Homeالشأن السياسي

تجربة الأكاديميين العراقيين في إدارة أزمة التعليم والأداء الجامعي في ظل جائحة كورونا

تجربة الأكاديميين العراقيين في إدارة أزمة التعليم والأداء الجامعي في ظل جائحة كورونا

تحول وباء كورونا الى جائحة اجتاحت العالم بقاراته وجميع دوله دون استثناء، وبسرعة مذهلة ادهشت الكوادر الصحية في الدول المتقدمة وجعلتها في حالة عجز، وسرعان ما استشرى العجز ليشل كل مفاصل الحياة حكومات ومؤسسات، منشآت ومصانع، شركات وأسواق، مدارس وجامعات.

كورونا شكلت أزمة عالمية كبرى، وإدارة الأمور في زمن الأزمات صعب جداً ويحتاج إلى تعاون الفرد صعوداً لأعلى سلطة في البلاد، فكان هذا الوباء ضرورة للتعاون بين الأفراد وسلطاتهم، بل إن التزام الفرد في هذه الأزمة هو المعول عليه للحد من خطورتها. وإدارة الأزمة علم بحد ذاته مبني على مزيج من الأسس الأكاديمية والمهنية الناتجة عن عقود من التعلم والدروس المكتسبة من الأزمات والكوارث.

في ظرفنا هذا يقع أكبر عبئ في التوعية واستيعاب خطورة الوضع وإيجاد سبل المعالجة السريعة والفعالة بعد الكوادر الطبية على الكوادر الأكاديمية باعتبارها الشريحة الأكثر التزاماً في دراسة الواقع ومعالجة ما يطرأ عليه للنهوض بواقع أكبر شريحة في المجتمع وهم الطلبة (الشباب) باستدراك عجلة التعليم والدراسة ومواصلة العمل الأكاديمي المتنوع الاختصاصات المبني على أسس علمية منطقية.

لكن واقع كورونا في العراق كان صادماً، لعدم وجود كوادر وبرامج أكاديمية وتدريبية رصينة لإدارة الطوارئ والأزمات، وفقدان استراتيجية عمل لنموذج يدير عجلة العمل الاكاديمي في الجامعات العراقية في ظل الأزمة، إلا ما ندر من محاولات فردية على نطاق ضيق، وبالأخص التعليم الالكتروني الذي أصبح وسيلة التعليم المعتمد عليه في أزمة كورونا، وهو مجال لم يحظ بأي تطبيق في الجامعات العراقية إلا في تخصصات محدودة لا تكاد تذكر.

نعجب لذلك والعراق بلد الأزمات منذ عقود، لكن لا نريد أن نرجع كثيراً للوراء وسنؤطر زمن حديثنا عن ما حصل أواخر العام المنصرم 2019 وبدايات هذا العام2020 الذي لازلنا نعيش أزمته الشديدة فيما يخص وضع الجامعات العراقية.

إن السنة الدراسية (2019 -2020) كانت مرتبكة منذ بدايتها، بسبب موجة المظاهرات والاعتصامات التي مثلها شباب العراق بشريحة طلاب الجامعات على أوسع نطاق، لكن بعد مدة وتزامناً مع مباشرة خجولة لعودة الدوام في الجامعات العراقية في بغداد والمحافظات الجنوبية في منتصف فبراير/شباط 2020 لاستئناف الدوام و إجراء الامتحانات واستدراك ضياع السنة الدراسية، أخذ وباء كورونا يطرق أبواب الخطر على العراق بعد اتساع دائرة انتشاره في إيران صاحبت أكبر حدود مفتوحة معه من جهته الشرقية، وإذا بأول حالة في العراق لطالب يحمل الجنسية الإيرانية في النجف بتأريخ 24/2/2020، وبعدها حالات في كركوك والسليمانية وأربيل، هنا بدأت قرارات تدارك الخطر تتلاحق، فتشكلت خلية الأزمة (لجنة المادة 55 الوزارية) لمواجهة أزمة وباء كورونا ومن أهم أعضائها وزير التعليم العالي والبحث العلمي، فكانت الخطوات الأولى غلق المدارس والجامعات بتاريخ 27/2_ 7/3 وتعقيم وتعفير أبنية المدارس والجامعات، لكن الذي حصل لم يقف عند هذا الحد، فالوباء أخذ بالاستشراء والأمور خرجت عن السيطرة فعلق الدوام إلى إشعار اخر بعد فرض حظر التجوال في عموم العراق، وحتى الدوام بنسبة (50%) للكوادر الإدارية والمسؤولين في الجامعات سرعان ما ألغي، الجميع التزم البيوت للحد من تفشي الوباء اسوة بما طبق في كل دول العالم .

لكن هل هذا يعني توقف الحياة وضياع السنة الدراسية؟ الأزمة عالمية والعراق جزء منها، كيف عالجتها الدول؟ كان على العراق بذل الجهود المضاعفة لتطبيق سبل المعالجة، جملة تحديات 0على الجميع التكاتف لمواجهتها.

فايروس كورونا لم يكتشف لقاح لإيقافه الى اليوم مسلمة يؤمن بها الجميع في الوقت الحاضر، لكن هناك مجالات توقفت هل يسلم بتوقفها؟ أم أن هناك من استطاع أن يجد لها الحلول لعودة انفتاحها واستمرارية الحياة رغم شبح الموت، أهمها (مجال تعليم) المدارس والجامعات أطفالنا وشبابنا الذين ألزمناهم ولزمنا معهم البيوت خوفا عليهم وحرصاً على مستقبلهم توجب إعادة النظر في وضعهم.  

هنا  كان التحدي ، الخطوة الأولى الاطلاع على تجارب المعالجة التي طبقتها الدول التي سبقتنا في وقوعها ضحية الوباء، لكن السؤال هو هل ما طبقته الدول المتقدمة وبصعوبة عند الكثير منها يمكن أن يطبقه العراق بواقع التعليم المتأزم الذي أشرنا إليه؟ التحدي صعب والجهود التي ستبذل كبيرة جداً للوصول الى نتائج مقبولة على الأقل في المرحلة الراهنة.

تماشياً مع واقع الأزمة المتواصل كان على الجامعات العراقية أن  تحذوا حذو دول العالم في الاستمرار بالعملية التعليمية وإكمال العام الدراسي عن طريق منصات التعليم الإلكتروني ومنصات اللقاءات والاجتماعات الالكترونية والأداء عن بعد وبكل السبل المتوفرة من وسائل التواصل الاجتماعي. ولعله جاءت فرصة لطلبة جامعات بغداد والمحافظات الجنوبية لاستكمال العام الدراسي، لكن هذه المهمة وقف في طريقها الكثير من المعوقات.

التزمت الجامعات العراقية بأوامر الوزارة وتعليمات خلية الأزمة بإيقاف الدوام و تنفيذ تعليمات الحظر الشامل وإجراء عمليات التعقيم والتعفير لبنايات الجامعة، و طبقت في البداية كوادرها الإدارية والمسؤولة  قرار الدوام بنسبة 50%، وبالنسبة للكوادر التعليمية والطلبة والذين كانوا قد اتموا ُامتحانات نصف السنة واستخراج النتائج النهائية فقد التزموا بتوقف الدوام والحظر، لكن بعد مدة وتواصل قرارات الحظر دون تحديد سقف زمني لإنتهاء الأزمة وضعت الجامعات العراقية أمام خيار صعب وهو الالتزام بقرارات استئناف دوام الطلبة لكن هذه المرة عن طريق التعليم عن بعد عبر منصات التعليم الإلكتروني .

كيف ستطبق هذه العملية التي لم تطبق في الجامعات العراقية إلا بحالات فردية واجتهادات شخصية وخبرة الأساتذة في هذا المجال بسيطة جداً بل تكد تكون معدومة؟ وقدرة شبكات الأنترنت على تغطية هذه المهمة على جميع المناطق ضعيفة ومتعثرة، والأمر الأهم هو الطلبة كيف سيتم الزامهم بالانتظام بهذه العملية وتوفير الظرف المناسب لهم باختلاف إمكانيات التحاقهم بهذا النظام بمختلف اختصاصاتهم العلمية التطبيقية والإنسانية، وإقناعهم بأنه هذا هو النظام الذي عن طريقه سيكملون عامهم الدراسي ولا خيار غيره في الوقت الحاضر أسوة بما يجري في دول العالم، لتصبح بين ليلة وضحاها الأجهزة من هواتف ذكية وحواسيب كانت المتنفس الأمثل لهم في نشاطاتهم الترفيهية إلى وسيلة لتحديد مستقبلهم الدراسي وإتمام عامهم بنجاح، فشرع الجميع أساتذة وطلبة لتنصيب برامج التعليم الإلكتروني والبحث والاستقراء عن سبل التعامل معها وبتواصل بينهم و تعاون لإتقان كيفية التعامل مع هذا النظام الجديد.

لكن هذا لم يكن كافياً، فالجهود تحتاج لتنسيق وتنظيم أكثر دقة وانضباط للتعامل مع هذا النظام، لتنطلق هنا الجامعات العراقية بكوادرها الأكاديمية ومراكزها لتنظيم الورش والندوات والدورات والمحاضرات حول التعليم الالكتروني لاستيعاب هذا النظام وضبط أركانه لسلامة تطبيقه وسلاسة التعامل معه، والتشجيع على إقامة هذا النوع من الأنشطة عن بعد أو الالتحاق بما يقام منها في بقيت الجامعات العراقية وكذلك العربية والعالمية.

  ومن المثير للانتباه أن نشاط التدريسيين في الجامعات العراقية  في هذا المجال قد تزايد بشكل ملحوظ، فقد فسحت لهم خلوة الحظر وسكون الحياة فرصة تفعيل قدراتهم التواصلية وحضور كثير من الأنشطة والفعاليات التي كانوا يعجزون عن حضورها في السابق لضيق الوقت وكثرة الالتزامات أو لظروف أخرى كثيرة خاصة فيما يتعلق بالنشاطات الدولية التي تحتاج لسفر ومجهود وتكاليف يعجزون عن أدائها لأسباب مختلفة. لتتحول هذه الفترة رغم صعوبتها والقلق من نتائجها إلى فترة نقاهة ودراسة الذات والتأمل واستعادة التفكير بتأني وهدوء وإعادة تنظيم جدول الحياة لدى الكثيرين.

كما فسحت خدمة الأنترنت لمن يعرف استثمارها استثماراً صحيحاً هذه الفترة الكثير من المواقع البحثية والمكتبات والمجلات الدولية المحكمة التي اتاحت محتوياتها ونشاطاتها مجاناً لتكون فرصة ثمينة للاستفادة منها بالسبل المثلى.

لكن مع هذه الآفاق التي أتيحت للاكاديميين العراقيين إلا أنهم الزموا بالقيام بكل مهامهم التقليدية بكل تفاصيلها، ولكن عن طريق التواصل عن بعد من خلال انتظامها في برامج خاصة وتطبيقات الكترونية، وكذلك متابعة طلبة الدراسات العليا واستئناف مناقشاتهم عن طريق تنظيمها في جلسات إلكترونية على إحدى منصات برامج التواصل والتعليم الالكتروني. حيث اعتمدت مجموعة من البرامج أثبتت فاعليتها وسهولة العمل بها، منه منصات لإلقاء المحاضرات Classroom ,Edmodo  ومنصات لعقد الاجتماعات والمؤتمرات اهمها تطبيقات Zoom ,Meet  وللتواصل وعمل مجموعات متابعة الاعمال كان  عن طريق تطبيقات Telegram,WhatsApp,Viber .

كل هذه الواجبات والمهام من المؤكد تحتاج إلى تهيئة الأجواء المناسبة لأدائها والجميع في بيوته، لذا قد يواجه الكثيرون صعوبات في هذا الأمر، لكن الجميع يسعى بجهود حثيثة للتغلب على الصعوبات من حيث اختيار الوقت وأنواع البرامج الأكثر سهولة بالتواصل ومراعاة الجميع لظروف الاخر وعدم تحميله ما هو أكثر من الطاقة.

وتبقى المهمة الأكثر أهمية عند الكوادر الجامعية هي شريحة الطلبة وكيفية ضمان استمرارية التزامهم بالانتظام في الصفوف الإلكترونية والبحث عن سبل تحفيزهم على المتابعة رغم صعوبة الظرف، ومحاولة السماع لمشاكلهم وتبسيط المادة العلمية لهم قدر المستطاع دون الإخلال بمحتواها وسلوكيات التعليم المنضبط ومراعاة ساعات المحاضرات أن تكون في أوقات مناسبة من حيث توفر التيار الكهربائي المرتبط به بث الأنترنت عند الأغلبية، وكذلك ساعات الأنترنت المجانية التي تعطيها شركات الاتصالات لخطوط الطلبة.

المهام صعبة وتحتاج لتلاحم وتظافر الجهود في الجامعات ابتدأً من الرئاسات وحتى أصغر موظف في كوادرها، وسعي الجميع لاحتواء الطلبة الذين هم ثمرة كل هذه الجهود المتظافرة. وفي الآونة الأخيرة وموجة كورونا الثانية والأكثر عنفاً التي عمت العراق منذ شهر حزيران الماضي والتي وضعت العام الدراسي على المحك وإنهائه بالامتحانات الإلكترونية قرار نهائي لا خيار غيره، هنا كان التحدي الأقوى وهي جهود الأكاديميين لإنهاء العام الدراسي والوصول بالطلبة لبر النجاح وتقديم كل التسهيلات لهم مع التأكيد من وزارة التعليم العالي على حفاظ الكوادر على رصانة ومكانة الجامعات العراقية وشهاداتها ورفض تطبيق نظام العبور لما فيه من انتقاص للجهود الحثيثة التي بذلت خلال الظرف الاستثنائي الصعب، فكانت المرحلة الأولى بطلبة الدراسات العليا وتمت العملية بنجاح، لتشرع بعدها الكوادر بتطبيق نظام الامتحانات الإلكترونية على المراحل الأولية وتنجز المهمة بنجاح منقطع النظير كتجربة أولى، لكنها كانت ممزوجة بإصرار كبير من الكوادر الأكاديمية رغم صعوبة ظرفهم الاقتصادي وانقطاع رواتبهم بسبب الأزمة الاقتصادية الخانقة التي يمر به العراق، لكن التزامهم بواجبهم السامي وإيمانهم برسالتهم التعليمية والتربوية تجاه أبنائهم الطلبة كانت كفيلة لتكون حافزا لهم لإنجاز المهمة رغم كم المعوقات الذي كان في طريقهم .

بل إن نجاح التجربة منح وزارة التعليم العالي اتخاذ الخطوة الأكثر شجاعة وهي إقرار نظام التعليم الإلكتروني نظاماً بديلاً للتعليم التقليدي في حالة الأزمات، ومسانداً للنظام التقليدي في الظروف الطبيعية، وأن يكون العام المقبل مطبقاً للتعليم الإلكتروني إذا ما استمرت مخاطر كورونا قائمة.

تجربة التعليم الإلكتروني الأولى من نوعها لكن وعي الأكاديميين العراقيين وتفانيهم في حمل رسالتهم الإنسانية ومسؤولية الأجيال التي في أعناقهم كانت دافعاً لنجاحهم وتجاوز الأزمة بنتائج مشرفة.