Homeالشأن الإقتصادي

المؤسسات والمقاولات العمومية بالمغرب بين ضرورة الإصلاح وشبح الإخفاق

المؤسسات والمقاولات العمومية بالمغرب بين ضرورة الإصلاح وشبح الإخفاق

  1. مقدمة

يعتبر قطاع المؤسسات والمقاولات العمومية بمثابة قطب الرحى في ترجمة السياسات العمومية وتفعيل الاستراتيجيات القطاعية ومواكبة الإصلاحات الكبرى التي اعتمدها المغرب مند سنوات في عدة مجالات ذات أثر اجتماعي واقتصادي ومالي. ويحتل هذا القطاع موقعا مصيريا في صلب الدينامية الاقتصادية والاجتماعية بالمغرب، كما عرف عدة إصلاحات بدرجات متفاوتة وبمقاربات مختلفة بغية الرفع من مردودية أداءه وتحسين مؤشرات الحكامة به.

 وبالنظر الى الدور المحوري لهذا القطاع في الحياة الاجتماعية والاقتصادية، ومن أجل تجاوز الإكراهات البنيوية والهيكلية التي تعيقه، فقد تم الإقرار بشكل رسمي في السنوات الأخيرة بفشل المقاربة المعتمدة في تدبيره وحكامته، مما عجل باعتماد إصلاح هيكلي كخطوة مهمة نحو إصلاح شامل للقطاع العام بالمغرب.  ومن أجل تفعيل هذا التوجه العام للدولة باشرت الحكومة اعتماد ثلاثة نصوص قانونية قصد إصلاح وهيكلة القطاع العام بالمغرب وهي كالاتي:

  • القانون رقم 76-20 القاضي بإحداث صندوق محمد السادس للاستثمار والذي تم نشره بالجريدة الرسمية بتاريخ 11 يناير 2021، والذي اوكل إليه مهمة تمويل خطة الإنعاش الاقتصادي مما يوحي بوجود أزمة اقتصادية بنيوية سماتها البارزة الركود والارتجالية.
  • القانون الإطار رقم 50-21 المتعلق بإصلاح المؤسسات والمقاولات العمومية والذي تم نشره بالجريدة الرسمية بتاريخ 26 يوليوز 2021
  • القانون رقم 82-20 القاضي بإحداث الوكالة الوطنية للتدبير الاستراتيجي لمساهمات الدولة وتتبع نجاعة أداء المؤسسات والمقاولات العمومية والذي تم نشره بالجريدة الرسمية بتاريخ 26 يوليوز 2021.

وتعتبر هاته الإصلاحات كركيزة أساسية نحو إصلاح القطاع العام وتفعيل مخرجات النموذج التنموي الجديد والذي أوصى بخصوص هذا الموضوع بما يلي :

  • ضرورة القيام بإصلاح عميق للقطاع العام من خلال مراجعة هيكلية لأولوياته من جهة والعمل على إعادة توازنه وتكمال مكوناته من جهة ثانية،
  • تعزيز الاستقلالية المالية للمؤسسات والمقاولات العمومية عبر تعزيز نجاعة الأداء والحد ما أمكن من اللجوء الى إعانات وضمان الدولة،
  • مراجعة السياسة المساهماتية للدولة من خلال تفعيل الوكالة الوطنية للتدبير الاستراتيجي لمساهمات الدولة وتتبع نجاعة أداء المؤسسات والمقاولات العمومية وإعادة هيكلة المحفظة العمومية.

سنحاول من خلال هاته الورقة تسليط الضوء على القانون الإطار رقم 50-21 المتعلق بإصلاح المؤسسات والمقاولات العمومية ومساءلة بعض مضامينه من خلال دراسة أفقية للقطاع بنفس استشرافي يتوخى الموضوعية ومعالجة مكامن الداء وفتح بعض مخرجات الحل. وقبل الخوض في هذا الموضوع نذكر بمكونات المحفظة العمومية والعلاقة المالية القائمة بين الدولة والمؤسسات والمقاولات العمومية.

  • مكونات المحفظة العمومية

تحتوي المحفظة العمومية إلى متم شهر غشت 2021  ما مجموعه 225 مؤسسة عمومية[1] و44 مقاولة عمومية[2] ذات مساهمة مباشرة للخزينة تغطي عدة قطاعات استراتيجية في الاقتصاد الوطني، وتمتلك بعض المؤسسات والمقاولات العمومية ما مجموعه 498 شركة تابعة أو مساهمة عمومية، ويملك القطاع العمومي حق المراقبة في  54% منها، كما تملك  الجماعات الترابية  مساهمة مباشرة في 21 شركة  وهو نفس العدد الذي لم يتغير منذ شتنبر 2018.

المٍرجع : تقرير EEP (2021)

  • العلاقة المالية بين الدولة والمؤسسات والمقاولات العمومية

تتخذ مساهمات المؤسسات والمقاولات العمومية في الميزانية العامة للدولة عدة أشكال منها الأرباح أو حصص الأرباح أو عائدات الاحتكار أو اتاوات مقابل احتكار الملك العمومي أو غيرها من الاشكال، ويتضح بأن مساهمات القطاع لفائدة الميزانية العامة بقيت هزيلة ولم يطرأ عليها أي تغيير يذكر، حيث ظلت دون مستوى الرهانات المعقودة على هذا القطاع في التخفيف من العبئ المالي على خزينة الدولة والتصدي للإشكالات الاقتصادية والاجتماعية التي تعيق التطور والاقلاع الاقتصادي بالمغرب.

المٍرجع : تقرير EEP (2021)

وبالمقابل فإن امدادات الميزانية العامة للدولة لفائدة هذه المؤسسات والمقاولات في ارتفاع مستمر وبمنحى تصاعدي يساهم بلا شك في عدم التوازن بين الاتجاهين. وتجدر الإشارة أن أغلب المقاولات العمومية ذات الطابع التجاري التي من المفترض أن تكون بمثابة مورد مالي مهم للخزينة العامة إلا أنها تعيش على أمل أن تستفيد من إعانات الدولة وبشكل مستمر، كما هو الشأن بالنسبة للشركة الوطنية للنقل الجوي والمكتب الوطني للماء الصالح للشرب والخطوط الملكية الجوية والمكتب الوطني للسكك الحديدية ومقاولات أخرى.

المٍرجع : تقرير EEP (2021)

ومن جهة أخرى فإن أربع مقاولات عمومية[3] تساهم بأكثر من 80% من المساهمة الكلية للقطاع لفائدة الميزانية العامة في حين أن باقي المقاولات تقتات على إعانات الدولة، وهذا مؤشر يسائل بجدية عنصر الحكامة ونجاعة الأداء بهاته المقاولات.     

  • مساءلة أهم مضامين الإصلاح

سنحاول كما سبقت الإشارة الى ذلك مساءلة أهم المضامين التي وردت بالقانون الإطار رقم 50.21 والتقارير المواكبة لبسط محتوياته وآليات تنزيله، خاصة تلك الصادرة عن وزارة الاقتصاد والمالية. وعليه فسنحاول من خلال المحاور الآتية معالجة هاته المضامين وفقا للنسق العام الكلي للاقتصاد الوطني وأخذا بعين الاعتبار الإكراهات المعيقة والفرص المتاحة.

يندرج هذا الإصلاح في سلسلة من الإصلاحات التي حث عليها النموذج التنموي الجديد، مما يؤشر على الرغبة في الإصلاح والمضي نحو تفعيل مقتضيات النموذج الجديد للتنمية.  ومن الملاحظات التي نسجلها على القانون الإطار رقم 50.21 بهذا الخصوص هو أنه صدر مباشرة بحوالي ثلاثة أشهر بعد صدور تقرير النموذج التنموي، حيث صدر الأول في يوليوز والثاني في أبريل من سنة 2021. كما أنه كذلك وفي نفس السياق صدر قانونين مهيكلين في نفس الفترة ويتعلق الامر بإحداث صندوق محمد السادس في يناير 2021 والوكالة الوطنية للتدبير الاستراتيجي لمساهمات الدولة وتتبع نجاعة أداء المؤسسات والمقاولات العمومية في يوليوز 2021. إن هذا التزامن يعتبر بمثابة مؤشر مهم في نظرنا، بما يوحي بأن كل هاته المشاريع كانت جاهزة وفي إطار منسق له بشكل مسبق ومدروس، مما يسائل الجدوى من توصيات لجنة النموذج التنموي ومدى استقلالية مقترحاتها عن الجهاز التنفيذي للدولة بالمغرب، مما يوحي كذلك بأن توصيات لجنة النموذج التنموي لا تعدو أن تكون بمثابة إطفاء نوع من “الشرعية” على سياسات عمومية جاهزة مسبقا.

كما شدد القانون على ضرورة القيام بعمليات تجميع وإدماج المؤسسات والمقاولات العمومية من أجل الرفع من نجاعة الأداء وتعزيز القدرات وخصوصا تشجيع ظهور أقطاب كبرى قادرة على قيادة الأوراش التي يتم إطلاقها في إطار السياسات العمومية، وهو الأمر الذي ما فتئ الفاعلون في الشأن السياسي والاقتصادي يدعون إليه ويقرون بالعمل بمقتضياته من خلال عدة سياسات سابقة. إلا أن سؤال التجميع أو الادماج ليس بضامن للفعالية ونجاعة الأداء بقدر ما قد يكون عنصرا من عناصر النكوص والركود الهيكلي والتدبيري لصعوبة المرحلة الانتقالية. وقد يكون مناسبة للتغطية على سوء التدبير وخلل التوازنات المالية للمؤسسة.

 وعلية فإننا نرى أن مواكبة المؤسسات والمقاولات العمومية لضمان فعالية الأداء ونجاعة التدبير بها هو جزء من كل، كما أن الفاعلين والشركاء المعنيين بهذا الإصلاح مطالبون كل في حدود اختصاصاته للعمل وبشكل استعجالي على دمقرطة الشأن الاقتصادي وتفعيل المبدأ الدستوري القاضي بربط المسؤولية بالمحاسبة على الجميع وبدون استثناء.

وحث القانون كذلك وبشكل استعجالي على ضرورة تسريع الإجراءات التي تروم الحد أو الاستغناء عن اللجوء إلى ميزانية الدولة ودعى بشكل صريح إلى مزيد من الخوصصة من خلال تفويت الأصول والشركات التابعة والمساهمات غير الضرورية لممارسة المهام الأساسية. هو توجه تم تبنيه منذ مدة في معزل عن الآليات المواكبة والسياسات الداعمة له، بحيث أن الحد أو الاستغناء عن اللجوء إلى الميزانية العامة ليس حكرا فقط على المؤسسات والمقاولات ذات الأنشطة التجارية، بل هو توجه يروم أيضا المؤسسات العمومية ذات الطابع الاجتماعي كالتعليم والصحة اللذين أصبحا سنة بعد أخرى ينفتحان بشكل أكثر على خوصصة الخدمات المقدمة من قبلهما. وفي نفس السياق فإن هذا التوجه يؤكد الاختلالات الهيكلية بالقطاع وفشل منظومة المراقبة والمواكبة والتي هي من اختصاص الهيئات التي أنشأت من أجل ذلك كمديرية المقاولات العمومية والخوصصة ومديرية الميزانية بوزارة المالية والمجلس الأعلى للحسابات وباقي هيئات الرقابة والحكامة.

كما أتى هذا القانون بإجراء جديد وهو في غاية الأهمية، يتمثل في تحويل المؤسسات والمقاولات العمومية التي تمارس نشاطا تجاريا الى شركات المساهمة، ويعتبر هذا الاجراء من بين أهم الإجراءات التي قد تساهم في تفعيل مستوى الأداء والمراقبة على جميع المستويات. إلا أنه يبقى سيفا دو حدين مالم تواكبه سياسات عمومية في باقي المجالات ذات الصلة بغرض دمقرطة الشأن الاقتصادي والسياسي، وجعله في صلب اهتمامات المواطنين والهيئات المنتخبة من خلال تفعيل قنوات المراقبة والمحاسبة، وإرساء منظومة جديدة مستقلة وفعالة للمراقبة المالية للدولة، وتكريس منطق جديد للتدبير يرتكز على حسن الأداء من جهة واستباق ومعالجة المخاطر من جهة تانية.

  • خلاصة

بالنظر إلى كل المعطيات المتوفرة لحدود اللحظة والأجوبة التي اقترحها القانون الإطار رقم 50.21 لإصلاح قطاع المؤسسات والمقاولات العمومية بالمغرب، وأخذا بعين الاعتبار أهمية النصوص والمقترحات الواردة بهذا القانون للرفع من أداء ونجاعة المؤسسات والمقاولات العمومية، فإننا نرى بأن شبح الإخفاق يبقى ملازما لكل إصلاح مهما توفرت فيه شروط ومقومات النجاح، مما يستلزم وبإلحاح ضرورة تكاثف جهود جميع الفاعلين لأخد موعد مع التاريخ وإنجاح هذا الورش الكبير باعتباره من أهم روافد الإقلاع الاقتصادي والاجتماعي.

وتبقى الإرادة الصادقة والسياسة المتبصرة والمتعددة الابعاد والمتوافقة مع الأهداف والتوجهات الاستراتيجية الكبرى للسياسات العمومية، والمنخرطة في نموذج اقتصادي قوي ومتكامل من أهم الأجوبة على كل التحديات التي تواجه السياسة الاستثمارية والتدبيرية المتعلقة بهذا القطاع. كما أن مؤسسات ومقاولات هذا القطاع مدعوة لمعالجة مختلف الاختلالات الناجمة عن ضعف الحكامة المؤسساتية وترهل السياسات التدبيرية والمالية بما يخدم تحسين فعالية ونجاعة استثماراتها وتنويع مصادر تمويلها عبر ابتكار آليات وأساليب أخرى أكثر فعالية في خدمة المجتمع والمواطنين.


[1] هي شخص معنوي خاضع للقانون العام ويتمتع بالشخصية القانونية والاستقلال المالي.

[2] هي تنتمي لشركات القانون الخاص التي تملك الدولة رأسمالها مباشرة كليا أو جزئيا

[3] المجمع الشريف للفوسفاط، الوكالة الوطنية للمحافظة العقارية والمسح العقاري والخرائطية، شركة اتصالات المغرب وبنك المغرب.