Homeإصدارات المركز

أي دور تنموي لقرار رفع الفائدة الرئيسي في ظل الأزمة الراهنة بالمغرب ؟

أي دور تنموي لقرار رفع الفائدة الرئيسي في ظل الأزمة الراهنة بالمغرب ؟

اعتمدت الدولة المغربية منذ الاستقلال على بناء أسس اقتصاد ليبرالي ونهج سياسة الانفتاح على باقي دول العالم. وقد مكن هذا التوجه من دفع عجلت الاقتصاد بالاتجاه العالمي، الشيء الذي مكن المغرب من ربط علاقات مبكرة مع سلاسل الإنتاج العالمية التي جعلت اليوم الاقتصاد الوطني من أهم المؤثرين في شمال افريقيا.

لكن هذا الارتباط، الواسع للاقتصاد المغربي بالتجارة العالمية أدى في نفس الوقت إلى جعل أزمات هذه الأخيرة تؤثر بشكل واسع على الناتج الوطني والاستهلاك الداخلي.
ومن أجل تجاوز الآثار السلبية للأزمات العالمية، خصوصا أزمة كوفيد 19 والأزمة الروسية الأوكرانية، أقرت الدولة المغربية حزمة من المساعدات بدءا بالدعم المباشر ونهاية برفع البنك المركزي لقيمة سعر الفائدة الرئيسي، وذلك من أجل العمل على استقرار الأسعار والحد من التضخم التراكمي (التضخم وارتفاع البطالة).
في هذا الإطار، وجب التذكير بأن سياسة البنك المركزي لمعظم الدول تعتبر الحفاظ على الأسعار الهدف الأسمى للسياسة النقدية التي تتم بلورتها من طرف البنك المركزي والذي يعتبر رأس هرم السلطة النقدية. ومن أجل تحقيق أهدافه، يعتمد البنك المركزي أساسا في سياسته على سعر الفائدة الرئيسي والاحتياط الإلزامي.
وقد عمل بنك المغرب في قراره الأخير على الزيادة في سعر الفائدة الرئيسي من ٪ 1,9 الى ٪ 2 أي بارتفاع يقدر بأكثر من ٪ 33 وذلك من أجل العمل على الحد من حالة التضخم في الأسعار، أي أن البنوك التجارية -وكنتيجة لارتفاع سعر الفائدة الرئيسي- سوف تعمل على الرفع من سعر الدين الذي سيؤديه المواطن المغربي في نهاية المطاف عند الحاجة للاقتراض. سواء كان الاقتراض من أجل الاستهلاك أو الاستثمار.
في هذا الصدد، وحسب التقرير الصادر عن بنك المغرب لسنة 2021، فإن متوسط سعر الفائدة على السكن قد شهد ارتفاعا طفيفا حيث انتقل من ٪ 4.24 (الفصل 4) سنة 2020 الى ٪4.32 سنة 2021. كما أن متوسط سعرالفائدة على الاستهلاك انتقل من ٪ 9.41 سنة 2020 الى ٪ 9.13 سنة 2021.
وعليه، فإن القرار الخير لبنك المغرب سيزيد من المنحى التصاعدي لسعر القروض الممنوحة من أجل السكن والاستهلاك والاستثمار خصوصا فيما يخص المقاولات الصغرى والمتوسطة.
و بناء عليه، يمكن الجزم بأن هذا القرار سيؤثر سلبا على قطاع العقار الذي يعاني من ارتفاع كلفة الإنتاج، حيث ستصبح شريحة مهمة من المواطنين المغاربة غير قادرة على اقتناء المنازل للسكن عن طريق القرض، نظرا لارتفاع الأسعار من جهة (ارتفاع كلفة الانتاج)، وارتفاع سعر القرض من جهة أخرى. كما أن ارتفاع سعر القروض على الاستهلاك سيؤثر سلبا على سوق السيارات والأثاث المنزلية بالإضافة الى المقاولات الصغرى والمتوسطة والقطاع غير المهيكل (معظم المعاملات التجارية تتم عبر القروض الاستهلاكية).
ومن خلال ما سبق، يظهر جليا أن السياسة النقدية المتبعة تهدف إلى خفض الاستهلاك وبالتالي تباطؤ الطلب الداخلي مما قد يؤدي إلى تراجع الأسعار في المنظور القريب. لكن، ارتفاع الأسعار ليس مرتبطا بهذه القطاعات التي ستضرر بشكل مباشر بهذا القرار، لكنه نتيجة الظرفية الدولية من جهة ومن جهة أخرى قد يكون ناتجا أيضا عن تضخم هامش الربح في القطاعات الاقتصادية الكبرى في البلد (الطاقة، الفوسفاط…).
أما فيما يخص الظرفية الدولية، فإن ارتفاع أسعار البترول والمواد الأولية والصناعية المستوردة هو راجع بالأساس إلى الأزمة الروسية الأوكرانية بالضاافة إلى ارتفاع قيمة الدولار أمام الدرهم.
ومن أجل تجاوز هذه الزمة، يجب العمل على تقديم إعانات مباشرة لليد العاملة في القطاعات غير المهيكلة بالإضافة إلى الرفع من أجرة العاملين في القطاع العام والخاص (تخفيض الضريبة على الدخل…). في نفس الوقت، يجب العمل من أجل تشجيع المواطن المغربي على استهلاك المواد محلية الصنع عوض تلك المستوردة التي قد يؤدي ارتفاعها إلى تدني احتياط المغرب من العملة الصعبة وبالتالي ارتفاع المديونية الخارجية. أما فيما يخص القطاعات الاقتصادية الكبرى التي لازالت تراكم ثروة هائلة من الزمة الحالية نتيجة ارتفاع السعار (الطاقة، الفوسفاط…) فيمكن من خلال قانون المالية فرض ضرائب جديدة عليها واستعمال إيرادات هذه الضرائب من أجل الحد من الفوارق الاجتماعية الفاحشة وحماية القدرة الشرائية للمواطن المغربي التي تعد الضامن الوحيد للاستقرار الداخلي عوض التركيز فقط على الاقتصاد الدولي الذي أصبح غير واضح المعالم في ظل الأزمات الراهنة.

COMMENTS

WORDPRESS: 0
DISQUS: 0