قراءة تحليلية للمشهد الجزائري في مجابهة فيروس كوفيد 19، الإجراءات والسياسات في ظل المنطلقات

قراءة تحليلية للمشهد الجزائري في مجابهة فيروس كوفيد 19، الإجراءات والسياسات في ظل المنطلقات

مقدمة: لقد لاحت للأفق اليوم أحد أهم المشكلات التي تواجه الإنسان اليوم وهي فيروس كورنا الذي بدأ كأول محطة من أوهان بالصين، لينتشر لباقي دول الع

المالية العمومية بالمغرب: بين حفز النمو وتدبير الأزمة
التنمية الاقتصادية في نيجيريا تحت الجائحة (كوفيد 19): الواقع والبديل
كتاب جديد يبحث في تحولات ما بعد حركة 20 فبراير

مقدمة:

لقد لاحت للأفق اليوم أحد أهم المشكلات التي تواجه الإنسان اليوم وهي فيروس كورنا الذي بدأ كأول محطة من أوهان بالصين، لينتشر لباقي دول العالم، ويصل العالم العربي بداية من دول الخليج العربي التي سجلت أول حالاته، ليصل بعد ذلك إلي بلدان المغرب العربي: ليبيا، تونس، الجزائر، المغرب وموريتانيا، وبهذا الانتشار الرهيب، وفي ظل غياب أي لقاح أو دواء لهذا الفيروس، تبقى الوقاية هي خير علاج، حيث أكدت المنظمة العالمية للصحة ومختلف الدول التي انتشر فيها هذا الوباء أن الحل الأمثل لمحاصرته والتقليل من حدة انتشاره هو الحجر المنزلي المتمثل في البقاء في المنزل وعدم الخروج إلا لقضاء الحاجات القصوى، كما باشرت الكثير من الدول فرض عقوبات وغرامات مالية على كل من لا يلتزم بالحجر المنزلي، وتتضاعف هذه العقوبات التي بدأ تطبيقها في بعض الدول التي عرف فيها انتشار الوباء حدا لا يستهان به (بحري صابر، مارس 2020، ص12).

فيروسات كورونا هي فصيلة كبيرة من الفيروسات التي قد تسبب المرض للحيوان والإنسان، ومن المعروف أن عددا كبيرا من فيروسات كورونا تسبب لدى البشر حالات عدوى الجهاز التنفسي التي تتراوح حدتها من نزلات البرد الشائعة إلى الأمراض الأشد وخامة مثل متلازمة الشرق الأوسط التنفسية والمتلازمة التنفسية الحادة الوخيمة(السارس)، ويسبب فيروس كورنا المكتشف مؤخرا مرض فيروس كورنا كوفيد-19(فيروس كورنا المستجدCovid-19، 2020، ص4)، ولقد أدى انتشار هذا الفيروس إلى اتخاذ العديد من الإجراءات الاستباقية واللاحقة في مختلف دول العالم في محاولة للمجابهة في ظل غياب العلاج أو أي لقاح من شأنه مساعدة جسم الإنسان للتغلب عليه.

لم تختلف الجزائر كغيرها من بلدان العالم في مختلف الإجراءات المعمول بها لمجابهة فيروس كوفيد 19 فحرصت على اتباع مجموعة من الإجراءات والسياسات التي كانت تأتي تباعا لما يفرضه الواقع الصحي المرهون بانتشار الفيروس، وعلى الرغم من الصعوبة في الوقت الحالي الحكم على مدى نجاعة مختلف تلك الإجراءات والسياسات في ظل غياب الرؤية الواضحة لبؤرة الفيروس ومدى انتشاره.

إن طبيعة الفيروس فرضت ليست على الدولة فقط، بل على المجتمع ككل، أن يسير وفق منهج معين لابد أن لا يحيد عنه إذا ما أراد السلامة الصحية من جهة، والقضاء على هذا الفيروس أو على الأقل منع انتشاره والحد منه بإبقائه في المجال المتواجد عليه، وهو أمر ليس بالسهل بل إنه صعب للغاية.

إن الأزمة العالمية لهذا الوباء في واقع الأمر وضحت هشاشة المنظومة الصحية العالمية ككل، والتي عجزت في الكثير من الدول حتى تلك المتقدمة عن مجابهة الفيروس، وهو ما جعلها تتساوى في الكثير من الأحيان مع الدول النامية أو تلك التي في طور التطور، لكن المساواة الحقيقية تبقى غير ممكنة بالنظر للإمكانيات المرصودة هنا وهناك، فالأمر تعلق في البداية بالأمن الصحي العام ثم ارتبط بالقدرات والإمكانيات المالية، وهو ما حاولت الجزائر أن تراهن عليه بالرغم من انخفاض أسعار البترول في المرحلة الأولى من انتشار الفيروس.

إن مختلف الإجراءات المتخذة في الجزائر لم تختلف عن غيرها من الدول، فقد يكون الاختلاف من حيث مبدأ الانطلاق من جهة أو من حيث نجاعتها وتقبل المجتمع والتزامه بها، وكذا مدى تعميم هذه الإجراءات على الجميع، خاصة وأن الجزائر مرت بمرحلة تكاد تكون متذبذية وغير مستقرة من الناحية السياسية في ظل زوال نظام سابق وبروز عهد جديد كان أول اختبار له هو أزمة فيروس كورونا.

إن تقييم الإجراءات والسياسات في الوقت الحالي يبقى جد ناقص؛ لأن التقييم سيكون بعد زوال الجائحة وذلك بمعرفة النقائص ومكامنها والإيجابيات ومعاقلها لفهم الواقع الاجتماعي ومخلفاته بعد الأزمة، على اعتبار أنه من المحتمل أن تكون هناك تأثيرات اجتماعية واقتصادية ما بعد الأزمة، لذا سنحاول أن نقدم قراءة فقط للإجراءات والسياسات بالمقارنة بالإجراءات العالمية من جهة ومعرفة أهم تلك الانعكاسات الإيجابية والسلبية التي أنتجتها الأزمة في ظل الواقع الراهن للمجتمع الجزائري.

أولا الإجراءات المتخذة في ظل جائحة كورونا:

قامت الجزائر بالعديد من الإجراءات من بداية ظهور فيروس كورنا لغاية اليوم في محاولة لمجابهة الفيروس، حيث  سارت الجزائركغيرها من البلدان الكثيرة في منحى تسطيح المنحى-محاصرة الوباء ومنع انتشاره- في معالجة جائحة كورونا، وقد وقعت الجزائر كما وقع غيرها في الخطأ التقديري للفيروس خاصة من حيث الإجراءات الاستباقية الأولى التي لم تكن استعجالية وصارمة للغاية ما يجعل جميع الفواعل والمؤسسات تتحرك في هدف واحد؛ وهو التغلب على الفيروس بالصرامة واتخاذ الإجراءات في الوقت المناسب لأن أي تأخير أو أي خطأ تقديري سيدفع المجتمع ثمنه في المستقبل، وسنحاول تجسيد بعض تلك الإجراءات التي اعتبرت منطلقات للمجابهة في الجزائر.

الحجر الصحي: إذا ما حاولنا تقديم قراءة تحليلية للحجر الصحي في الجزائر فإن الجزائر اتجهت للحجر الصحي عبر مراحل رأت أن مدى انتشار الفيروس هي المتحكم الرئيسي فيها، وكانت البداية بفرض حجر صحي على مختلف الولايات، أين كان الحجر الكلي لولاية البليدة على اعتبارها أول ولاية يتفشى فيها الفيروس وتظهر فيها العديد من الحالات الحاملة للفيروس، في حين فرضت حجرا جزئيا على باقي الولايات، فاختلف التوقيت حسب الحالات التي تحتويها كل ولاية، وقد تميز الحجر الصحي الجزائري بأنه حجر كلي  مس ولاية البليدة فقط ورفع فيما بعد في شهر رمضان لحجر جزئي، وحجر جزئي اختلفت مواقيت بدايته ونهايته حسب كل ولاية، فالحجز الصحي الجزائري نستطيع أن نقول أنه كان حجر مختلف عن باقي البلدان التي سارعت لتطبيق حجر كلي، لكن الجزائر بقيت محافظة على الحجر الجزئي لاعتبارات وخيارات خاصة بالدولة، أين لم توضح الصورة عن الأسباب الحقيقية التي دعت للحجر الجزئي دون الكلي، وبالرغم من الأصوات المنادية في الكثير من الفترات إلى الحجر الكلي على العديد من الولايات عبر مواقع التواصل الاجتماعي إلا أنه لم يتم الاستماع عليها، وبالإضافة لذلك بقيت الجزائر تحافظ على تمديد الحجر الصحي كل 15 يوم، وهو ما أربك الكثير من المواطنين نتيجة تلك الإجراءات على الرغم من توافر المعلومات عبر مواقع التواصل الاجتماعي أو القنوات الرسمية خاصة من قبل اللجنة العلمية المنصبة لإدارة هذه الأزمة، إلا أن ما يعاب عليها أن تقديم المعلومات يكون دائما مرة واحدة في اليوم في تمام الساعة الخامسة مساءا، أين غالبا ما تكون المعلومات مقتضبة.

غلق المطارات والموانئ: أقرت الجزائر كغيرها من الدول غلق المطارات والموانئ في بداية ظهور فيروس كورونا، لكن الغلق كان وفق إجراءات كثيرة تميزت بالتريث في الكثير من الرحلات خاصة فرنسا أين تميز بإعطاء تاريخ محدد سيتم خلاله الإغلاق على عكس الكثير من البلدان التي تم الإغلاق الفوري، وهو ما لم يتم فهمه من قبل المواطنين الذين طالبوا من البداية بغلق الموانئ والمطارات، خاصة وأن الحالات الأولى التي ظهرت كانت إما لأجانب أو لجزائريين قادمين من فرنسا، إسبانيا، إيطاليا والمملكة العربية السعودية.

إغلاق المدارس والجامعات: في ظل تزايد انتشار الفيروس في الجزائر،  أمر رئيس الجمهورية بإغلاق المدارس والجامعات ومؤسسات التكوين بالجزائر، وكذا مدارس التعليم القرآني والزوايا ومدارس التعليم الخاصة ورياض الأطفال ابتداءا من الخميس 12 مارس 2020، واستبعد تبون الحجر الصحي الشامل لكل الولايات (عطاب يونس، 2020، ص345)، ولقد نتج عن غلق المدارس والجامعات ومختلف مؤسسات التكوين المهني العديد من الإجراءات التي غالبا ما تكون متناقضة فيما بينها، ففي قطاع التربية تم في البداية الفصل في انتقال الأطوار الابتدائية والاكتمالية والثانوية، وبقي الأمر معلقا فقط بالنسبة لشهادة التعليم الأساسية (الانتقال إلى السنة أولى ثانوي) وشهادة البكالوريا أين أعلنت الوزارة المعنية في البداية مواعيد في شهر سبتمبر لإجراء هذه الامتحانات، لتتراجع فيما بعد بالنسبة لشهادة التعليم الأساسي، أين أقرت الوزارة الانتقال بدون الحاجة لإكمال السداسي الثالث الذي هو في العادة أقل من ثمانية أسابيع، ولعل هذا الإجراء يؤكد غياب استراتيجية وطنية استشرافية مستقبلية، أين تميزت هذه المرحلة بسرعة اتخاذ القرارات والرجوع عليها في وقت وجيز، وهو ما جعل المواطن يعيش على أعصابه نتيجة لذلك. أما في قطاع التعليم العالي فقد أقرت الوزارة في البداية إجراء الامتحانات الاستدراكية ليتم التراجع عليها في اليوم الأول من بداية إجرائها نتيجة احتجاجات التنظيمات الطلابية والطلبة ورفضهم إجراء الامتحانات الاستدراكية للسداسي الأول، وهو ما جعل مدراء الجامعات يخضعون لقانون الاحتجاج الاجتماعي في الجامعة، وجعل الجامعة تفقد الكثير من مصداقيتها خاصة في ظل غياب الاستراتيجية الوطنية الاستشرافية المستقبلية للقطاع. وبعد إقرار تعليق الدراسة وعدم القدرة على الرجوع للدراسة في الوقت الحالي، كان الحل بإقرار التعليم عن بعد كحل بديل عن التعليم الحضوري، لكن هذا القرار ورغم التزام الأساتذة بوضع الدروس عن بعد بالرغم من قلة الإمكانيات التي يملكونها لم يؤدي نجاعته، خاصة بعد إقرار العديد من الجامعات نتيجة الضغوطات الطلابية بأن التعليم عن بعد ليس هو الأساس، لأنه سيتم تدارك الدروس التي وضعت على منصات الجامعات حين تكون هناك عودة للدراسة التي تم إقرار 23 أوت 2020 تاريخا لبداية السداسي الثاني على الرغم من أنه من المحتمل أن تكون هناك مفاجآت  قد تؤدي لتراجع الوزارة عن قرارها، فقد كان من الأحرى بالوزارة عدم اتخاذ أي قرار بالعودة في انتظار معرفة حدود الأزمة التي يمر بها البلد في إطار الجائحة، فاتخاذ القرارات في الوقت الحالي لا معنى له نتيجة لذلك، خاصة وأن الفيصل الأساسي هو الوزارة الأولى وعبرها رئاسة الجمهورية التي ستحدد نطاق العودة وتاريخه. ولم يخرج قطاع التكوين المهني عن المألوف، فقد تم إلغاء الموسم التكويني دورة فيفري إلى تاريخ غير معلوم ولإشعار آخر، أين لم يستطع قطاع التكوين أن يقر التعليم عن بعد وقد يكون ذلك بالنظر لطبيعة القطاع المهتم بالتمهين بالدرجة الأولى والذي يعتمد على التطبيق أكثر من التنظير ما يفرض حضور المتكون أمر ضروري.

غلق المساجد: أقرت وزارة الشؤون الدينية عبر لجنة الإفتاء بضرورة غلق المساجد وتعطيل الجمعات في كل المؤسسات الدينية التي بقيت مغلقة منذ أول قرار لغاية اليوم، حيث بقي فقط رفع الأذان لإعلام المواطنين بمواعيد الصلاة التي تكون في البيوت ورفع القران الكريم للتقليل من التوترات الاجتماعية، بالإضافة لقيام الكثير من الأئمة بتقديم خطب ودروس ومواعظ عبر مواقع التواصل الاجتماعي وهو ما استحسنه الكثير من المواطنين.

إقرار المساعدات المالية: لقد أقرت الحكومة الجزائرية بعد مرور الأزمة بشهور منحة مالية قدرها 10 آلاف دينار جزائري للأسر الفقيرة وللعاملين المتضررين من أزمة كورونا، لكن هذا القرار في واقع التطبيق عرف الكثير من العراقيل، خاصة في ظل غياب الإحصائيات الخاصة بالأسر والفقر في الجزائر من جهة، وصعوبة منحها للجميع خاصة بعد تسجيل المئات من المواطنين عبر كل البلديات لأنفسهم للاستفادة، أين تم توزيع المنحة التي أساسا لا تكفي عائلة واحدة لمدة أسبوع على عدد قليل من الأسر دون غيرهم، وهو ما يؤكد أن هذا الإجراء لم تستطع الدولة تنفيذه لاعتبارات تبقى مجهولة.

المساعدات الاجتماعية: لقد بقيت المساعدات الاجتماعية المقدمة للأسر المعوزة والفقيرة مقتصرة على المجتمع المدني، وهي مبادرات فردية أو جماعية قام بها إما الجمعيات أو التجار والمؤسسات في إطار التكافل الاجتماعي، في حين سجل الجميع غياب الهلال الأحمر الجزائري وهو أكبر مؤسسة تطوعية في الجزائر عن الساحة الاجتماعية، أين لم يعثر له عن وجود في هذه الأزمة أين كان تدخلاته جد متأخرة واقتصرت في الكثير من الأحيان في المساعدات الخارجية دون مساعدات فعلية ملموسة في الداخل.

المساعدات الطبية: بادرت الكثير من الجمعيات والمؤسسات باقتناء الكثير من المعدات الطبية وتجهيز المستشفيات بأجهزة طبية في إطار مساعدة الأطباء في مجابهة جائحة كورونا، خاصة في ظل النقص المسجل في القطاع الصحي الذي بين أنه هش ولا يستطيع مجابهة الأزمات، ورغم أن الجزائر لم تصل لمرحلة حرجة كما حدث في فرنسا وإيطاليا، إلا أن القطاع الصحي يبقى هش ودون المستوى المطلوب من حيث الجودة ووفرة الخدمات الصحية، وبالإضافة لتوفير خاصة أجهزة التنفس، والتشخيص فقد عمل المجتمع المدني على توفير الكمامات وصناعة الألبسة الواقية للأطباء والممرضين ومختلف العاملين في القطاع الصحي لمجابة الفيروس خاصة في ظل عجز الوزارة المعنية عن توفير ذلك في البداية أين سجل ارتباك كبير في التصريحات المتناقضة.

إقرار منحة القطاع الصحي: أقر رئيس الجمهورية منحة للعاملين في القطاع الصحي، الذين يواجهون فيروس كورنا، للأطباء والممرضين ومختلف العاملين في القطاع الصحي وذلك تشجيعا لهم على مختلف الأدوار والأعمال التي يقومون بها، خاصة وأنهم الرعيل الأول الذي يواجه الفيروس والمعرض للعدوى، أين سجلت العديد من الوفيات في القطاع الصحي لأطباء وممرضين وعاملين، ويعتبر هذا الإجراء تشجيعي، لكنه في واقع الأمر غير كاف بالنظر للأجور التي يتلقاها الأطباء والوضعيات التي يعيشونها من جهة وطريقة عملهم والعقود المتوافرة لديهم، إلا أن الأطباء والعاملين في القطاع الصحي انتفضوا كم من مرة في كم من ولاية ليس احتجاجا على المنحة، لكن رفضا للأوضاع التي يعملون فيها ونقص الوسائل والأجهزة اللازمة لمواجهة الأزمة، أين طالبوا بتوفير الأجهزة والوسائل بالدرجة الأولى خاصة الكمامات التي كانت غير متوافرة في البداية.

إجلاء الرعايا الجزائرية: خطت الجزائر العديد من الإجراءات في سبيل إجلاء الرعايا الأجنبية من مختلف دول العالم، وقد كان الإجلاء على عاتق الدولة من حيث تذاكر السفر أو الإقامة في الجزائر بعد وصول الجزائريين، أين تم التكفل عليه خلال مدة الحجر التي حددت بـ 14 يوم في الفنادق مع كامل الإقامة(إقامة كاملة)، كما تم التكفل أيضا بالجزائريين العالقين في الكثير من الدول، أين تكفلت مختلف السفارات بدفع تكاليف إقامتهم ضمن الفنادق التي كان الكثير منها خمس نجوم، وهو ما يؤكد أن الجزائر قد صرفت الكثير من مليارات الدولار في هذا الإطار لإجلاء الجزائريين العالقين في مختلف الدول، وقد تم برمجة العديد من الرحلات لإجلائهم عبر العديد من المراحل، وعلى الرغم من أن الكثير من الدول كلفت رعاياها بدفع تكاليف إعادتهم، فإن الجزائر لم تطالبهم بدفع أي تصاريف وهو ما يؤكد السياسة الاجتماعية التي نهجتها تجاه الرعايا العالقين في مختلف مطارات العالم، رغم أن الإجلاء لم يتم للجميع وذلك قد يرجع بسبب الطيران وبرمجة الرحلات وغيرها من المشكلات التي قد تعيق هذه العملية لكن تعليمات الوزارة الأولى كانت واضحة بضرورة الإجلاء كلما سمحت الفرصة بذلك.

ثانيا. انعكاسات جائحة كورونا على السلوكيات ما بين الإيجابيات والسلبيات:

إن جائحة كورنا في واقع الأمر أظلت بظلالها على المجتمع الجزائري بمختلف أطيافه، فالأزمة كما لها انعكاسات سلبية فلها جانب إيجابي مشرق، أين برزت العديد من السلوكيات الإيجابية والسلبية في الوقت نفسه، وسنحاول الإشارة إلى بعضها فقط على سبيل الذكر لأنه من الصعب رصدها جميعا في الوقت الراهن والأزمة لا تزال لغاية اليوم.

الانعكاسات السلبية:

التأثير على قطاع الشغل: من المؤكد أن من أكثر الآثار السلبية المترتبة عن انتهاج السياسات الوقائية من فيروس كورونا 19، ما انعكس منها على قطاع العمل من مختلف جوانبه. وهو بلا شك قطاع تتأثر بتأثره كافة النواحي الاجتماعية في المجتمع بوصفه القطاع الذي يضم أكبر شرائح المجتمع عددا. ولعل الآثار السلبية التي تمس هذا القطاع تتجلى بتلك التي تنعكس على مستويات العمل، وعلى وجه الخصوص حق العمل ذاته وكل الحقوق المتفرعة عنه (بلعبدون عواد، 2020، ص74)، ولعل  القطاع غير المهيكل هو الضحية الأولى في هذا المجال في ظل غياب التأمين الاجتماعي له وهو ما انعكس سلبا على الكثير من الأسر التي توقف مدخولها الوحيد في ظل الأزمة، خاصة في ظل عجز الدولة عن معالجة ذلك بأي قرار يذكر ليبقى هؤلاء يعانون بعيدا عن أوجه السلطة وهو واقع لا يمكن إنكاره.

التأثير على القطاع الاقتصادي: القطاع الاقتصادي كان هو الضحية الأول في الكثير من المجالات بسبب توقف الكثير من النشاطات، خاصة وأن الحجر في البداية شمل جميع النشاطات وأبقى فقط على الأنشطة المتعلقة بالحياة اليومية للمواطن بالدرجة الأولى كالمواد الغذائية، وفي ظل غياب أي إحصائيات بارزة عن الخسائر الاقتصادية تبقى الآثار واضحة، خاصة على الحياة التجارية التي تأثرت كثيرا بسبب غلق العديد من الأنشطة وما ينجر عنه من تكدس السلع والخدمات، وانتهاء صلاحيتها وهو ما يعد خسارة للاقتصاد الوطني على المجمل.

الإخلال بالقواعد التجارية: إن كل الجهود المبذولة من طرف الدولة عادة ما تضرب عرض الحائط من طرف الأعوان الاقتصاديين وحتى من طرف أشخاص لا تتوافر فيهم الصفة القانونية لممارسة النشاط التجاري، بممارستهم أنشطة تجارية مخالفة للأعراف التجارية النظيفة والنزيهة، استغلالا منهم لظروف معينة تشهدها الساحة الاقتصادية ولقد شكلت أزمة كورونا (كوفيد 19) الأرض الخصبة لتفشي جملة من الممارسات التجارية غير النزيهة(رحموني بشرى، 2020،  ص301)، ولقد برزت العديد من السلوكيات السلبية من قبل التجار من ظواهر انتهازية كارتفاع أسعار السلع والخدمات خاصة في المرحلة الأولى من الفيروس، وهو ما استدعى تدخل وزير التجارة كم من مرة، رغم أن التركيز كان دائما على التاجر الصغير الذي يبيع بالتجزئة في حين تم استثناء المتحكمين الحقيقيين في قواعد التجارة، وهو ما جعل مختلف الإجراءات المتخذة من طرف وزارة التجارة مجرد حبر على ورق لم تأتي بأكلها في الكثير من الأنشطة، خاصة أزمة السميد في البداية التي كانت مفتعلة وارتفاع الأسعار التي سرعان ما عادت للمعقول والمعهود في ظل التوافر التي عملت أعلى السطات على العمل عليه، وهو ما يؤكد أن مختلف الإجراءات في هذا القطاع تبقى صعبة التحقيق وتقف أمامها الكثير من المعيقات التي تؤرق قطاع حساس في ظل الاحتكار المعروف.

التأثير على السلوك الاستهلاكي:  ويتمثل في بروز سلوك استهلاكي سلبي وإيجابي في نفس الوقت، خاصة وأنه “في أي أزمة تبرز العديد من السلوكيات، وهذه السلوكيات في واقع الأمر بخصوص التهافت على السلع والمواد من قبل المستهلك الجزائري يمكن أن نوضحها من منطلقين أساسيين؛ الأول هي سلوكيات صحية إذا عرفنا الأسباب التي أدت إليها، ولعل تلك الصور التي شاهدناها من التهافت على اقتناء السلع والمواد من طرف الموطن الجزائري تدخل في هذا الإطار، فتخزين السلع والمواد هو ترجمان لما يعيشه المواطن من قلق وخوف من المستقبل، لذا فهو يبحث عن الأمن النفسي لديه من خلال تخزين هذه المواد حفاظا على نفسه وعلى عائلته، فكلما كان الإنسان قلقا ومتخوفا مما سيحدث زاد سلوكه الشرائي للسلع والمواد، وهنا في واقع الأمر نجد أن المستهلك لا يتحكم في سلوكياته وتصرفاته ولا يمكن ضبطها إلا بزوال دواع الخوف والقلق، وزوال الأزمة في حد ذاته، حتى أولئك الذين لا يحبذون هذا السلوك وهذا التهافت ما إن يشاهدوا الأشخاص يتهافتون على السلع والمواد حتى يقلدوا هم هذا السلوك ويدخلون في دائرة الخوف والقلق المعبر عنه في هذه المرحلة بالسلوك الشرائي الشره، وهو من منطلق نفسي هو سلوك مبرر إذا عرفنا الدواعي التي أدت إليه، فأزمة الثقة في مدى توافر هذه المواد والسلع جعل التهافت يتنامى لدى المستهلك يوما بعد يوما، فلو مثلا تم إزالة أزمة نقص المواد بالتوفير وعدم ارتفاع السلع والمواد بزيادة حجمها في السوق سيترجم ذلك بتوقف السلوك الشره من قبل المستهلك ويتم الحد منه، أما المنطلق الثاني فتعتبر هذه السلوكيات غير صحية ومرضية لأنها تدل على الأنانية التي يتمتع بها هذا المستهلك أين يفكر إلا في نفسه دون غيره، فهو يبحث عن الأمن الاقتصادي والنفسي له غير ابه بما سيجري لغيره من هذا التصرف الذي يقوم به، متجاهلا أن الأمن الاقتصادي والنفسي تتدخل فيه العوامل الجماعية أيضا، لذا من المهم أخذ الحيطة والحذر في مثل هذا التصرف حماية للجميع، وهنا لا بد أن تبرز صفة التعاون والإيثار في هذه المرحلة عن طريق مساعدة الآخرين ومنحهم فرصة وحق اقتناء السلع والمواد، إن التهافت على السلع والمواد يساهم في واقع الأمر في زيادة الطلب مما يجعل العرض القليل يؤدي لارتفاع الأسعار، أين يصبح التاجر يتحكم في قيمة السلعة، خاصة إذا علمنا أن هذا الاقتناء يقلل من السلع والمواد ويجعل فئة تستحوذ عليها دون غيرها، رغم أنها قد لا تستخدمها بالكمية التي تم اقتناؤها، لذا من المهم في هذه المرحلة أن يتمتع الفرد الجزائري بالوعي الاستهلاكي من جهة وأن يقوم بترشيد سلوكه الشرائي باقتناء المواد والسلع التي يحتاجها لفترة زمنية معينة(بحري صابر، 4 أفريل 2020، ص8-9)

وعلى الرغم من أن السلوك الذي يقوم به المواطن الجزائري “هو سلوك صحي بالنظر لعوامل الخوف والقلق إلا أنه سلوك سلبي في نفس الوقت لأنه ينفي المسؤولية الاجتماعية والحس المدني والمواطنة وحتى ينفي التدين الذي يدعو إليه الدين الإسلامي، فبروز الأنانية في هذه المرحلة يؤكد أن تغيير ذهنيات المواطن الجزائري تحتاج الكثير من الوقت، وهنا كان لزاما على الجهات المكلفة بالتجارة باتخاذ الإجراءات اللازمة ليس فقط من خلال توفير المواد والسلع لكن بترشيد الاستهلاك، فمثلا لو فرضت السلطات المختصة على المستهلك أنه في حالة اقتنائه للسلع أكثر من مرة يتغير سعرها للضعف، فذلك الأمر يجعله يفكر كثيرا قبل اقتنائه للسلع، وهو ما قد يقلل من أزمة السلع في هذه المرحلة، لأنه مهما بلغت درجة الإنتاج فإنها لا تلبي حاجات مستهلك كل يوم يقوم باقتناء السلع والمواد نفسها بنفس الكمية وبزيادة رغم أنه لا يستخدمها رغم أنه من الناحية الاقتصادية أيضا سلوك سلبي يؤثر على الاقتصاد، فالمواطن عليه أن يكون أكثر وعيا وأن يفكر بإيجابية وأن يساهم في بناء المجتمع والتقليل من حدة الأزمة وليس مهمته زيادة فعاليتها والدفع بها نحو التأزم أكثر فأكثر، فالتحكم في سلوكه الشرائي في هذه المرحلة جد مهم لمساعدة المجتمع على التحكم في الأزمة والسيطرة عليها، على الرغم من أن هذا السلوك يضاعف الخوف والقلق والتوتر لدى كل فئات المجتمع وهو ما قد يؤدي به للإحباط ويدخله في دائرة الخطر هو في الأساس بعيد عنها، وهنا علينا أن نفكر كيف نساعد الآخرين على التغلب على الأزمة كل ولو بجزء صغير، كل ولو بتضحية صغيرة، والتي من بينها التحكم في سلوكنا الشرائي اليوم”(بحري صابر،  4 أفريل 2020، ص8-9).

الانعكاسات الإيجابية:

بروز التعليم عن بعد: أقرت وزارة التعليم العالي والبحث العلمي، إجراءات احترازية لضمان استمرارية الدروس عن بعد، في حال ظهور حالات أخرى لفيروس كورونا بالجزائر، ابتداء من 15 مارس2020، وكشفت مذكرة وجهها وزير التعليم العالي والبحث العلمي لرؤساء الندوات الجهوية للجامعات ومدراء المؤسسات الجامعية عن مبادرة بيداغوجية وضعها القطاع لوضع حد لتفشي محتمل لفيروس كورونا، ترتكز على وضع أرضية تضمن استمراية تلقي الطلبة للدروس عن بعد، وتتمثل هذه المبادرة في وضع محتوى للدروس يمكن تصفحه عن بعد على موقع المؤسسة، والأفضل على أرضية المؤسسة أو على أي سند آخر، وهو نفس الإجراء بالنسبة للأعمال الموجهة تكون مرفقة بتصحيحات وجيزة(مامي هاجر، درامشية صارة، 2020، ص190). وعلى الرغم من أنه يصعب تقييم عملية التعليم عن بعد الذي لم يكن خيارا بقدر ما كان مفروضا على الجامعة، وفي ظل غياب الإمكانيات المتعلقة سواء بالمنصات الجامعية والإمكانيات المحدودة التي يملكها الأساتذة الجامعيون جعل هذه الاستراتيجية تبقى تراوح مكانها ولا تحقق أهدافها في ظل التضارب الذي يقع فيه القطاع، فالقرار المتخذ على مستوى الوزارة غير مدروس وارتجالي، خاصة في ظل غياب أي إمكانيات، فالوزارة لغاية الساعة لم تبذل أي جهد في توفير الشروط الضرورية لنجاح التعليم من بعد، سواء ما تعلق منها بتوفير الأنترنيت للأستاذ، فالكثير من الزملاء هم في الواقع يؤجرون شقق ولا يملكون خطوط أنترنيت لذلك الأمر صعب للغاية بالنسبة لهم، والطلبة أيضا لا يملكون الإنترنيت التي تبقى ضعيفة ولا تلبي حاجيات التعليم، لذا فلا يمكن تطبيق التعليم عن بعد في الجامعات الجزائرية لأننا لا نزال بعيدون عن شروطه وإمكانياته. التعليم عن بعد هو في نظام تفاعلي بين الطالب والأستاذ، ولأن العديد من الأساتذة والطلبة لا يتقنون استخدام الأرضية المخصصة من قبل الوزارة؛ لأن الوزارة لم تتجه يوما للاهتمام بهذا المجال، فإن غياب التفاعل يعني أنه لا فائدة مرجوة من تطبيقه في ظل غياب أي إمكانيات يمكن توفيرها من قبل الوزارة الوصية، خاصة وأن الوزارة تتجه لفرض الأمر الواقع بدون أي دراسة لإمكانياتها وللبيئة المحيطة بالتعليم، والتي تتعلق بواقع الأستاذ والطالب الجامعي وهو أمر لا يمكن أن ننكره، فالتعليم الإلكتروني في الأساس يكون الطالب هو المتحكم الأساسي فيه لنجاحه وهو أمر مستحيل في هذه الفترة. لكي ينجح التعليم في تحقيق أهدافه لا بد أن نحاكي الواقع وننطلق منه، لا بد أن نستشعر حجم المسؤولية والتخوف والهواجس لدى الطلبة اليوم وكذا الأساتذة، وهذا لن يكون إلا باستشارة الطرفين بفتح أرضية للتشاور حول الأزمة وعدم الاكتفاء بتقارير إدارية بحتة تنطلق من الجامعات ولا تحاكي الواقع. من جهة أخرى إننا نخوض هذه التجربة الأولى من نوعها وهو واقع فرضته الأزمة علينا لكن علينا أن نحسن إدارة الأزمة واستغلالها، ولن يكون ذلك إلا بالحوار المفتوح ونقاش معمق للخروج بحل للأزمة مع عدم المساس بمصداقية الجامعة، أين تكون الحلول حسب طبيعة التخصصات فلا يعقل أن نقارن طلبة الطب والصيدلة بالعلوم القانونية والإدارية مثلا في طريقة التدريس، فما ينجح في تخصص يفشل في تخصص آخر، لذا على الوزارة أن تعي جيدا أنها تتعامل مع محيط تعليمي مختلف، ومع تخصصات مختلفة لذا فمن المهم وضع استراتيجيات لحل الأزمة في ظل ذلك التباين(بحري صابر، 22 أفريل 2020، ص9).

بروز التجارة الإلكترونية: لقد طفت للواجهة التجارة الإلكترونية عن طريق البيع عبر مواقع التواصل الاجتماعي، فغلق مختلف النشاطات جعل هذه التجارة تتغذى أين كانت منعدمة لكن الظروف والأزمة الحالية جعلت منها حلا لابد منه، سواء للمشتري أو البائع على حد سواء خاصة بعد القرارات التي أقرت غلق وتوقيف كل الأنشطة التجارية، وإن كانت التجارة الإلكترونية اقتصرت على البيع بالتوصيل وفق غياب نظام مالي يمكن مرافقة ذلك في ظل الغياب النظام المالي الإلكتروني الذي يعتبر ضروري لنجاح التجارة الإلكترونية.

بروز روح التعاون والتضامن: تعد روح التعاون والتضامن من بين القيم الثابتة وغير متغيرة في المجتمع الجزائري لكنها برزت بشكل أوسع في هذه الأزمة، أين كان التعاون بين مختلف أطياف المجتمع هو العنوان البارز في مختلف الحملات التي يقوم بها المواطن من أجل مساعدة بعضهم البعض على مجابهة الفيروس، خاصة الأسر الفقيرة والمعوزة التي لم تتلقى أي مساعدة من الدولة ما جعل المواطن يتدخل لتلبية حاجياتها.

العمل التطوعي: برز للواجهة العمل التطوعي بمختلف أنواعه خاصة ذلك المهيكل في إطار المجتمع المدني أين برزت العديد من الجمعيات التي أشرفت على العديد من الحملات التطوعية لمساعدة المحتاجين والأسر الفقيرة والمعوزة بمختلف الوسائل والحاجيات خاصة المؤن الغذائية ووسائل التنظيف والتعقيم، إضافة لذلك برز العمل التطوعي للقطاع الصحي وتمثلت في هبات منحتها الجمعيات ومختلف الفاعلين في المجتمع للمستشفيات من خلال توفير أجهزة التنفس، أجهزة التشخيص، مواد معقمة، كمامات.

بروز العمل ضمن القطاع العمومي: من بين القطاعات التي برزت في ظل الأزمة إضافة للقطاع الصحي هما قطاعي التكوين المهني وقطاع التعليم العالي والبحث العلمي، فبالنسبة لقطاع التكوين المهني فقد أشرف القائمون فيه من متطوعين في مختلف مراكز التكوين المهني على إنتاج الكمامات، وكذا المساهمة في صناعة الألبسة الواقية التي كانت إما موجهة للقطاع الصحي أو للمواطنين العاديين، أما قطاع التعليم العالي والبحث العلمي فكانت مساهمته الأولى في توفير المعقمات للمستشفيات من خلال استغلال مختلف المخابر في الميدان وكذا المساهمة في صناعة أجهزة التنفس وهو ما يعد مساهمة بناءة للقطاع في ظل الأزمة، وقد تنوعت المبادرات خاصة للجامعات التقنية.

اكتساب السلوك الصحي: أصبح هناك نوع من التدرج في تفاعل الشباب الجزائري مع هذه المحتويات الصحية في هذه الفترة داخل فضاء الفيسبوك، مما أكسبهم نمطا خاصا من السلوك الصحي والاجتماعي، وباتوا يستخدموا رموزا جديدة ودالة بشكل محدود، وكأنها عملية أشبه ما تكون بإعادة تشكيل البنية اللغوية وغير اللغوية في تفاعلية رمزية افتراضية تشكل ثقافة صحية جديدة لترسيخ فكرة الأمن الصحي كبعد أساسي من أبعاد الأمن الإنساني (بيل شايب، 2020، ص447)، فالمواطن اكتسب ثقافة صحية في مجال مجابهة فيروس كورونا، وهو ما يعد من بين السلوكيات الإيجابية التي تكونت لدى الفرد وذلك نظير الأخبار المتداولة هنا وهناك وفي مختلف الوسائل والوسائط وهو ما نمى لديه الحس الصحي.

فلسفة الحكم: يتضح بما لا يدع مجال للشك بأن مفهوم وفلسفة حكم الدولة بصدد مراجعة عميقة ترمي إلى إعادة ضبط العلاقة بين الدولة والمواطن، حيث ينتظر أن ينصب الاهتمام مستقبلا حول كيفية ضمان حضور أكثر للسلطات السياسية في الحياة الاجتماعية، وحول سبل تعزيز سيطرة الدولة على الشعب والإقليم نتائج الوضع الذي أفرزته الإجراءات الأمنية المتخذة في مواجهة الجائحة والصلاحيات الأمنية الموسعة التي اكتسبتها الدول على حساب الحريات الفردية والجماعية (بونوار ن صايم، 2020، ص833)، فقد تغيرت فلسفة الحكم وهو في واقع الأمر يستدعي إعادة النظر في طبيعة الإجراءات والسياسات القادمة، أين يمكن اعتبار الأزمة ظرفا استثنائيا يمكن التعلم من خلاله الدروس وتطبيقها في الميدان من خلال ما سيتم اتخاذه مستقبلا.

خاتمة:

لم تختلف الجزائر عن غيرها من بلدان العالم، سواء في الإجراءات أو السياسات المتعبة، وبالرغم من صعوبة حصر مختلف الإجراءات وتقييمها في ظل الجائحة بالنظر للواقع الذي يبقى يرتفع يوميا وهو ما يجعل حكمنا على هذه السياسات حكم جزئي؛ لأنها لم تكتمل بعد ولم تتضح نتائجها بعد، لكن ما يمكن تأكيده أن الواقع أكد الفشل في الكثير من الإجراءات والسياسات لغياب منظومة إحصائية وفي ظل غياب الرقمنة، التي تبقي الكثير من القطاعات بعيدة عنها ما يجعل الرقمنة ووجود الإحصائيات والمعلومات ضرورية جدا لمواجهة أي أزمة كانت، وهو رهان يقع على الدولة اليوم لبلوغ ذلك تجنبا لأي أزمة مستقبلا.

إن التحكم في فيروس كورونا لم تستطع الكثير من الدول المتقدمة مجابهته رغم الإمكانات التي تملكها والقدرات التي بذلتها، وهو ما سارت عليه الجزائر، وإن كانت البداية تجسد إجراءات متناقضة فإن الاستخفاف بالفيروس في الكثير من الأحيان كلف الدول خسائر كان يمكن تجنبها، وهو ما يؤكد أن نظام إدارة الأزمات يحتاج اليوم للكثير من التعديلات لبلوغ الأهداف ومجابهة أي توقعات محتمل نشوبها مستقبلا في ظل التحديات العالمية اليوم.

قائمة المراجع:

1.بحري صابر(4 أفريل 2020)، حمى التخزين تجتاح الجزائر في زمن الكورونا، جريدة الحوار الجزائرية، ع3970.

2.بحري صابر(22 أفريل 2020)، لهذه الأسباب لن يحقق التعليم عن بعد أهدافه، جريدة الحوار  الجزائرية، ع3986.

3. بحري صابر(مارس 2020)، إدارة أزمة فيروس كورونا COVID-19من خلال تعزيز الصحة النفسية في ظل الحجر الصحي المنزلي، مجلة العلوم الاجتماعية، ع13، مارس 2020،  المركز الديمقراطي العربي، ألمانيا-برلين

4.بلعبدون عواد(2020). آليات المحافظة على مناصب العمل في ظل أزمة جائحة كورونا، مجلة قانون العمل والتشغيل، م5، ع1.

5.بونوار ن صايم(2020)، أثر جائحة كورونا(كوفيد 19) على الدراسات الأمنية المجلة الجزائرية للأمن الإنساني، م5، ع2، 2020.

6.بيل شايب(2020)، لتوظيف الدلالي لمفهوم الأمن الصحي وإشكالاته المعرفية في زمن الكورونا قراءة سيمولوجية على عينة من الصور الكاريكاتورية المتداولة عبر صفحات الفيسبوك، المجلة الجزائرية للأمن الإنساني، م5، ع2.

7.رحموني بشرى(2020)، الإخلال بالقواعد المطبقة على الممارسات التجارية في ظل أزمة كورنا(كوفيد 19)، مجلة المشكاة في الاقتصاد التنمية والقانون، م5، ع1.

8.عطاب يونس(2020)، تدابير الوقاية لحماية الصحة العمومية من وباء كوفيد 19،  مجلة العلوم القانونية والاجتماعية، جامعة زيان عاشور، م5، ع2.

9.فيروس كورنا المستجدcovid-19 (2020)، دييل توعي صحي شامل، النسخة الأولى 5-3-2020، الأونروا

10.مامي هاجر، درامشية صارة(2020)، اعتماد الجامعة الجزائرية على تكنولوجيات التلعيم عن بعد كآلية لضمان سيرورة التعليم الجامعي في ظل أزمة كورونا، مجلة آفاق علم الإجتماع، م10، ع1.