى دعم الاستقرار السياسي والحفاظ على استمرارية الأنظمة ومصالحها العامة.  


[1] – أشار الوزير المكلف بإصلاح الإدارة والوظيفة العمومية يوم الجمعة 8 مارس 2019 (لقاء تواصلي مع شبكة التشاور المشتركة بين الوزارات المكلفة بإدماج مقاربة النوع بالوظيفة العمومية (RCI)، بمناسبة اليوم العالمي للمرأة، بأن نسبة الإناث في الإدارة العمومية عرفت نسقا تصاعديا، إذ بلغت 39.8 في المئة، كما أن نسبة النساء الموظفات بمناصب المسؤولة ارتفعت إلى 23 في المئة.

[2] – نشرات المندوبية السامية للتخطيط.


[1] – أنظر الموقع الإلكتروني لوزارة الداخلية، تقرير خاص بانتخابات 8 شتنبر 2021. (نسبة الرجال في مجلس النواب بلغت 75.7 %).

COMMENTS