Homeالشأن السياسي

قراءة في مضامين وتداعيات المهمة الاستطلاعية المؤقتة حول: الصفقات التي أبرمتها وزارة الصحة في ظل جائحة كوفيد 19

تدخل المهام الاستطلاعية المؤقتة في إطار العمل الرقابي لمؤسسة البرلمان باعتبارها الية من الاليات التي وضعها المشرع رهن إشارة البرلمان ينظمها القانون الداخلي للبرلمان. وقد شكلت الصحة موضوعا مهما لهده المهام حيث نجد ان القضايا المتعلقة بالصحة استأثرت ب 5 مهام من أصل 9 مهام تقدمت بها لجنة القطاعات الاجتماعية بمجلس النواب في الولاية التشريعية الحالية نظرا لما يعرفه قطاع الصحة من أهمية، خاصة في السنة الأخيرة سنة كورونا بامتياز.

تقديم

تدخل المهام الاستطلاعية المؤقتة في إطار العمل الرقابي لمؤسسة البرلمان باعتبارها الية من الاليات التي وضعها المشرع رهن إشارة البرلمان ينظمها القانون الداخلي للبرلمان. وقد شكلت الصحة موضوعا مهما لهده المهام حيث نجد ان القضايا المتعلقة بالصحة استأثرت ب 5 مهام من أصل 9 مهام تقدمت بها لجنة القطاعات الاجتماعية بمجلس النواب في الولاية التشريعية الحالية نظرا لما يعرفه قطاع الصحة من أهمية، خاصة في السنة الأخيرة سنة كورونا بامتياز.

ونذكر من بين هده المهام الاستطلاعية المؤقتة: المهمة الاستطلاعية المؤقتة حول “وضعية المستشفيات ومدى جاهزيتها لاستيعاب أي تطور وبائي محتمل وقدرتها على تقديم الخدمات الصحية” والمهمة الاستطلاعية المؤقتة حول “عمل مديرية الأدوية ووضعها المالي وعلاقتها بشركات صناعة الأدوية ومدى احترامها لبنود القانون رقم 17.04 بمثابة مدونة الأدوية والصيدلية” وأيضا المهمة الاستطلاعية المؤقتة حول “الصفقات التي أبرمتها وزارة الصحة في ظل جائحة كوفيد 19”.

بتاريخ 1 دجنبر2020 انطلقت المهمة الاستطلاعية المؤقتة حول “الصفقات التي أبرمتها وزارة الصحة في ظل جائحة كوفيد 19” برئاسة النائب البرلماني رشيد العبدي عن حزب الاصالة والمعاصرة وعبد اللطيف بروحو مقررا عن حزب العدالة والتنمية بالإضافة الى 11 نائبا كأعضاء في اللجنة.

غير ان عمل اللجنة عرف اضطرابا كبيرا حيث عرف تأخرا لخمسة أشهر بسبب تأخر وزارتي الصحة والمالية في الرد وعدم تزويدها بالمعطيات كما جاء في التقرير الذي أصدرته اللجنة في يوليوز 2021.

أهم مضامين التقرير

يقع تقرير المهمة الاستطلاعية المؤقتة حول “الصفقات التي أبرمتها وزارة الصحة في ظل جائحة كوفيد 19” في 145 صفحة 55 منها مخصصة للملاحق. وبعد ان أشار التقرير الى مجموعة من المبادئ التي تؤطر عمل اللجنة تطرق بعد ذلك لمختلف الصعوبات التي عرفها سير اللجنة خاصة مسألة الحصول على المعلومات والمعطيات المرتبطة بعمل المهمة الاستطلاعية. فادا كانت مؤسسة دستورية مثل البرلمان تشتكي من الحق في الوصول الى المعلومة فكيف سيكون الشأن بمؤسسات اقل شانا حيث سجل تقرير المهمة الاستطلاعية امتناع وزارة الصحة، ومديرة الأدوية، عن الجواب عن المراسلات، والتجاوب مع الاتصالات المباشرة، المتعددة معها بخصوص الموضوع.

سجل التقرير مجموعة من الاختلالات التي عرفها تدبير الصفقات التي أبرمتها وزارة الصحة في ظل جائحة كوفيد 19 مسجلا عدم احترام وزارة الصحة للقواعد القانونية المتعلقة بالصفقات العمومية واستغلالها للمرسوم الذي جاء باستثناءات لاسيما بما يتعلق باحترام قواعد الشفافية وتكافؤ الفرص والنجاعة والفعالية ندكر منها أن وزارة الصحة تعاقدت مع شركات غير مرخص لها، وغير مسجلة، وغير مسموح لها بممارسة نشاطها في سوق المستلزمات الطبية، عن طريق ابرام صفقات تفاوضية مع شركات لا تتوفر على ما يثبت تسجيلها، والذي “يعتبر الوسيلة القانونية للعمل في سوق المستلزمات، أو المستحضرات الطبية”. وذلك رغم أن القانون يمنع المقاولات غير المصرح بها وغير المسجلة لدى وزارة الصحة من الاشتغال في سوق الدواء والمستلزمات الطبية وأكد التقرير، أن إبرام وزارة الصحة لهذه الصفقات “يعتبر مخالفة صريحة للقانون، ولصحة، وسلامة المساطر القانونية، وسجل التقرير ذاته أن هذا التعاقد المخالف للقانون، فيه “مخاطر عالية”، ومن شأنه “تعريض صحة، وسلامة المرضى، والأطقم الطبية، وعموم المواطنين لمخاطر اقتناء هاته المنتجات من شركات تشتغل بشكل غير قانوني. ومما يزكي شبهة المحاباة هو حرمان عشرات الشركات المسجلة لدى وزارة الصحة بشكل قانوني كانت محرومة من الولوج إلى الطلبيات العمومية.

كما سجل التقرير كذلك اختلالا في عملية تدبير وزارة الصحة لعملية اقتناء الكواشف والأجهزة المتعلقة بإجراء تحاليل “كورونا” تتعلق بتاريخ صلاحية الكواشف، حيث أن جزءا كبيرا من التحاليل والكواشف كانت شبه منتهية الصلاحية، ولا تتعدى مدتها شهرين فقط في حين أنه وفي هاته الحالة يتعين أن يكون ثلثا التحاليل تفوق مدة صلاحيتهما سنتين كاملتين.

واعتبر التقرير، أن هذا الأمر” يمثل مخاطر عالية، على اعتبار أن الجزء الأكبر من الصفقة تم تنفيذه فعليا، ومن شأن استعمال هاته الكواشف أن يعرض صحة وسلامة المواطنين لمخاطر كبيرة، تتعلق من جهة بسلامة الكواشف نفسها، ومن جهة ثانية بمدى صحة وسلامة نتائج الفحص”.

كما طالت الاختلالات نظام تنفيذ المالية العمومية حيث تطرق تقرير المهمة الاستطلاعية، إلى ملاحظات بخصوص تعامل وزارة الصحة مع الوكالة المغربية للتعاون الدولي، موضحا أنه “تم تحويل الاعتمادات المالية من قبل وزارتي الصحة والمالية عبر قرارات مشتركة من الحساب الخصوصي للصيدلية المركزية، وذلك لفائدة هاته الوكالة وهو ما يعتبر مخالفة صريحة لأحكام الفصل 41 من المرسوم المتعلق بالمحاسبة العمومية، وتجاوز واضح لحجم الترخيص العمومي المسموح به.

كما أشار التقرير لمواضيع تتعلق بضعف التصنيع والارتهان للاستيراد خاصة في مجال المستلزمات والتجهيزات الطبية حيث لا تغطي الشركات المغربية الا 1 في المائة من عدد الشركات العاملة و 15 في المائة من رقم المعاملات.

تداعيات التقرير

عرف تقرير اللجنة نقاشا غير مسبوق بين وزارة الصحة و اللجنة المكلفة بالمهمة الاستطلاعية المؤقتة حيث أصدرت وزارة الصحة بلاغا ردت فيه على التقرير واصفة اياه بأنه غير موضوعي ويفتقد للمصداقية وغير نهائي وأنه تسريب غير مشروع وبشكل مخالف للمقتضيات القانونية التي تنظم عمل اللجان الاستطلاعية في إطار الدور الرقابي للبرلمان، كما اعتبرت أنه يتضمن اتهامات تمس بسمعة أطر ومسؤولي وزارة الصحة وتخدش صورة المقاولات الوطنية ، كما أوضحت وزارة الصحة أن هذا التقرير المؤقت يعاني في شكله الحالي من عدة نقائص تقلص من مصداقيته وتفرغه من محتواه وتبعده عن تحقيق الأهداف الأصلية التي كانت وراء تشكيل اللجنة الاستطلاعية، ومنها عدم استكماله لمسطرة المناقشة والمصادقة داخل اللجنة البرلمانية المكلفة وكذا عدم انتظار إدراج رد وزير الصحة على الملاحظات الواردة فيه، بشكل يجعله وجهة نظر البعض أكثر منه عملا مؤسساتيا.

وأكدت الوزارة أنها أبرمت صفقاتها طبقا للقوانين والنصوص التنظيمية الجاري بها العمل، وأضافت أن جميع المقاولات التي تعاقدت مع الوزارة مصرح بها، وأن المستلزمات والمعدات الطبية التي تم اقتناؤها في إطار صفقات كوفيد 19 مسجلة طبقا لمقتضيات القانون 84-12 المتعلق بالمستلزمات الطبية.

 ولم يتأخر رد اللجنة البرلمانية المكلفة بالمهمة الاستطلاعية كثيرا حيث وفي سابقة من تاريخ العمل البرلماني، قررت اللجنة الاستطلاعية حول الصفقات التي أبرمتها وزارة الصحة، الرد ببيان لتكذيب بيان  وزارة الصحة بخصوص تقرير المهمة .

وقال البيان الصادر عن المهمة الاستطلاعية، إن “ما وقفت عليه من ملاحظات قد يمثل جزءا فقط من الاختلالات التي تحتاج لتعميق البحث والتدقيق وتفعيل الآليات الأخرى للرقابة البرلمانية، خاصة وأن عددا من الملاحظات المثارة قد تشكل ضربا لمبادئ الشفافية والنزاهة وتكافؤ الفرص، كما قد تمثل تبديدا للمال العام”. وعبرت المهمة الاستطلاعية عن استغرابها من “محاولات تهريب النقاش العمومي من الفضاء الطبيعي داخل البرلمان، والذي يسمح بالمحاسبة السياسية داخل المؤسسات”

وأكد البيان على أن جميع الملاحظات المثارة بخصوص الصفقات التفاوضية التي أبرمتها وزارة الصحة مبنية على معطيات وبيانات ووثائق رسمية مثبتة، وكان على وزير الصحة الحرص على القدوم للبرلمان لمناقشتها وتقديم أجوبته بشأنها

وأوضحت المهمة الاستطلاعية أنه “بعد رفض تزويد اللجنة بالوثائق التي طلبتها وتسببت في تأخير البدء في عملها لما يزيد عن أربعة أشهر، تسجل امتناع وتهرب وزير الصحة من مناقشة التقرير بعد إحالته بشكل رسمي على مكتب مجلس النواب وعلى لجنة القطاعات الاجتماعية”.

كما اكدت اللجنة على أن التقرير الذي أعدّته، قد تم اعتماده رسميا من قبل جميع أعضاء المهمة الاستطلاعية، وتمت المصادقة عليه بالإجماع بعد نقاش عميق وتدقيق لمختلف محاوره وعناصره وفقراته، وتمت إحالته بشكل رسمي وفق أحكام النظام الداخلي لمجلس النواب، مضيفة  أن “تشكيل لجنة للتدقيق في هاته الصفقات جاءت بعد نقاش عمومي وجدل إعلامي واسع حول اختلالات مفترضة في تدبير هاته الصفقات، وكان لزاما  عليها أن تعمل على استجماع المعطيات والوثائق، لتتمكن من تقديم أجوبة سياسية واضحة وتنوير الرأي العام الوطني بهذا الخصوص، وهو جوهر العمل الرقابي عبر هاته الآلية البرلمانية”.

خاتمة

إن التفاعل الكبير الذي عرفه تقرير المهمة الاستطلاعية المؤقتة حول “الصفقات التي أبرمتها وزارة الصحة في ظل جائحة كوفيد 19”  سواء داخل الاعلام أو من خلال لغة البيانات والتكذيبات بين وزارة الصحة واللجنة البرلمانية المكلفة بالمهمة الاستطلاعية ، نظرا لما تضمنه التقرير من معطيات واتهامات خطيرة تعلق بتدبير المالية العمومية يستلزم تحركا سريعا للجهات المكلفة بمراقبة المالية العمومية لاسيما المجلس الأعلى للحسابات والمفتشية العامة للمالية ومجلس المنافسة وغيرها من المؤسسات المكلفة بحماية ومراقبة المالية العمومية، غير أن لا شيء من هذا حدث؛ بل إن الاتجاه الذي أخذه التفاعل مع التقرير يذكرنا بملف المحروقات الذي كان أيضا موضوعا لمهمة استطلاعية. مما يطرح جدوى التقرير من الأساس. فبالإضافة إلى الطابع غير التقريري لعمل المهام الاستطلاعية بالنظر إلى أنها تقتصر على كشف بعض المعطيات وإصدار توصيات لكنها لا تمتلك أي قوة قضائية أو محاسبية على غرار تقارير المجلس الأعلى للحسابات مثلا. ينضاف لذلك إن التقرير جاء في الانفاس الأخيرة للولاية التشريعية مما سيحرمه من أي نقاش حقيقي داخل البرلمان ويبقى رهين التحالفات الحكومية المقبلة.

كما أن مثل هده التقارير لا تخلو من الطابع الانتخابوي والسياسوي خاصة أننا في سنة انتخابية بامتياز وفيما يخص قطاع الصحة يلاحظ ان هناك تكرار في عمل اللجان بل بعضها تطرق لنفس الموضوع كإشكالية الدواء في وزارة الصحة الدي كان موضوع مهمتين استطلاعيتين في الولاية التشريعية الحالية والسابقة.

COMMENTS

WORDPRESS: 0
DISQUS: 0