Homeالشأن الإجتماعي

التعليم بالمغرب اختلالات تنمية أو تنمية اختلالات

التعليم بالمغرب اختلالات تنمية أو تنمية اختلالات

من المقدمات الأساسية الممهدة للحديث عن التعليم عندنا في المغرب ما يرتبط بتاريخ إصلاح المنظومة التربوية التعليمية ببلادنا، وهو تاريخ يكاد يكون تاريخا لإرجاء هذا الإصلاح؛ بحكم هذا التعدد الكثير للمشاريع الإصلاحية التي لم تفلح أن تجد لمشاكل التعليم المتكاثرة والمتعددة هي الأخرى حلا ناجعا يخرج المنظومة من وهدة لا وصف يجليها إلا وصف الكارثة.

من البدهيات أيضا التي يمكن التقدم بها هنا أن هناك سمات بنيوية تلتصق بالمسار الإصلاحي العام الذي قطعه التعليم منذ الاستقلال إلى الآن؛ على رأسها تحكم القرار السياسي من خلال اللجان المعينة والمجالس المرعية، ومنها الولادة القيصرية العسيرة لمشاريع الإصلاح لعدم صدورها عن الحاجة التربوية الصرفة، وإنما لصدروها في الغالب عن ضغوط المؤسسات الدولية المانحة وعن هواجس الضبط الموازناتي لمالية الاقتصاد المغربي، ومنها كذلك غياب رؤية تدبيرية واضحة لتنزيل الإصلاحات المعتمدة على علاتها، وما ينجم عن ذلك من ارتجال واستعجال وضياع وسط مشاريع متعددة، ومعايير ضخمة، ومشيرات للتقييم كثيرة، وبنية مادية ومعنوية هشة.

لقد كان التعليم في المغرب السبب الرئيسي في إعاقة التنمية المنشودة كلية وفي الضعف الشديد الملحوظ في تنمية الرأسمال البشري خصوصا، والتقارير الرسمية نفسها وهي تتحدث عن هشاشة التنمية المجتمعية ترصد تجليات تسعة تعد من أبلغ مظاهر هذا الفشل التنموي؛ أولها هذا “القصور” الذي يمس مستوى الرؤية من حيث تكييف ومطابقة الاستراتيجية الوطنية للتنمية مع الالتزامات الدولية لأهداف التنمية الأممية. ثانيها الجانب العلمي في تدبير المقاربة التنموية والذي يتسم بوجود ثغرة كبيرة في بناء قاعدة معطيات للبيانات المرجعية وفي “وضع القائمة النهائية

لمؤشرات أهداف التنمية المستدامة التي يمكن تقديمها من طرف النظام الإحصائي الوطني”[1]. ثالثها ما يتعلق بالجانب القيادي الذي يسجل فيه التمركز الإداري، والافتقاد إلى صلاحيات واضحة في التتبع والتقييم، وفي تكاثر إشكالات التنسيق والالتقائية. رابعها ما يسجل على المستوى المنهجي من ارتجال في ضبط الأولويات وتنظيمها والتنسيق بينها. خامسها محدودية أثر وتأثير الإجراءات المعتمدة. سادسها على مستوى المقاربة وبقاء الأبعاد التنموية حبيسة التشخيص دون الإنجاز. أما السابعة فالعجز على مستوى التنزيل في مجالات التخطيط والتمويل وإشراك الفاعلين وانخراطهم. والثامنة التعثرات الواضحة على مستوى التواصل في محاور تخص الحوار والتعبئة والدمقرطة. لتكون التاسعة مختصة بوضعية الفاعل البشري الذي يعيش الأمية عند الكبار، وضعف المكتسبات عند فئة 15 سنة فما فوق، وتزايدا في معدلات البطالة، وغياب سوق شغل مدمج للطاقات، ولتكون الحصيلة العامة تعميقا متناميا للتفاوتات الاجتماعية وتغييبا متزايدا للعدالة المجتمعية[2].سيكون الثمن الفادح الذي ستؤديه المنظومة ومعها أجيالها هو عنوان أبدي أضحى وسما متكررا ملتصقا بالتعليم عندنا هو الفشل في بلوغ أهداف التنمية الاجتماعية والرقي المعرفي والعلمي، والفشل في تحقيق وعود القضاء على الأمية وتعميم التعليم، وبلوغ الإنصاف والعدالة والجودة ونيل الثقة في المنظومة. لتبرز تجليات الأعطاب التنموية مكتسحة التعلمات الأساسية، والقدرة التنافسية، وسياسات البحث العلمي، والإمكانات الإدماجية لذوي الحاجات الخاصة، ونسب التأطير الجامعي، ومشيرات الجودة والنجاعة، ومهارات مسايرة التطور التكنولوجي وغير ذلك من جوانب السياسة والتدبير والتسيير لمختلف مناحي قطاع التربية والتعليم يؤدي بنا التحليل المشخص أعلاه إلى أن الاختلالات التنموية التي تعيق مسار التقدم السليم لمنظومة التربية والتعليم المغربية ليست سوى الوجه الآخر لاستثمار الدولة في تنمية الاختلالات، بل إنه قد نزعم أن تاريخ أعطاب التنمية في التعليم بالشكل الذي ترسم ملامحه وتجلياته مختلف الدراسات الدولية وحتى الرسمية التي لم تعد قادرة على إخفاء غابة الكوارث في المجال، هو في النهاية تاريخ لتنمية الأعطاب، وما ذاك إلا لسبب وجيه وعميق هو أن الدولة المستبدة كل دولة مستبدة لا أرب لها في تعليم الشعب التعليم الذي يحقق التحرير والتنوير والتغيير ، وكل ما تفعله هو أشبه ما يكون بمحو الأمية ذلكم المحو الذي يسمح بتحويل المتعلمين إلى مستخدمين في ضيعة الكبار.


[1] المملكة المغربية، المجلس الأعلى للحسابات، مدى جاهزية المغرب لتنفيذ أهداف التنمية المستدامة 2015/2030، 2019.

[2] RAPPORT DE SYNTHESE DE LA RENCONTRE SUR LE THEME : QUEL MODELE DE DEVELOPPEMENT POUR LE MAROC ? LES POINTS DE CONVERGENCE DE L’INSTITUT ROYAL DES ETUDES STRATEGIQUES ET DU GROUPE PRINCIPAL DES PARTENAIRES AU MAROC. RABAT, 27 MAI 2019.